التكافل.. نهر لا يجف في دروب المغرب

وأنا في شهر الذي أنزل فيه القرآن، أتأمل في الرحمة التي تسري بين الناس كنهر لا يجف.
أتأمل في القلوب التي تنبض بالعطاء دون انتظار مناسبة. أتساءل كيف يكون المجتمع حين يصبح التكافل فيه عادة لا طارئًا وحبًا لا فرضًا؟
وفي هذا السياق، أستحضر ما يقوم به أمير المؤمنين الملك محمد السادس، الذي تجسد يده المعطاء في كل زاوية من زوايا هذا الوطن. في كل مؤسسة، في كل خطوة، وفي كل برنامج، نجد أن همَّه الأول، هو التكافل الاجتماعي الذي لا يتوقف ولا يقتصر على المناسبات فقط.
الملك، الذي يشهد له الجميع بالاهتمام الدائم بشؤون شعبه، يعمل بلا كلل أو ملل لإرساء دعائم العدالة الاجتماعية.
من خلال مؤسسات خيرية وتنموية بعينها، تسعى إلى رفع المعاناة عن المحتاجين، وتوفير العيش الكريم للمحرومين. يضع نصب عينيه أن تكون يد العطاء دائمة، لا موسمًا عابرًا ولا مناسبة محدودة.
التكافل ليس مائدة تمتد في رمضان ثم تنفض. ليس فرحة عيد نرتديها ثم نخلعها. ليس لحظة سخاء نخجل منها حين تنقضي، بل هو شعلة تضيء البيوت، دفء يسري في القلوب، عطر يملأ الدروب، لا يكون كاملاً إلا إذا صار نهجًا يوميًا لا استثناء، إذا صار من شيم الكرام لا انتظارًا لموسم ولا طلبًا للثناء.
المغرب أرض الكرم وأبناؤه سليلوا الفضل، فكيف يكون للعطاء أن يخبو، كيف يكون للتضامن أن يصبح حكاية تُروى في موسم ثم تُنسى، المجتمع جسد واحد إن اشتكى فيه عضو لم ينتظر ميعادًا ليضمد الجراح، بل كان البلسم في كل حين، كان اليد الممتدة لكل محتاج، كان الظل الذي يأوي إليه المتعبون.
نحتاج إلى أن نحيي التكافل كروح تسكننا لا كعادة نزورها. نحتاج إلى أن يكون الجود مسلكًا يوميًا لا فعلًا عابرًا.
نحتاج إلى أن نكون كما كان أجدادنا. يطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيماً وأسيراً. لا يسألون مقابلاً ولا ينتظرون جزاءً إلا من الله.
من ذا الذي يمنح ثم يتراجع، من ذا الذي يعطي ثم يندم. من ذا الذي يزرع خيرًا ثم لا يحصده أضعافًا مضاعفة، لو علم الناس لكان التكافل في كل بيت، في كل حارة، في كل نفس نبيلة تؤمن أن العطاء سر الخلود.
نحن أبناء هذه الأرض، أرض القرى المضيافة والمنازل المفتوحة، أرض الدفء الذي يسري في المدى كأغنية.
فهل نرضى أن نتحول إلى مجرد أسماء تسكن مدنًا باردة؟ لا يسأل فيها الجار عن جاره، لا يجد فيها الضعيف من يسنده، لا يجد فيها الفقير من يربت على كتفه.
إنه امتحاننا الكبير أن نكون كما كنا أو أن نهوي إلى زمن لا قلب فيه، أن نعيد لذاكرتنا أيامًا كانت فيها الأبواب مشرعة لا تغلق في وجه طارق، كانت الموائد ممتدة لا تُرفع قبل أن يشبع الجميع. كانت الأنفس عامرة بالخير لا تخشى نقصانًا. بل تؤمن أن البركة تحل حيث تكون النية صافية. حيث تكون اليد سخية. حيث يكون القلب مفعمًا بالمحبة.
التكافل ليس مالًا فقط، بل كلمة طيبة، ابتسامة صادقة، يد تمتد للمساعدة، سؤال عن غائب، ستر على مستور، رفق بضعيف، تخفيف عن مريض، رحمة بإنسان، التكافل أن نرى بعضنا بعين المحبة لا بعين المصلحة، أن نعطي بلا حساب، أن نواسي بلا تردد، أن نحمل بعضنا حين ينهكنا التعب.
الغني فقير إن لم يجد قلبًا يحن عليه، القوي ضعيف إن لم يكن له أهل يسندونه، الإنسان وحيد إن لم يكن له إخوة يقاسمونه الحياة، لذلك كان التكافل هو الضمان الوحيد أن نبقى بشرًا، أن تبقى مدننا دافئة، أن تبقى قلوبنا حيّة.
التكافل في الإسلام:
في الإسلام، التكافل هو روح المجتمع المسلم وأساسه الذي يسهم في بناء الألفة والمحبة بين أفراد الأمة، لا يُنظر إلى التكافل كمجرد عمل تطوعي، بل هو واجب ديني على كل مسلم، فمن خلاله يتعاون المسلمون معًا لتحقيق العدالة الاجتماعية والحد من الفقر والمشاكل الاجتماعية.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ” (النساء: 58). هذه الآية تعكس قيمة العدالة التي من خلالها يتحقق التكافل، حيث يضمن المسلمون حق غيرهم في الحصول على ما يحتاجون إليه من مساعدات سواء كانت مادية أو معنوية.
وقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. هذا الحديث يوضح لنا أن التكافل ليس مجرد مساعدة مالية، بل هو مشاركة في مشاعر الآخرين ورفع معاناتهم عن طريق السند الروحي والنفسي.
إن التكافل الاجتماعي في الإسلام يشمل فئات مختلفة من المجتمع: الفقراء والمحتاجين، والأيتام والأرامل والمرضى، وقد جعل الله الزكاة والصدقات من الوسائل الأساسية لتحقيق التكافل، حيث تساهم هذه الأموال في تقليل الفجوات الاجتماعية وتحقيق الاستقرار والطمأنينة في المجتمع.
زبدة القول، أن التكافل ليس إحسانًا بل واجب، ليس صدقة عابرة بل مسؤولية دائمة. ليس فضلًا منا على المحتاج، بل فضل من الله علينا أن جعلنا ممن يعطون.
التكافل حياة تُبنى بالحب، تُسقى بالعطاء، تزدهر بالتراحم، هو ما يجعل للأيام معنى. هو ما يجعل القلوب تنبض بإنسانيتها.
“وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”.
بين المفهوم اللغوي والقانوني للمنافسة تحدد اختصاص مجلسها
أثار تدخل مجلس المنافسة في النقاش الدائر حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاما…










