التفكير العميق والعزلة… ما بين الوهم والحقيقة (1)

لا يتسبب الأذكياء في إزعاج الآخرين بالضرورة بسبب ما يقولونه، بل أحيانًا بسبب ما يجسدونه في الواقع. فقد يذكّر وجودهم الطرف الآخر بأمور عن ذاته يفضّل ألا يواجهها. وتشير بعض أبحاث علم النفس الاجتماعي وعلم الأعصاب إلى أن تهديد صورة الذات أو المكانة الاجتماعية قد يستثير استجابات دفاعية تشبه، في بعض جوانبها، الاستجابات المرتبطة بأنواع أخرى من التهديد البدني. لقد كرّس شوبنهاور، وهو أحد الفلاسفة الذين تناولوا العلاقة بين التفوق الفكري والعزلة بوضوح، جانبًا مهمًا من كتاباته لفكرة مفادها أن العمق الفكري قد يدفع صاحبه إلى قدر من الوحدة. وليس ذلك بالضرورة لأن الشخص الذكي معادٍ للمجتمع، بل لأن طريقة إدراكه للعالم قد تجعله أقل انسجامًا مع بعض القوالب والأفكار التي تتبناها الأغلبية باعتبارها بديهية أو جديرة بالقبول. والسبب ليس دائمًا غرورًا أو اعتقادًا بالتفوق، بل قد يكون شيئًا أكثر دقة: فالمفكر العميق لا يقدّم أفكارًا مختلفة فحسب، وإنما قد يكشف، من حيث لا يقصد، محدودية بعض الأنماط السائدة ومن يتقيدون بها. والناس لا يتقبلون ذلك بسهولة دائمًا؛ ليس لأن المفكر عدواني بالضرورة، بل لأن وجود شخص يعيد مساءلة المسلّمات قد يدفع الآخرين إلى مواجهة جوانب من أفكارهم أو تصوراتهم كانوا يفضّلون عدم مراجعتها. فكّر في الطريقة التي نتعامل بها مع أشكال التفوق المختلفة. حين يكون شخص ما أقوى جسديًا أو رياضيا، قد نعجب به أو نحترمه من دون أن نشعر بالضرورة بأن هويتنا مهددة. وحين يكون أحدهم أكثر ثراءً، قد يثير الحسد أو المقارنة، لكن الأمر لا يمس دائمًا صميم هويتنا الفكرية. أما التفوق الفكري، فقد يكون مختلفًا؛ لأن أفكار الإنسان ومعتقداته وفهمه للعالم تدخل بدرجات متفاوتة في تشكيل صورته عن ذاته. وحين تقابل شخصًا يشكك فيما تعتبره أمرًا مسلّمًا به، فقد لا تتلقى كلامه بوصفه مجرد معلومات جديدة، بل بوصفه، أحيانًا، تحديًا لصورتك عن نفسك أو لمنطقة الراحة التي صنعتها أفكارك وتصوراتك ومفاهيمك، وربما عقائدك الراسخة أيضًا. وتشير دراسات في علم الأعصاب وعلم النفس إلى أن التهديدات الموجهة إلى الهوية والمكانة الاجتماعية يمكن أن تنشّط دوائر عصبية مرتبطة بالاستجابة للتهديد. لكن اختزال الأمر في القول إن الدماغ «لا يفرّق بين السكين والفكرة» سيكون مبالغة؛ فالتشابه في بعض آليات الاستجابة العصبية لا يعني تطابق التجربتين. ومن المنظور التطوري، يمكن فهم جانب من هذه الظاهرة أيضًا. فطوال فترات طويلة من تاريخ الإنسان، كان الانتماء إلى الجماعة عنصرًا أساسيًا في البقاء. وكان النبذ الاجتماعي قد يعرّض الفرد لمخاطر حقيقية. لذلك تطورت لدى الإنسان حساسية شديدة تجاه القبول والرفض والمكانة داخل المجموعة. وعندما يدخل شخص ذو حضور فكري قوي إلى فضاء اجتماعي، فقد يربك —من حيث لا يدري— بعض التوازنات القائمة، ولا سيما إذا كان يشكك في الأفكار الراسخة أو القواعد غير المعلنة أو تراتبية المكانة داخل المجموعة. وعندئذ قد تظهر لدى بعض الأفراد آليات دفاعية لا لأنهم أمام «عدو» بالمعنى الحرفي، وإنما لأن موقعهم أو صورتهم عن أنفسهم أو تماسك جماعتهم يبدو لهم مهددًا. وتشير أبحاث علم النفس الاجتماعي، بصفة عامة، إلى أهمية السياق في تحديد الطريقة التي يستجيب بها الناس لمن يرونه أكثر كفاءة أو معرفة منهم. فالتفاعل الفردي ليس كالتفاعل داخل المجموعة؛ إذ تدخل في الحالة الثانية اعتبارات المكانة والمقارنة الاجتماعية والانطباع الذي يتكون لدى الآخرين. وقد يشعر الفرد بأن شخصًا آخر يهدد موقعه أو حضوره، فيحاول التقليل من شأنه أو استبعاده أو منافسته. ومن هنا يمكن فهم لماذا يجد بعض أصحاب التفكير العميق مساحة أفضل للحوار في اللقاءات الفردية، بينما يواجهون صعوبة أكبر داخل بعض البيئات الجماعية. لكن لا ينبغي أن نستنتج من ذلك أن المشكلة تقع دائمًا على عاتق المجموعة؛ فقد تكون طريقة التواصل، أو التوقيت، أو النبرة، أو المبالغة في استعراض المعرفة جزءًا من المشكلة أيضًا. وكلما تحول الذكاء من أداة للفهم إلى وسيلة لإثبات التفوق، ازدادت احتمالات المقاومة. ولشوبنهاور عبارة شهيرة تلخص جانبًا من هذه المفارقة: «الموهبة تصيب هدفًا لا يستطيع الآخرون إصابته؛ أما العبقرية فتصيب هدفًا لا يستطيع الآخرون رؤيته». وهنا تكمن المشكلة: من الصعب أن تُري شخصًا هدفًا لا يراه أصلًا. يمكنك الإشارة إليه ومحاولة تقديم الأدلة التي تجعله مرئيًا، لكن قبوله يتطلب أحيانًا الاعتراف بأن ثمة شيئًا لم يكن يراه من قبل. وقد يكون هذا الاعتراف مكلفًا نفسيًا، ولا سيما حين يرتبط بالمكانة أو بصورة الإنسان عن نفسه. وتوجد في علم النفس المعرفي والاجتماعي ظواهر يمكن أن تساعد على تفسير بعض أشكال المقاومة، وإن كان ينبغي الحذر من تحويلها إلى قوانين عامة: أولًا: تأثير دانينغ–كروغر. تشير الصياغة الأصلية لهذا التأثير إلى أن محدودية الكفاءة في مجال معين قد تقلل أيضًا من قدرة الشخص على تقييم أدائه بدقة، وهو ما قد يؤدي إلى المبالغة في تقدير الذات في بعض الظروف. لكن من الخطأ اختزاله في العبارة الشائعة: «الأغبياء يعتقدون أنهم أذكياء، والأذكياء يشكّون في أنفسهم»، لأن الظاهرة أكثر تعقيدًا من ذلك. ثانيًا: تحيز الوضع الراهن. يميل الإنسان، في ظروف كثيرة، إلى تفضيل المألوف والقائم على البدائل الجديدة التي تنطوي على عدم يقين أو تكلفة معرفية أو نفسية. لذلك قد تواجه الأفكار الجديدة مقاومة لا بسبب ضعفها بالضرورة، بل لأن قبولها يستلزم إعادة ترتيب تصورات مستقرة. ويختلف حجم هذه المقاومة بحسب الفرد والسياق وطبيعة الفكرة. ثالثًا: ما يُعرف بتأثير الارتداد. اشتهرت فكرة مفادها أن تصحيح المعلومة الخاطئة قد يؤدي أحيانًا إلى زيادة التمسك بها. غير أن الدراسات اللاحقة أظهرت أن هذا التأثير ليس عامًا ولا حتميًا، وأن تقديم الأدلة والتصحيحات يمكن بالفعل أن يغيّر المعتقدات في حالات كثيرة. ولذلك فالأدق الحديث عن مقاومة معرفية محتملة، لا عن قاعدة ثابتة تحكم السلوك البشري. وهكذا قد يواجه المفكر، كلما طرح أفكارًا مخالفة للسائد، بعضًا من هذه الآليات. ويقدم التاريخ أمثلة كثيرة على الصراع بين الأفكار الجديدة والبنى الاجتماعية أو الدينية أو السياسية القائمة، وإن كان من الخطأ اختزال جميع تلك الصراعات في مواجهة بسيطة بين «العبقرية» و«الجهل». فسقراط، مثلًا، أُعدم بعد محاكمته بتهمتي إفساد الشباب وعدم احترام آلهة المدينة، وقد ارتبطت قضيته أيضًا بالسياق السياسي والاجتماعي المعقد لأثينا آنذاك. وغاليليو حوكم من محاكم التفتيش الرومانية بسبب دفاعه عن مركزية الشمس في سياق ديني وعلمي وسياسي بالغ التعقيد. أما نيتشه، فلم يكن مجرد «مجنون منبوذ»، بل كان مفكرًا محدود الشهرة في حياته قبل أن يصبح تأثيره الفلسفي واسعًا بعد وفاته. وتيسلا أنهى حياته في ظروف مالية واجتماعية صعبة. كل هذه الأمثلة تذكرنا بأن المجتمعات قد تقاوم أحيانًا الأفكار والأشخاص الذين يخلخلون مسلماتها، لكنها لا تثبت أن كل شخص مرفوض هو عبقري، ولا أن كل فكرة مرفوضة صحيحة. وهنا نصل إلى النقطة الأهم. من المريح جدًا أن يقرأ الإنسان كل هذا ثم يتخيل نفسه العبقري غير المفهوم، والضحية النبيلة لعالم سطحي؛ سقراط العائلة أو غاليليو المكتب. وربما يكون الإنسان بالفعل سابقًا لمحيطه في بعض الأفكار. ولكن ربما يستخدم ذكاءه أيضًا درعًا يتجنب به مواجهة عيوبه. وربما يستخدم حجة «غباء الآخرين» لتبرير ما ليس في الواقع إلا خوفًا من التعرض للنقد أو الأذى، أو دفاعًا عن موقعه ومكانته. وربما لا يستمع إليه الآخرون، لا لأنه يفكر بعمق شديد، بل لأنه يتواصل بطريقة سيئة. فالذكاء من دون قدرة على التواصل أشبه بتلسكوب موجّه نحو الفراغ: يرى بعيدًا، لكنه لا يصل إلى أحد. وتُنسب إلى أينشتاين عبارات متعددة حول أهمية البساطة في الشرح، وإن كانت بعض الصيغ الشائعة المنسوبة إليه غير موثقة حرفيًا. لكن الفكرة في ذاتها جديرة بالتأمل: الفهم العميق لا يكتمل إلا حين يمتلك صاحبه القدرة على تحويل التعقيد إلى معنى يمكن تقاسمه. فحينما تكون عاجزا عن نقل معنى ما إلى الآخرين، فهذا دليل، في الغالب، على أنك لا تفهمه بما يكفي. فالعمق الذي يستحيل نقله إلى الآخرين قد يتحول من ميزة إلى سجن. والعبقري الذي يموت وحيدًا، مقتنعًا بأنه كان محقًا في كل شيء، من دون أن يستطيع بناء جسر بين أفكاره والعالم، ربما امتلك الحقيقة التي يبحث عنها، لكنه أخفق في إيصالها. وقد رأى شوبنهاور في الوحدة امتيازًا للعقل المتفوق، وكتب كثيرًا في فضائل الاستقلال عن الآخرين. غير أن سيرته نفسها تكشف الوجه الآخر لهذه الفلسفة؛ فقد عاش سنواته الأخيرة في عزلة نسبية، وكان كلبه من رفاق حياته اليومية. وهكذا قد تكون الوحدة، بوصفها مساحة للتأمل، مصدر قوة، لكنها حين تتحول إلى نمط حياة مغلق قد تصبح عبئًا حتى على أكثر العقول تميزًا. أما سينيكا، فقد مثّل نموذجًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا. كان قادرًا على الانكفاء إلى حياة التأمل، لكنه انخرط في قلب السلطة الرومانية، وأصبح مستشارًا لنيرون قبل أن تتدهور علاقته بالبلاط. وكتب نصوصًا ورسائل تعد من أبرز ما وصلنا من الفلسفة الرواقية. لم تتشكل تجربته الفكرية بعيدًا عن تناقضات الحياة، بل في قلبها. وهنا يظهر الفارق بين المفكر الذي يجعل من عمقه جسرًا، والمفكر الذي يجعل منه جدارًا. فالأمر لا يتوقف على ما أنت قادر على رؤيته، بل على ما تستطيع فعله بما ترى. إذا استخدمت ذكاءك للابتعاد عن الناس، فقد يتحول إلى قفص. وإذا استخدمته لفهمهم والتواصل معهم، فقد يصبح إحدى أثمن أدواتك. والفارق بين الأمرين لا يكمن في الموهبة وحدها، بل في الجرأة والشجاعة والتواضع أيضًا. وقد تستمر المجتمعات في مقاومة بعض الأفكار التي تهدد مسلماتها أو توازناتها. لكن ما يستطيع المفكر تغييره هو الطريقة التي يستجيب بها لهذه المقاومة: هل يجعل منها تعريفًا دائمًا لذاته، ودليلًا جاهزًا على تفوقه، أم يحولها إلى سؤال عن قدرته على الإقناع والتواصل ومراجعة نفسه؟ يمكن اختيار عزلة مريحة؛ عزلة من يعتقد أنه محق في كل شيء وأنه لا يحتاج إلى أحد. ويمكن اختيار الطريق الأصعب: أن تتعلم كيف تنقل عمقك إلى العالم من دون أن تنتظر من العالم أن يكون مستعدًا له سلفًا. فالذين تركوا أثرًا في التاريخ لم يكونوا فقط أولئك الذين رأوا ما لم يره الآخرون، بل أيضًا أولئك الذين وجدوا —أو حاولوا أن يجدوا— اللغة والطريقة والجسر الذي يسمح للآخرين بأن يروا شيئًا مما رأوه. الهدف الذي لا يستطيع أحد غيرك رؤيته قد يكون موجودًا فعلًا. لكن السؤال الأهم ليس: لماذا لا يراه الآخرون؟ بل: هل تستطيع أن تجعلهم يرونه؟ وهل تمتلك من الشجاعة والتواضع ما يكفي لتقبل احتمال آخر أيضًا: أن يكون بعض ما تراه عميقًا مجرد وهم صنعه عقلك؟ لأن التفكير العميق الحقيقي لا يشكك في الآخرين فقط، بل يشكك في نفسه أيضًا. وإلا تحول ما نسميه «عمقًا» إلى مجرد فقاعة نحتمي بها من نقائصنا ومن الآخرين.
مهرجان تطوان يختتم دورته الـ31 بتتويج أبرز الأسماء السينمائية
أسدل مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط الستار على دورته الحادية والثلاثين، بتتويج ا…








