التراث الإسلامي و”التنويريون”.. هل هو بحث عن الحقيقة أم “خطة محو” بالوكالة؟
هوية بريس – د.محمد لكزولي
تطرح المفارقة المعاصرة في التعامل مع التراث الإسلامي تساؤلاً عميقا يتجاوز أسئلة القراءة التاريخانية؛ حيث يروج الخطاب “التنويري” لهذا التراث بـ”حجر عثرة” تعيق التقدم العلمي وتمنع النهضة الحضارية، وسبب رئيسي لحالة الكساد القيمي والأخلاقي الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية، بينما تولي المؤسسات ومراكز الدراسات الغربية الكبرى هذا التراث اهتماماً بحثيا ونقدياً يتجاوز حدود القراءة السطحية. مما يطرح العديد من الأسئلة الملحة: إذا كان تراثنا مجرد “ركام من الأفكار البالية” التي لا تصلح لزمننا، فلماذا تستثمر القوى الثقافية العالمية كل هذا الجهد والمال لتمويل منصات وأبواق تتخصص حصراً في نقده وهدم أسسه؟
إن المشكلة الحقيقية تكمن في قصور باحثينا ومثقفينا “التنويريين” في قراءة تراثنا كما يقرأه “الغرب”؛ لو كان التراث حقاً أداة تخلف فمن الذكاء الاستراتيجي أن يتركك الخصوم تتمسك بما يدمرك، لكن الحقيقة التي يدركها الفكر الاستراتيجي الغربي أن “النوى النهضوية” الكامنة في هذا الرصيد المعرفي كفيلة ببعث النهضة في من يؤمن بأسسه ويعتقده في مكامنه. إن الغرب يدرك أن بذور المنهج العلمي الحديث نبتت في الأندلس وفارس وخراسان وغيرها من الأقطار الإسلامية عبر آليات فلسفية متطورة جمعت بين “الشك المنهجي” و”الاستقراء التجريبي” و”التسليم بما لم تدركه الحواس”، ومهدت الطريق للعلوم المخبرية المعاصرة قبل أن تعرفها أوروبا بقرون؛ لذا فإن استراتيجية المحو لا تستهدف النصوص بقدر ما تستهدف “المنطق” الذي أسس لسيادة الأمة قرونا.
يبدو أن الغرب الذي يخشى استيقاظ هذه “الإمكانات” في العقل المسلم، قرر محاربتنا بـرواد الفضاء الازرق وبأشباه المثقفين من أبناء جلدتنا، الذين تحولوا إلى “وكلاء فكريين” يمارسون نقد التراث بعيون استشراقية فجة. معتمدين على تقشير لحاء المفاهيم، ومستعرضين “لمظاهر عضلات فكرية” عبر “لايفات” عابرة للمنصات، وصراخ انفعالي يتهم التراث بالجمود، والتراث بالخرافات، والتاريخ بالقصص، مفتقرين لأبسط الأدوات المعرفية التي تمكن من النفاذ إلى جوهر البناء الشرعي واللغوي والتاريخي.
إن ما نواجهه اليوم ليس صراعاً بين “بَالِي واجْدِيدْ”، بل صراع بين “الوعي والجهل” و”الاستقلالية والتبعية”؛ يُراد للمسلم المعاصر -من خلالها- أن يقتنع بأن ثراته العلمي والشرعي والتاريخي مجردَ “أسْفَارٍ” يجب التخلص منه، بدلاً من اعتماده منطلقاً للبناء وإعادة توجيه البوصلة. إن الرد على محاولات التشكيك والتقزيم لا يكون بالانغلاق، بل باستخراجِ الآليات الفلسفية التي جعلت من علمائنا الأوائل قادة للعلوم التجريبية، واستيعابِ فكرةِ أنَّ محاولات النقد الممول ليس دعوة براقة للتنوير، بل محاولة لصناعة إنسان “مقطوع الجذور”، يسهل توجيهه والتحكم فيه.
The post التراث الإسلامي و”التنويريون”.. هل هو بحث عن الحقيقة أم “خطة محو” بالوكالة؟ appeared first on هوية بريس.
المنتدى البرلماني الدولي: السياسات المنصفة رهان بناء مجتمعات أكثر صمودا
زنقة20ا الرباط تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس انطلقت يوم الإثنين 09 ف…





