Home الصحافة المغربية التطبيع مع بيع الخمور.. من يتحمل المسؤولية؟!

التطبيع مع بيع الخمور.. من يتحمل المسؤولية؟!

التطبيع مع بيع الخمور.. من يتحمل المسؤولية؟!

التطبيع مع بيع الخمور.. من يتحمل المسؤولية؟! هوية بريس – نور الدين درواش لا يختلف اثنان في أن الخمر من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة، فقد جاء تحريمها بنصوص قطعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، وانعقد على ذلك إجماع الأمة بمذاهبها الفقهية المعتبرة. غير أن القضية التي تستحق التأمل اليوم لا تتعلق بمجرد ثبوت الحكم الشرعي، وإنما بما أصبح يشهده مجتمعنا من انتقال الخمر من دائرة السلوك المنحرف إلى دائرة السلوك المألوف، ومن كونها معصية مستنكرة إلى ظاهرة يجري التطبيع معها في الفضاء العام حتى فقدت عند بعض الناس كثيرا من دلالات الرفض والاستقباح. لقد حسم القرآن الكريم موقفه من الخمر في أكثر من موضع، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، ثم جاء التحريم القاطع بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وفي السنة النبوية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». ولم يقتصر التشريع الإسلامي على تحريم شربها فحسب، بل وسع دائرة المنع لتشمل الإعانة عليها والترويج لها والتكسب من ورائها، لأن الشريعة لا تنظر إلى الأفعال بمعزل عن آثارها الفردية والاجتماعية. وهنا تتجلى حكمة التشريع الإسلامي؛ فالشريعة لم تأت لتحرم على الناس ما ينفعهم، وإنما جاءت لتحقيق مصالحهم وحمايتهم من أسباب الفساد والضرر. ولذلك قرر العلماء أن الشريعة كلها قائمة على جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها. وقد عبر القرآن عن هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. ومن يتأمل آثار الخمر يدرك أن تحريمها ليس مجرد تكليف تعبدي مجرد، بل هو حكم تتجلى حكمته في كل زمان ومكان. فهي تمس أولا مقصد حفظ العقل الذي جعله الإسلام مناط التكليف وأساس المسؤولية الإنسانية. وليس من قبيل المصادفة أن تتفق الشرائع والقوانين والعقول السليمة على ضرورة حماية العقل من كل ما يعطل وظيفته أو يضعف قدرته على التمييز والحكم السليم. وأضرار الخمر لا تقف عند حدود الفرد. فالتجربة الإنسانية كلها تؤكد أن الخمر من أكثر الأسباب ارتباطا بالعنف والجريمة وحوادث السير والاعتداءات المختلفة. وحين يفقد الإنسان وعيه أو يضعف إدراكه تضعف معه قدرته على ضبط سلوكه، فتزداد احتمالات التهور والعدوان واتخاذ القرارات المدمرة. أما الأسرة، وهي المؤسسة الأولى في بناء المجتمع، فتدفع هي الأخرى ثمنا باهظا لانتشار المسكرات. فكم من بيت استنزفت موارده بسبب الإدمان، وكم من زوجة وأبناء عانوا من الإهمال أو العنف أو التفكك بسبب غياب المسؤولية الناتج عن تعاطي الخمر. ولهذا فإن ضررها لا يصيب الشارب وحده، بل يمتد إلى دائرة واسعة من الأبرياء الذين يتحملون نتائج اختيارات لم يشاركوا فيها. كما أن الحديث عن الخمر لا ينبغي أن ينفصل عن البعد الاقتصادي والتنموي. فبعض الناس ينظرون إلى المسألة من زاوية الأرباح التجارية أو العائدات المالية المحدودة، لكنهم يغفلون الكلفة الحقيقية التي تتحملها المجتمعات بسبب الإدمان وما ينتج عنه من أمراض وحوادث وخسائر في الإنتاجية وتكاليف أمنية وقضائية وعلاجية. والتنمية في جوهرها ليست بناء الطرق والمنشآت فحسب، وإنما بناء الإنسان القادر على الإنتاج والإبداع وتحمل المسؤولية. وكل ما يضعف العقل والإرادة يمثل عبئا على مشروع التنمية مهما كانت المبررات المقدمة لتسويغه. لكن أخطر ما في الظاهرة كلها ليست الخمر ذاتها، وإنما الاعتياد عليها. فالمجتمعات لا تنهار حين يقع بعض أفرادها في الخطأ، لأن الخطأ جزء من الطبيعة البشرية، وإنما تبدأ المشكلة حين يتراجع الاستنكار وتضعف الحساسية الأخلاقية تجاه المنكر. وعندئذ يتحول السلوك الشاذ إلى سلوك عادي، ويتحول المنكر إلى جزء من المشهد اليومي الذي لا يثير انتباها ولا اعتراضا. ومن هنا تكمن خطورة انتشار مظاهر السكر العلني في بعض الفضاءات العامة. فالقضية لا تتعلق بشخص فقد وعيه أو ارتكب محرما فحسب، بل بما تبعثه هذه المشاهد من رسائل ضمنية إلى الأجيال الصاعدة. فالتكرار يصنع الألفة، والألفة تصنع القبول، والقبول يفضي مع الزمن إلى إعادة تشكيل المعايير الأخلاقية للمجتمع. وما كان يُنظر إليه بالأمس باعتباره سلوكا مرفوضا قد يصبح مع كثرة المشاهدة أمرا مألوفا لا يثير الاستغراب. وقد أدركت الشريعة هذه الحقيقة مبكرا، فلم تكتف بتحريم المنكر، بل حرصت على حماية المجتمع من إشاعته والمجاهرة به. ذلك أن المجاهرة لا تقتصر آثارها على صاحبها، بل تسهم في إضعاف الحاجز النفسي الذي يحول بين الناس وبين الوقوع في المخالفة. ولهذا كان الحفاظ على القيم العامة جزء من حفظ النظام الأخلاقي للمجتمع، لا مجرد تدخل في الخيارات الفردية. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدَار عليها الخمرُ”. (أخرجه الترمذي)، وهذا يجسِّد حرص الشريعة على عدم التطبيع مع هذا المنكر. إن النقاش حول الخمر ينبغي أن يرتفع فوق الاعتبارات الضيقة ليطرح سؤالا أعمق: أي مجتمع نريد؟ هل نريد مجتمعا يحمي عقوله وأسره وشبابه ويحصن فضاءه العام من أسباب التآكل القيمي، أم مجتمعا يفقد تدريجيا قدرته على التمييز بين ما يبنيه وما يهدمه؟ لقد جاءت الشريعة لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، والخمر تمثل اعتداء على هذه المقاصد جميعا بدرجات متفاوتة. ولذلك لم يكن تحريمها تضييقا على الإنسان، بل حماية له. ولم يكن مصادرة لمصالحه، بل صيانة لأعظم مصالحه. وكلما اتسعت دائرة المعرفة بآثارها الصحية والاجتماعية والاقتصادية، ازداد يقين المنصف بأن ما حرمه الله على عباده إنما حرمه رحمة بهم، وأن ما أمر باجتنابه إنما أمر به حفاظا على الفرد والأسرة والمجتمع. The post التطبيع مع بيع الخمور.. من يتحمل المسؤولية؟! appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

4 × four =

Check Also

5 أخطاء غذائية قد تزيد آلام الدورة الشهرية.. تجنبيها

<p>تعاني كثير من النساء من أعراض مزعجة خلال فترة الدورة الشهرية، مثل تقلصات البطن وا…