البلوط والتسوس والاستقرار .. أدلة مغربية تعيد رسم مسار تطور الإنسان

كيف يسهم “تسوس الأسنان” في فهم تاريخ تطور ذهن الإنسان وعيشه بالمغرب والعالم؟ ينبه عالم الآثار عبد الجليل بوزوكار إلى أن دراسة هذا المعطى غيرت تأريخ نمط الاستقرار البشري في المغرب، وفهم نمط عيش الإنسان القديم بالمغرب والعالم، بل وفهم التطورات التي مر بها العقل الإنساني. في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية قال عالم الأركيولوجيا بوزوكار إن نوع التسوس في الأسنان مكن مع معطيات أخرى من تغيير فهم نمط عيش المجموعات البشرية القديمة بالمغرب، واستيعاب جزء من العمق التاريخي القديم جدا لمهارات أدت إلى الاستقرار الذي كان ينظر إليه فقط من منظور الزراعة، بل إن دراسة تسوس الأسنان تمكن من فهم تطورات طالت دماغ الإنسان، وتمكن من فهم التسلسل الزمني لاكتشافات بالمغرب، تعمق فهم تاريخ الإنسان على كوكب الأرض. وتابع المتحدث: “تسوس الأسنان الذي كان معروفا في الدراسات، قبل نشر نتائج سنة 2014 في مغارة الحمام بتافوغالت شمال شرق المغرب، كان المعروف ارتباطه فقط بالمجموعات البشرية التي عرفت الزراعة، وخاصة زراعة الحبوب الغنية جدا بالكربوهيدرات والسكريات، التي عندما تطحن وتستعمل وتستهلك على شكل كسرات تشبه الخبز يلتصق العجين بالأسنان، مع عدم وجود عناية بها مثل ما نعرفه اليوم؛ ما نتج عنه تسوس كنا نظنه محصورا في المجموعات منذ العصر الحجري الحديث”. وأضاف عالم الآثار: “اكتشافات تافوغالت قلبت الأمر، إذ ظهر هذا النوع من التسوس عند مجموعات بشرية لم تعرف الزراعة بمعناها الحالي، مثل تدجين الحبوب، أي نقلها من النوع البري إلى النوع المزروع المتحكم فيه، وهو تسوس طرح سؤال كيف أن مجتمعات لم تعرف زراعة الحبوب وقع لها تسوس الأسنان الذي هو انعكاس تغذية غنية بالكربوهيدرات والسكريات؟”. ثم استرسل بوزوكار شارحا: “علم الآثار يعتمد على علوم متداخلة، من بينها علم النباتات والثمار القديمة (…) وقد اكتشف فريق البحث في مغارة الحمام بتافوغالت عددا هائلا يقدر بالآلاف من قشور البلوط المحروقة؛ ما يعني أنه كان هناك استهلاك كبير للبلوط، منذ 15 ألف سنة قبل الحاضر، ويعني أيضا أنه لا بد أن يكون هناك تخزين لثمرة موسمية، ما يحيلنا على نمط العيش”، وواصل: “استهلاك البلوط النيئ لا ينتج عنه مثل هذا التسوس، مثل باقي السكريات الطبيعية لثمار استهلكها الإنسان لعشرات آلاف السنين… أما نوع التسوس المكتشف فناتج عن تحويل ثمار البلوط؛ نظرا لتعريضها لتحول عبر النار، حتى تكون لها صلابة، تسهّل تخزينها، على شكل طحين… وهو ما يفسر أيضا ما وجدناه من رحى في الموقع، تستعمل أيضا في طحن المغرة الحمراء”. وما علاقة نوعية تخزين البلوط بالتسوس ونمط العيش؟ يجيب عبد الجليل بوزوكار بقوله: “حين يتم تحويل ثمار البلوط إلى طحين تصير لها كثافة تجعلها تلتصق بين الأسنان، فتبقى لمدة طويلة في الفم، ما يجعل عملية كيميائية تقع بين أسنانه، وتؤثر السكريات الطبيعية الغنية في البلوط عليها وتخلق التسوس، وهو ما دفع الباحثين إلى مراجعة مسلمات سابقة، ربطت التسوس بمرحلة زراعة الحبوب فقط؛ بينما أثبتت مغارة الحمام بتافوغالت وجوده على الأقل 8000 سنة قبل اكتشاف الزراعة بها”. وأضاف المتحدث ذاته: “التسوس مؤشر على تبني نوع من الاستقرار، لأن جمع الثمار من الطبيعة واستهلاكها في شكل عيش الرحّل أمر لن يجعل التسوس يحدث بهذا الشكل، ولن يتيح تراكم بقايا هائلة لقشور متفحمة، فضلا عن مؤشرات أخرى من بينها هياكل عظمية”؛ ما دفع إلى فهم أن “هذه النقطة عرفت استقرارا مدة طويلة”، قبل ما كان متصورا في الفرضيات العلمية. وزاد المصرح: “عبر دراسة الكيمياء الحيوية، المرتبطة بدراسة النظائر المستقرة، أي الكربون والآزوت والزنك، في عظام وأسنان المجموعات البشرية، أظهرت العظام البشرية لتافوغالت أن لغذائهم ميل أكثر للنباتات أزيد من اللحوم؛ ما يجعلنا أكثر أمام مجموعة تغيّر نمط عيشها”، وبالتالي هذا يعزز فرضية أن المغرب “عرف أقدم المجموعات البشرية التي تبنت نمط العيش المستقر، وبدأت تبتعد عن الترحال منذ 15 ألف سنة”. لماذا؟ لأن “الاستقرار البشري لا ينبغي أن ننظر إليه فقط من زاوية ممارسة الزراعة، فقد كانت هناك مجموعة من الأنشطة المختلفة السابقة على الزراعة مهدت لظهور الأخيرة، وهذا الجزء من العالم المسمى المغرب لعب دورا كبيرا في هذا”، وهو ما تبرزه مغارة الحمام بتافوغالت واكتشافاتها. ويقرأ عالم الآثار اكتشافات الاثنتي عشرة سنة الأخيرة في ضوء مستجد علمي جديد لدراسة نشرت في شهر غشت الجاري، عن جامعة سيدني الأسترالية، وذكر معها باحثون من بينهم براند ميلر بجامعة سيدني أن “فهم دور الكربوهيدرات إلى جانب اللحوم والدهون والبروتينات يُقدّم صورةً أكثر شمولًا لرحلة التطور البشري. وتشير دراستنا إلى أن السكريات والنشويات ربما ساهمت في تشكيل نمو الدماغ البشري والعديد من السمات التي تميزنا كبشر”، وفق ترجمة الاقتباس. وعلق بوزوكار: “بالرجوع إلى المغرب، وبالتحديد إلى مغارة الحمام بتافوغالت، فقد تم العثور بها على أقدم آثار لتسوس الأسنان في العالم ناتج عن تناول طعام غني بالكاربوهيدرات أو السكريات الطبيعية، مؤرخ بـ 15 ألف سنة، وهو غذاء كان له إذن الأثر الكبير على دماغ الإنسان، وإذا أضفنا إلى ذلك معطيات التنظيم الاجتماعي للإنسان، وميله إلى الاستقرار، تتضح الصورة، ويتوفر التفسير الأرجح لتعاقب وتسارع ‘إنجازات’ الإنسان القديم بهذه الأرض، وما كان لها من انعكاس على تاريخ البشرية”. نمط الاستهلاك هذا، إذن، وما له من تأثير على الدماغ وفق المستجدات العلمية، يدفع عالم الآثار إلى القول: “ربما هذا يجعلنا نفسر لماذا نجد أن الإنسان في مغارة تافوغالت يراكم مجموعة من الاكتشافات من 15 ألف إلى 12 ألف سنة، وهو ما استمر في ما بعد”، وتوجد استمرارية زمنية وجغرافية له مثل “أقدم آثار زراعة، لحبوب مدجنة، بكهف تحت الغار بتطوان، منذ 6300 سنة قبل الفترة الحالية”. هذه المستجدات تجعل “فهم التراكم في هذا الفضاء الجغرافي منطقيا، منذ ظهور أولى المجموعات البشرية التي مارست الاستقرار كنمط للعيش”، كما تنبه إلى أن “تسوسا صغيرا في أسنان الإنسان القديم”، اكتشف بالمجال الجغرافي المسمى المغرب اليوم، “يخفي قصة كبيرة عن جزء من تاريخ البشرية”. The post البلوط والتسوس والاستقرار .. أدلة مغربية تعيد رسم مسار تطور الإنسان appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
شوكي : “نعتز بحصيلة غيّرت الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمغرب”
أوضح محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، أن الحزب يتجه إلى الاستحقاقات المقبلة معتز…










