التقاطب المصطنع بين “الأحرار” و”البام”.. من يخشى صعود “العدالة والتنمية”؟

أمام عبثية المشهد السياسي، ولأسباب أخرى، فقدت منذ مدة شهية التحليل السياسي والتعليق على ما يجري ويدور في هذه البلاد السعيدة. لكن، وأنا أتأمل في التراشق الثقيل بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، وجدت أن المسؤولية تستلزم الكلام. للوهلة الأولى، يبدو أن حرارة التقاطب بين الحزبين وصلت إلى مستوى اللاعودة، لكن الأمور ليست بهذه الصورة التبسيطية. نحن أمام تقاطب اصطناعي، لأنه لا يصنع بديلا بين حزبين تقاسما معا مسؤولية القرارات المتخذة داخل الحكومة نفسها، وقادا معا، وبالكثير من الافتخار بـ“مثالية” التحالف الحكومي وميثاق أغلبيته، غمار تنزيل برنامج حكومي فاشل. إذن، ما الذي يفسر هذا التناحر المسعور الذي وصل إلى درجة قول وزير الميزانية إن 280 مليار درهم خصصتها الحكومة لدعم القدرة الشرائية للمواطنين تبخرت، تقريبا، دون فائدة؟ هكذا، بكل بساطة، يقوم وزير في الحكومة بتوجيه اتهام واضح إلى الحزب الذي يقود الحكومة بـ“تبديد” أموال الدعم. لا أريد أن أستعرض أمثلة أخرى من التصريحات التي تعكس الصراع الظاهر بين الحزبين الشريكين، لأنه، في اعتقادي، صراع تكتيكي وآني وظرفي. فأنا أعرف أن كلا الحزبين، إذا قيل لهما: “ارجعا“، سيرجعان. وهذا هو العطب الأصلي الذي لا يناقشه أحد. المهم: لماذا هذا الصراع المفتعل في الساعات الأخيرة من عمر الحكومة؟ الفرضية الأساسية التي تبدو لي هي أن الدينامية التواصلية التي يقوم بها حزب العدالة والتنمية مكنته من التموقع السياسي بشكل لافت في الساحة السياسية. فبعد الأداء القوي للمجموعة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، بقيادة عبد الله بووانو، طيلة خمس سنوات داخل مجلس النواب، وما رافق ذلك من فضح للملفات والاختيارات، وبعد النجاح الكبير للمؤتمر الوطني للحزب وما خلفه من حيوية تنظيمية داخلية تجاوزت التداعيات النفسية لنكسة 8 شتنبر 2021، وبعد المحطات التواصلية القوية للندوات الصحفية وبيانات الأمانة العامة المنتظمة، والمجهودات المبذولة من طرف هيئات الحزب ومنظماته الموازية وعموم مناضليه، جاءت الخرجات التواصلية للأمين العام للحزب، الأستاذ عبد الإله بنكيران، لتعيد لفت الانتباه إلى المكانة التي يحظى بها الحزب، ولتؤكد أن خطابه لا يزال يتمتع بحضور قوي لدى فئات عريضة من الشعب المغربي، ولتختبر شعبيته في الميدان. وفي اعتقادي، فإن المعطيات الموضوعية تؤكد أن حزب العدالة والتنمية، إذا استمر بهذه الدينامية التواصلية، سيتموضع كبديل واضح في مواجهة خيار الاستمرارية الذي يمثله حزبا الأحرار والبام، الشريكان في الحكومة. ولذلك، وبعيدا عن نظرية المؤامرة، يمكن فهم جانب من هذا المشهد باعتباره محاولة لإعادة ترتيب المجال السياسي والإعلامي، بما يغطي على التقاطب الحقيقي والمنطقي بين خيار الاستمرارية الذي يمثله حزبا الأحرار والبام، وخيار التغيير الذي يمثله حزب العدالة والتنمية باعتباره صاحب أقوى أداء سياسي بين أحزاب المعارضة. وفي ظني، كلما ارتفع الحضور السياسي لحزب العدالة والتنمية من خلال المهرجانات الخطابية التي يؤطرها الأمين العام ببلاغته المعهودة، والتي تحظى بحضور جماهيري محترم، بالإضافة إلى المتابعة الرقمية عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وهو حضور حقيقي وتلقائي ومتفاعل ومعبر، وليس حضورا اصطناعيا (المال والزرود)، كلما ارتفع سعار التقاطب الاصطناعي بين الحزبين. دون الانتباه إلى الكلفة السياسية الخطيرة لهذا الاختيار البليد: تيئيس الناس من السياسة، ودفع البقية الباقية منهم إلى الكفر بالمشاركة الانتخابية، وانتظار المجهول. وهنا، في اعتقادي، تكمن الخطورة الحقيقية. فالمشكلة ليست في أن يتنافس السياسيون، وإنما في أن يتحول التنافس إلى ضجيج يحجب عن المواطن السؤال الأهم: هل نحن أمام استمرار لما هو قائم، أم أمام إمكانية حقيقية للتغيير؟ فالانتخابات، في النهاية، تحتاج إلى اختيارات واضحة، وتنافس حقيقي، ومواطن مقتنع بأن لصوته معنى. مرة أخرى، يتم الرهان على ذاكرة السمكة، لينسى الشعب المغربي هذا المشهد الاصطناعي، كما نسي، ربما، أن عبد اللطيف وهبي، عندما كان رئيسا لحزب الأصالة والمعاصرة، أقسم أنه لن يكون وزيرا في حكومة يرأسها حزب الأحرار. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الأمم المتحدة تدين هجوم الحوثيين على مطار الرياض وتحذر من تصعيد إقليمي خطير
أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشدة الهجوم الذي شنه الحوثيون على مطار الم…




