Home الصحافة المغربية التطلعات الثقافية لشباب المغرب (1939م)

التطلعات الثقافية لشباب المغرب (1939م)

التطلعات الثقافية لشباب المغرب (1939م)

هوية بريس – ذ.إدريس كرم ألا يزال البحث في الواقع الفعلي بين الآداب المغربية، في محددات الشعر، وجدوى التاريخ، والفائدة العملية والاجتماعية للممارسات الدينية، كالصيام، والصلاة، والزكاة (الضريبة الدينية)؟ يكاد ينعدم النقاش حول أسلوب النقد الأدبي ومنهجه، وهو موضوع أثار جدلا واسعا وخلافات حادة بين مثقفي البلاد حتى وقت قريب، نقد مهذب ومتسامح، يسترشد بقواعد العروض والبلاغة، التي وضعها كبار أدباء العصرين الأموي والعباسي، كما قال البعض في المقابل، نقد صريح ولاذع، قائم على الذوق وتأثير العمل الأدبي على الروح والعقل، كما قال آخرون، وقد تجاوزت نتائج هذين التصورين حدود النقد الأدبي كجنس أدبي. وهكذا على سبيل المثال، يعتبر البعض الشعر الحر الذي يسخر من الوزن والقافية، والأشكال الكلاسيكية للقصائد، بدعة بشعة، ووحشا يدمر الأشياء الطبيعية والجميلة، بينما يرى آخرون أن هذا هو الشعر الحقيقي الذي يخاطب مشاعرنا، ويغذي أرواحنا بغذاء طيب وشهي، ومتجدد باستمرار، بدلا من تقديم أطباق ذهبية مرصعة باللؤلؤ، ولكنها فارغة، وأيضا قديمة كالعرب أسلافهم. لم تعد هذه الأمور تناقش كما ذكرنا، على الأقل، ليس بشكل مباشر، وباعتبار الموضوع الرئيسي للحديث في المغرب، لم نعد نتحدث بالفعل، في الصالونات، في الدوائر، وفي مقاهي المُور، بحدائق بوجلود (قل “ملتقى المثقفين”) بفاس، أو لوداية بالرباط، أو الشاطئ بسلا، وأكدال بمراكش، حيث الجدال الشامل بين القديم والحديث، وتردده الصحف العربية، ولاسيما “الثقافة” و”التقدم” خاصة، حيث يتردد صدى هذه المناقشات. والحقيقة أن الجميع كما يبدو متضايق من هذه الأعمال، التي لا تعدو كونها تقليدا، وسرقة أدبية ونهبا فاضحا، هذه القصائد العروضية، التي تكتب بتكليف هؤلاء الشعراء الذين يطلق عليهم بتعجرف لقب “عبقري القرن” و”نجم الشعراء” والذين لا يفكرون إلا في وسيلة الشعر، لا في الشعر نفسه، الذين يبدو أنه لم يمسهم بجناحيه قط، هذه القصائد لا تقدم لنا إلا شخصيات متأنقة، مغطاة بجواهر مصقولة، لكنها بلا روح، بلا نفس؛ مجرد دمى. الشيخ محمد المكي الناصري دفع هذا الوضع الأدباء إلى البحث عن سبل نهضة فكرية تتماشى مع أذواقهم، ومشاعرهم، وتصورهم الجديد، للأشياء والكائنات، وقادرة على ابتكار أعمال أصيلة، يتجاوز تأثيرها حدود المغرب العربي الثلاثة، مما يعيد للبلاد، المكانة التي تمتعت بها في عهد المرابطين والموحدين والمرينيين. دعونا نستلهم من تراثنا، ونعود إلى أعمال أجدادنا في عصورهم الذهبية، وندرس بتأن مؤلفات علي بن أبي طالب، والجهاديين، وابن قتيبة، والأسقافيين والمبارديين. لم تكن المجلات والكتب الحديثة هي التي شكلت الشرق كما نعرفه اليوم، أو هيئات أمثال تحية حسين. لإحياء صحارى الجنوب، لم يحضر لنا الجنرال نوكيس مياه نهري السين والرون، بل جمع مياه الأودية المحلية نفسها، كما فعل أحمد المنصور الذهبي الشيء نفسه، ولم يفكر قط في جلب السنغال إلينا، يقول المثل “من الأفضل أن تنظر في ركنك الخاص، بدلا من النظر بين أركان جيرانك” وهذا رأي كل من “تجاوز 40 عاما من عمره”. وحتى العديد من الشباب، إذ تنسب الدراسات المنشورة حديثا حول الأدباء والشعراء المغاربة -كالعامي مؤلف رواية «حلاق بغداد» الشهيرة، الجديرة بالتحويل إلى فيلم أو مسرحية، والشاعر الأمير أبو علي عمر والمرينيد، وغيرهم- إلى مؤلفين “أقل من 30 عاما” إلا أن رأيا آخر يتبلور بينهم، ويشاركه معظمهم وهو “دعونا لا ننظر إلى الماضي، فنحن بحاجة إلى دماء جديدة شابة”. “دعونا نتعلم من مدارس عصرنا، دعونا نستفيد من الجهود التي بذلتها دول الشرق العربي، على مدى أكثر من قرن، مصر وسوريا، والعراق، وغيرها، فالسبيل الوحيد للوصول سريعا إلى مستواهم هو دراسة أعمالهم، واتخاذها قدوة، فهي تتسم بالعبقرية”. وأخيرا هناك اتجاه ثالث يرجح أن يسود لأنه انتقائي وموافق وربما أكثر اتمازا من الاتجاهين الآخرين. أحمد باحنيني علينا التصريح بأولئك المنتقون دراسة الآداب الأوربية وأن نستفيد لتسريع تقدمنا، من الترجمات التي برزت في مصر وسوريا، وذلك لتوسيع آفاقنا الفكرية والتحرر من بعض القيود، والعديد من الإحكام المسبقة، والاستفادة من مناهج التحليل والبحث المثمر، ونقاط المقارنة من آداب الحضارات الحية باختصار. يجب أن تكون هذه الآداب بالنسبة لنا وسيلة وليست غاية، وليست نموذجا يقلد بدقة، وبهذا الاستعداد يجب أن نعود إلى أعمال كبار كتابنا وشعرائنا، ونتغذى بها، ونجعلهم أساتذتنا في النحت، ومصدر إلهامنا الوحيد “وبهذه الطريقة سنحصل على إنتاج وطني، يحمل بصمة مناخنا وتقاليدنا، وشخصيتنا، وأعمال حية وأصيلة ومتينة، بدلا من أن نغرق في جو أجنبي، بدلا من خيوط العنكبوت التي ننسجها حاليا، برغبتنا في تقليد الأعمال الجميلة التي ورثناها عن أسلافنا دون أن نمتلك أدواتهم، أو نتقن مهاراتهم. إذا صح هذا الرأي فعلينا أن نفرح، إذ يبدو أن طلاب الكليات الإسلامية المتفوقين في دراساتهم للأدب الفرنسي والعربي على وشك أن يكونوا بناة نهضة طال انتظارها. لقد أفرزوا بالفعل ثروة من المواهب التي تتيح لنا التطلع إلى المستقبل بتفاؤل كبير، إن حصرهم في قائمة طويلة يطيلها، ولكن لا يسعنا إلا أن نذكر بالأخوين الناصري من سلا، وبأعمالهما الأصيلة التي لا يضاهيها إلا سعة اطلاعهما، والأخوين أبا احنيني (أكبرهما حاصل على دكتوراه في القانون) وهما ناقدان أدبيان، وشاع أنهما يتمتعان بموهبة لا تنكر، ومهدي الحجوي، الشاعر البارع، والمؤرخ المستنير، وأحمد بناني، الذي تتسم مقالاته العديدة بسخرية لاذعة، وعبد الكبير الفاسي، الأديب والباحث المتسائل، ومؤلف القصيدة الشهيرة “درس الأصبع المحترق”، ومحمد الفاسي “أستاذ بمعهد الدراسات العليا” الذي أثمرت معرفته الواسعة أبحاثا قيمة، أبرزها كتاب “الرحالة المسلمون العظام”، ومحمد زغاري، مؤلف مسرحية، حققت نجاحا باهرا، وبن الشيخ، وأحمد غازي. وإن لم ينل أي من هؤلاء المثقفين الشباب الشهرة التي يستحقونها، فذلك لأن سمعتهم، لكي يتحدث عنهم أبناء وطنهم، لا بد أن تأتي أولا من الخارج. ـــــــــــــــــــــــ أنظر: Les aspirations culturellrs de la jeunesse marocaine :MOHAMED TAZI في: renseignements coloniaux et documents publies par le comite de l,afrique francaise et le comite du maroc .n.1. \1939.pp.1-2 The post التطلعات الثقافية لشباب المغرب (1939م) appeared first on هوية بريس.

إدريس كرممصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

15 − 6 =

Check Also

حملات صارمة بالرباط وسلا ضد “فنادق الأكباش”

مع اقتراب عيد الأضحى، كثفت السلطات المحلية بكل من الرباط وسلا تدخلاتها لمحاربة الاستغلال غ…