Home الصحافة المغربية التصوف المنحرف.. حين تتحول الخرافة إلى مشروع لتفريغ الدين من أثره

التصوف المنحرف.. حين تتحول الخرافة إلى مشروع لتفريغ الدين من أثره

التصوف المنحرف.. حين تتحول الخرافة إلى مشروع لتفريغ الدين من أثره

التصوف المنحرف.. حين تتحول الخرافة إلى مشروع لتفريغ الدين من أثره هوية بريس – عابد عبد المنعم لم تعد مواجهة التصوف المنحرف مجرد نقاش في تفاصيل السلوك والذكر والطريقة، بل أصبحت قضية تتصل بمستقبل التدين نفسه. والمقصود هنا ليس التزكية الشرعية ولا تهذيب النفس ولا محاسبتها، وإنما ذلك التصوف الذي ينفصل عن الكتاب والسنة، ويغرق في الخرافة والكرامات المزعومة والعلوم اللدنية والأسرار والفيوضات، ثم يمنح الشيخ والغوث والقطب مكانة تتجاوز حدود البشر، وينفرد كل رأس منهم بالسر النبوي، وكرامات وطقوس ما أنزل الله بها من سلطان، ويصبح مجرد الاعتراض عليها مساسا بالمقدس! وقد وصف د. محمد عوام هذا النموذج بقوله إن “التصوف المنحرف هو كل تصوف لا يتقيد بالكتاب والسنة، ويغرق في الجهل والخرافات والضلالات والشركيات”، محذرا من تقديس شيخ الطريقة، ومن الاعتقاد بأنه صاحب كرامات واختراقات وفيوضات وعلم لدني. وهنا تكمن الخطورة، عندما ينتقل التدين من العبادة إلى صناعة القداسة، يصبح الإنسان قابلا للاستغلال الديني والمادي معا. وقد أشار د.عوام إلى مظاهر تداولتها منصات التواصل، من تقبيل الأيدي والأقدام إلى ممارسات وصفها بالخرافية، داعيا إلى مواجهة هذا النوع من التدين بدل تقديمه للناس باعتباره نموذجا روحيا ينبغي الاقتداء به. من يروج للتدين الخرافي؟ السؤال الأهم وسط كل هذا الجدل هو: ما الذي يجعل التدين الفردي المنعزل مناسبا لزمن علماني مادي تتسع فيه حدود ودائرة الفردانية؟ إن الإنسان قد يبحث عن السكينة والهروب من ضغوط الحياة، فيجد في بعض الممارسات الروحية ملاذا سريعا، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول هذا النوع من العبادات إلى شأن شخصي، والدين إلى علاقة فردية لا صلة لها بقضايا المجتمع والأمة. هذا مع الإشارة إلى أن المقرر في كل المذاهب الإسلامية المعتمدة؛ أن الإسلام ليس مجرد طقوس تمنح الإنسان راحة نفسية؛ بل منظومة أخلاقية وتشريعية محكمة تجعل المسلم معنيا بالعدل والظلم، وبالأسرة والتعليم، وبالفقر والفساد، وبقضايا الأمة الكبرى. أما اختزال الدين في أوراد و”حْضْرة” ورقص، مع إبعاد الإنسان عن مسؤولياته الاجتماعية، فهذا يعني عمليا تفريغ الدين من مضمونه وجزء كبير من أثره في الحياة. توصيات RAND وإعادة تشكيل التدين يزداد هذا النقاش أهمية عند استحضار دراسة RAND الشهيرة Building Moderate Muslim Networks الصادرة سنة 2007، والتي بحثت كيفية بناء شبكات إسلامية تعتبرها الولايات المتحدة “معتدلة”. وقد تناولت الدراسة التيارات الصوفية ضمن مكونات المشهد الإسلامي، وأشارت إلى أن مجموعات صوفية كثيرة يمكن أن تكون ضمن التيارات التي تراها أكثر توافقا مع تصورها للإسلام المعتدل. كما ناقشت نماذج تربط الإسلام بالحياة الخاصة وتؤكد عدم فرض الشريعة الإسلامية من جانب الدولة. وهنا يتأكد أن هندسة المجال الديني كانت موضوعا حاضرا في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، وأن بعض الدراسات تحدثت صراحة عن بناء شبكات دينية يمكن توظيفها لمواجهة تيارات إسلامية أخرى. فهل عندما تختار قوة دولية نمطا معينا من التدين وتعتبره أكثر ملاءمة لمصالحها، ألا يستحق الأمر الحذر من أن يتحول مفهومهم للاعتدال إلى أداة لإعادة تعريف الدين بما يخدم أهدافا سياسية لدول إمبريالية كبرى؟ الصوفية في مواجهة الحركات الإسلامية في السياق المغربي، يكتسب الموضوع حساسية أكبر. فدعم نموذج صوفي معين يمكن أن يؤدي إلى إعادة تشكيل الخريطة الدينية، عبر إضعاف حضور الجماعات والحركات الإسلامية وتآكل قواعدها الاجتماعية، لا بالمواجهة المباشرة، وإنما بإنتاج نموذج ديني بديل، يركز على التدين الفردي منزوع الصلة بالصراع حول القيم وقضايا المجتمع والأمة. وهنا تظهر ثنائية الصوفية والسلفية بكل أطيافها وكأن المطلوب أن يخوض الطرفان حربا داخلية تستنزف المجال الإسلامي. إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يبقى الدين حاضرا في المظاهر والمجال الثقافي والشعبي، بينما يغيب كمنظومة متكاملة تغطي كافة مناحي الحياة التشريعية والاقتصادية والأمنية والأخلاقية والقيمية.. في الختام.. لقد كان الإسلام على الدوام دين عبادة وتزكية، كما كان دين عدل ومسؤولية وإصلاح؛ دينا يربي الإنسان على صلة وثيقة بربه، وعلى القيام بواجبه تجاه نفسه ومجتمعه وأمته. ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين أسماء الطرق والتيارات، وإنما بين تدين يحتكم إلى الوحي ويصون التوحيد، وتدين تُفسده الخرافة والغلو في الأشخاص؛ وبين إسلام حاضر في حياة الأمة وقضاياها، وتدين يُراد له أن يخدم العلمنة، ويختزل الدين في تجربة فردية منكمشة، معزولة عن واقع الناس ومسؤولياتهم ورسالة الإصلاح التي جاء بها الإسلام. The post التصوف المنحرف.. حين تتحول الخرافة إلى مشروع لتفريغ الدين من أثره appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

eleven + eight =

Check Also

واويزغت بأزيلال.. العثور على ستيني معلقا بشجرة قرب ثانوية تأهيلية (صور)

عُثر صباح اليوم الثلاثاء على رجل في عقده السادس جثة معلقة بشجرة لوز بدوار أملزي، بمنطقة إح…