Home الصحافة المغربية التطبيع وإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي في المغرب

التطبيع وإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي في المغرب

التطبيع وإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي في المغرب

التطبيع وإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي في المغرب هوية بريس – خالد أبو عطاء يمثل انتقال العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مستوى السفارات لحظة فارقة تتجاوز في دلالتها التغيير البروتوكولي في مستوى التمثيل الدبلوماسي، إذ تنقل العلاقات من مجال التدبير الخارجي المحدود إلى مستوى أكثر مؤسسية وعمقا، وتفتح أمامها إمكانات أوسع في مجالات الاقتصاد والأمن والاستثمار والتعاون السياسي. وقد أُعلن في 16 شتنبر 2026 عن الاتفاق على فتح سفارتين وتعيين سفيرين، في سياق مواصلة مسار التطبيع الذي انطلق سنة 2020. غير أن أهمية الحدث، من منظور علم السياسة، تتحدد كذلك في كلفته الداخلية؛ إذ إن السياسة الخارجية تصبح أكثر حساسية حين تتصل بقضية تستقر في الوعي الجمعي باعتبارها قضية عدالة وهوية وذاكرة سياسية، كما هو شأن القضية الفلسطينية في المغرب. فرفع مستوى العلاقات الدبلوماسية سينتج أثرا يتجاوز العلاقة بين دولتين، ليطال بنية المجال السياسي، وحدود الاختلاف المشروع، وأنماط إنتاج الشرعية، والعلاقات بين الدولة والمجتمع. وتكمن الخطورة الأساسية في بدء انتقال التطبيع من خيار في السياسة الخارجية إلى اصطفاف داخل المجال السياسي الوطني. فقد كان التطبيع قرارا اتخذته الدولة في إطار حسابات المصلحة والاستراتيجية والتحالفات الدولية حسب روايتها، ثم تشكلت حوله تدريجيا شبكة من الفاعلين والخطابات والمصالح التي تمنحه سندا سياسيا وإعلاميا واجتماعيا. ومع اتساع هذه الشبكة، يصبح التطبيع موضوعا لإعادة ترتيب الحقل السياسي نفسه، فتظهر مواقع سياسية وإعلامية واقتصادية تستفيد من العلاقة أو تدافع عنها، وفي المقابل تتشكل مواقع اجتماعية وسياسية تعتبرها تعارضا مع منظومة من القيم والمواقف المرتبطة بفلسطين. وفي هذا السياق ينتقل التدافع من التنافس حول سياسة عامة إلى إعادة تعريف المواقف السياسية والرموز الوطنية. فالمؤيد للتطبيع قد يقدم خطابه ضمن مفردات الواقعية السياسية والمصلحة الوطنية والانفتاح الدولي، بينما يقدم المعارض موقفه ضمن مفردات العدالة والتضامن والكرامة ورفض الاحتلال. وعندما يظل الاختلاف محكوما بهذه اللغة السياسية المتعددة، فإنه يندرج ضمن التعدد الطبيعي داخل المجتمع. أما عندما يجري ربط الموقف من التطبيع بمستوى الولاء للدولة أو المؤسسة الملكية، فإن طبيعة الخلاف تتغير، لأن قضية في السياسة الخارجية تتحول إلى معيار لتصنيف المواطنين سياسيا. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى وجود سوابق قضائية ارتبطت بالتعبير عن رفض التطبيع. فقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش قضية سعيد بوقيود الذي أدين بسبب منشورات على فيسبوك انتقد فيها قرار التطبيع، كما وثقت قضية عبد الرحمن زنكاد الذي اعتقل سنة 2024 بسبب منشورات تنتقد التطبيع، وحكم عليه لاحقا بخمس سنوات سجنا بتهمة مرتبطة بإهانة الملك. وتقدم هذه الحالات مادة مهمة لدراسة الكيفية التي يمكن أن ينتقل بها التعبير عن موقف من السياسة الخارجية إلى المجال القانوني المرتبط بالمؤسسة الملكية. وهنا تظهر إحدى أهم آليات إعادة تشكيل المجال السياسي: ربط الموضوع الخارجي بالرموز السيادية. فحين يصبح انتقاد سياسة التطبيع قابلا للانتقال إلى إطار قانوني يتعلق بالمؤسسة الملكية، تتغير طبيعة المخاطرة السياسية المرتبطة بالتعبير؛ ويصبح المجال المتاح للنقاش حول السياسة الخارجية مرتبطا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بحدود الخطاب المتعلق بالملكية. وقد وثقت منظمات حقوقية أوسع نطاقا استمرار استخدام تهم مرتبطة بإهانة مؤسسات الدولة أو المساس بالمؤسسة الملكية في قضايا التعبير السياسي. ومن هذه الزاوية، فإن المسألة تتصل بمفهوم الشرعية الرمزية. فالملكية في النظام السياسي المغربي لا تؤدي وظيفة مؤسسية فقط، وإنما ترتبط أيضا برصيد تاريخي ورمزي يتقاطع مع قضايا الدين والوطن والوحدة الوطنية والقضية الفلسطينية. ولذلك فإن إدخال التطبيع إلى دائرة العلاقة بين المواطن والملكية يرفع الكلفة الرمزية للقرار: يصبح الخلاف حول التطبيع قابلا لأن يعاد تفسيره باعتباره خلافا حول الدولة ذاتها، وتصبح المحافظة على الفصل بين الموقف من السياسة العامة والموقف من النظام السياسي شرطا أساسيا لحماية المجال التداولي من الاستقطاب. ويظهر هنا أثر بالغ الأهمية لوسائل التواصل الاجتماعي. فقد أصبحت المنصات الرقمية فضاء لإنتاج المعنى السياسي، وتشكيل الهويات، وتوزيع الشرعية، وإعادة تعريف الرموز. فالخلاف الذي كان في السابق يمر عبر الأحزاب والصحف والمنظمات والنقاشات العمومية ينتقل اليوم بسرعة إلى فضاء رقمي تتداخل فيه المعلومة مع السخرية، والحجة مع الوسم، والموقف السياسي مع التصنيف الهوياتي. وفي هذا السياق، يمكن أن تتحول رموز التضامن مع فلسطين، ومنها الكوفية، إلى علامات تصنيف سياسي واجتماعي، بحيث تصبح تسمية من قبيل «الكوفِيّين» أداة لإنتاج هوية جماعية لمؤيدي فلسطين أو مناهضي التطبيع، ثم تتحول هذه الهوية إلى مادة للسخرية أو الوصم أو التشكيك في الموقف الوطني. وتكمن أهمية هذه الظاهرة في أن الصراع على الرمز يسبق أحيانا الصراع على الفكرة. فعندما يجري اختزال شخص في رمز يرتديه أو شعار يرفعه، ينتقل النقاش من مضمون الموقف إلى هوية صاحبه. وعندما يقابل ذلك رمز آخر يمثل الواقعية أو الدولة أو المصالح الوطنية، يتشكل مجال ثنائي يقوم على فرز المجتمع إلى معسكرات رمزية. وهنا يصبح الفضاء الرقمي بيئة لإعادة إنتاج الاستقطاب، لأن الخوارزميات وآليات التفاعل السريع تكافئ المواقف الحادة والمختصرة، وتمنح الخطابات الهوياتية قدرة أكبر على الانتشار من الحجج المركبة. وتتعمق المشكلة عندما تتزامن المأسسة الدبلوماسية للتطبيع مع المأسسة الاجتماعية للدفاع عنه. فانتقال العلاقة إلى مستوى السفارات يمنحها استمرارية مؤسسية أكبر، بينما يؤدي تشكل تيار سياسي وإعلامي داعم لها إلى توفير قاعدة خطابية داخلية. عند هذه النقطة لا يعود التطبيع مجرد سياسة للدولة، وإنما يصبح جزءا من عملية إعادة توزيع المواقع داخل الحقل السياسي: فاعلون يرون فيه موردا للاستراتيجية الدولية، وآخرون يرونه مدخلا للاستثمار الاقتصادي والانفتاح، وفئات سياسية ومدنية تعتبره مساسا بموقف تاريخي من القضية الفلسطينية. هذه الدينامية يمكن فهمها من خلال مفهوم إعادة تشكيل المجال التداولي. فالمجال التداولي هو المساحة التي يتفاوض فيها المجتمع حول معاني القضايا العامة وحدود المقبول والمرفوض. وكلما اتسع نطاق التطبيع، أصبح السؤال المركزي: من يملك حق تعريف الوطنية؟ هل الوطنية هي القدرة على الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للدولة، أم الالتزام بالقيم التي يرى المجتمع أنها جزء من هويته الأخلاقية؟ وهل يمكن الجمع بين الأمرين داخل صياغة سياسية واحدة؟ الجواب السياسي المركب يقتضي الفصل بين مستويات متعددة: الدولة تملك حق إدارة علاقاتها الخارجية، والمجتمع يملك حق إنتاج المواقف منها، والمعارضة تملك حق نقد السياسات العامة، والمؤسسة الملكية تظل إطارا دستوريا ورمزا سياسيا له مكانته الخاصة. وكلما حافظ النظام السياسي على هذه التمايزات، أمكن استيعاب الخلاف داخل المجال السياسي. أما تداخلها فينتج انتقالا من الاختلاف حول السياسة إلى الصراع حول الانتماء. ومن هنا تتضح خطورة تسييس الهوية الوطنية من خلال التطبيع. فالمجتمع المغربي يحمل تاريخا طويلا من التعاطف مع القضية الفلسطينية، وتوجد داخل المجال السياسي المغربي مواقف متعددة من العلاقة مع إسرائيل. وقد أظهرت استطلاعات الباروميتر العربي تراجعا في التأييد الشعبي للتطبيع في المغرب بعد حرب غزة، بما يؤكد أن الحرب أعادت تشكيل البيئة الاجتماعية التي تتحرك فيها سياسات التطبيع. وعليه، فإن رفع مستوى العلاقات إلى السفارات قد يخلق للدولة مكسبا دبلوماسيا محتملا، لكنه يرفع في الوقت نفسه كلفة إدارة الشرعية الداخلية. فكلما تعمقت العلاقة ازدادت الحاجة إلى بناء سردية سياسية قادرة على الجمع بين المصالح الاستراتيجية والقيم التي يستند إليها الوعي الجمعي، وبين التحالفات الدولية والاعتبارات الأخلاقية، وبين القرار السيادي وحق المجتمع في الاختلاف. إن القضية، في جوهرها، تتعلق بحدود القدرة على تحويل الاختلاف السياسي إلى تدافع مؤسسي منتج، بدل تحوله إلى استقطاب هوياتي. فإذا تمكن المجال السياسي من استيعاب المؤيد للتطبيع والمعارض له داخل قواعد الاختلاف والتعبير والاحتجاج، بقي التطبيع قضية سياسية قابلة للنقاش. أما إذا تحول الموقف منه إلى معيار للوطنية والولاء، فإن الخلاف ينتقل من مستوى السياسات إلى مستوى الهوية، ومن مستوى المؤسسات إلى مستوى المجتمع، ومن التنافس السياسي إلى الشرخ الاجتماعي. وهذا هو المعطى الأهم في المرحلة المقبلة: لن يعيد التطبيع تشكيل علاقة المغرب بالكيان، وإنما قد يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السياسة والهوية، وبين الشرعية القانونية والشرعية الرمزية. وكلما ارتفع مستوى العلاقة الخارجية، ازدادت الحاجة إلى توسيع المجال الداخلي الذي يسمح بإدارة الاختلاف حولها. فالقوة الدبلوماسية للدولة تستند في المدى البعيد إلى قدرتها على الجمع بين إدارة المصالح الخارجية والحفاظ على تماسك المجال السياسي الداخلي؛ لأن السياسة الخارجية تصبح أكثر استدامة حين تجد لها صياغة قابلة للتداول داخل المجتمع، وحين يبقى الاختلاف حولها جزءا من الحياة السياسية، لا معيارا للانتماء الوطني. The post التطبيع وإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي في المغرب appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

18 − 4 =

Check Also

عموتة ينوه بلاعبي الأهلي أمام الزمالك

أثنى الإطار الوطني الحسين عموتة مدرب النادي الأهلي المصري، على المردود الذي قدمه لاعبوه خل…