التوجيه كفعل وجودي

من اختيار المسار إلى بناء الإنسان المتجدد.. يبدو التوجيه المدرسي والمهني والجامعي، في صورته التقليدية، فعلا يروم مساعدة المتعلم على اختيار مسار دراسي أو تكويني أو مهني يتلاءم مع قدراته وميوله ونتائجه الدراسية ومع الإمكانات التي يتيحها المحيط. وهي وظيفة ضرورية لا يمكن التقليل من أهميتها، غير أن اختزال التوجيه في مجرد تدبير للاختيارات والمسالك يجعلنا نغفل عن بعد أعمق يتعلق بالإنسان نفسه. فحين نسأل المتعلم؛ ماذا تريد أن تدرس؟ أو أي مهنة تريد أن تمارس مستقبلا؟ فإننا، في العمق، نضعه أمام سؤال يتجاوز الشعبة والمهنة؛ أي إنسان تريد أن تكون؟ من هنا يمكن النظر إلى التوجيه باعتباره فعلا وجوديا (مصيريا)؛ ليس بمعنى تحويله إلى درس في الفلسفة، وإنما بمعنى الاعتراف بأن الإنسان يبني جزءا من ذاته من خلال اختياراته، وأن الاختيار الدراسي أو المهني ليس قرارا تقنيا محضا، بل لحظة من لحظات بناء العلاقة بالذات وبالمستقبل وبالعالم. فالمتعلم حين يختار مسارا، لا يختار مؤسسة أو تخصصا فحسب، وإنما يفتح أمام نفسه إمكانية معينة من إمكانات الوجود. غير أن هذا الاختيار لا يحدث في فراغ. وهذه نقطة أساسية عند التفكير في التوجيه داخل المدرسة المغربية. فالمتعلم يوجد داخل أسرة، ومدرسة، ومجتمع، وثقافة، وإعلام، وسياق اقتصادي ومجالي، ومنظومة قيم، وإمكانات وفرص متفاوتة. لذلك لا يمكن أن نتحدث عن حرية الاختيار كما لو كانت حرية مطلقة منفصلة عن الواقع. فالحرية التربوية ليست أن نقول للمتعلم؛ اختر ما تشاء، وإنما أن نساعده على فهم شروط اختياره، واكتشاف إمكاناته، وقراءة واقعه، وبناء البدائل الممكنة، وتحمل مسؤولية القرار. وهنا تلتقي المقاربة الوجودية مع الواقعية. فالوجودية تضعنا أمام أسئلة الحرية والاختيار والمسؤولية والمعنى، بينما تذكرنا الواقعية بأن الإنسان يعيش داخل شروط وحدود وإمكانات فعلية. ومن ثم فالتوجيه الناجح لا ينبغي أن يقتل حلم المتعلم باسم الواقع، كما لا ينبغي أن يصنع له أوهاما باسم الحرية؛ بل ينبغي أن يساعده على بناء جسر بين الحلم والإمكان، وبين الطموح والواقع، وبين ما يرغب في أن يكونه وما يستطيع أن يبنيه من خلال العمل والتعلم وتطوير الذات. ومن هذه الزاوية، يصبح التوجيه أكثر من عملية لإخبار المتعلم بالمسالك المتاحة. فالمعلومة ضرورية، لكن امتلاكها لا يعني بالضرورة القدرة على الاختيار. والمتعلم قد يعرف أسماء الشعب والتخصصات والمهن، لكنه قد لا يعرف نفسه بما يكفي، ولا يملك أدوات المقارنة بين البدائل، أو تقدير نتائج القرار، أو مراجعة اختياره عندما تتغير المعطيات. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في أن نساعده على الوصول إلى اختيار مناسب، وإنما في أن نساعده على اكتساب القدرة على الاختيار. بناء عليه ينطرح مفهوم المشروع الشخصي للمتعلم باعتباره انتقالا من الاختيار بوصفه لحظة إلى الاختيار بوصفه مسارا. فالمشروع الشخصي لا يختزل في تحديد مهنة مستقبلية، ولا في اختيار شعبة دراسية، وإنما يتضمن تصورا للذات وللمستقبل وللعلاقة بالمجتمع. إنه محاولة لتحويل الرغبة إلى هدف، والهدف إلى إمكان، والإمكان إلى فعل، ثم تحويل التجربة نفسها إلى فرصة جديدة للتعلم وإعادة البناء. وهذا التصور ينسجم بصورة عميقة مع البيداغوجيا السياقية، “باعتبارها إطارا نظريا نشتغل على تأصيله وتطويره، يقوم على فهم التعلم والتوجيه في علاقتهما بالسياق الفعلي للمتعلم وبناء مشروعه الشخصي”. لأن هذا الأخير لا يبنى خارج السياق. فمشروع المتعلم يتشكل من خلال تجاربه، وموارده، وعلاقاته، وتمثلاته، ومحيطه الاجتماعي والثقافي والمجالي، ومن خلال الفرص التي يتيحها له الواقع أو يحد منها. ولذلك فإن بناء المشروع الشخصي لا يعني أن نقول للمتعلم؛ (احلم، تخيل)، وإنما أن نساعده على قراءة السياق الذي يوجد فيه، وعلى اكتشاف ما يتيحه من إمكانات، وعلى تحديد ما يحتاج إلى تطويره من معارف وكفايات، وعلى البحث عن البدائل عندما لا يكون الطريق الأول ممكنا. وفي واقعنا المدرسي، يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة؛ لأن المدرسة مطالبة، إلى جانب نقل المعارف، بالمساهمة في بناء شخصية المتعلم وإعداده للحياة والمستقبل والاندماج الاجتماعي والمهني، ضمن منظومة من القيم التي تجعل من المسؤولية والاستقلالية والتعاون والإنصاف واحترام الآخر والمواطنة عناصر أساسية في بناء الإنسان. ولذلك فإن التوجيه لا ينبغي أن يكون منفصلا عن هذه الغايات، بل ينبغي أن يكون أحد المجالات التي تتجسد فيها عمليا. فحين نساعد المتعلم على اختيار مساره، نحن لا نساعده على البحث عن موقع في سوق الشغل فقط، وإنما نساعده على تحديد موقعه في المجتمع، وعلى التفكير في القيمة التي يمكن أن يضيفها، وفي نوع الإنسان الذي يريد أن يكونه. ومن هنا يصبح التوجيه فعلا قيميا أيضا؛ لأن الاختيار لا يحدث خارج منظومة من القيم، ولأن النجاح الذي تسعى المدرسة إلى تحقيقه ليس نجاحا فرديا معزولا، بل نجاحا يظل مرتبطا بالمسؤولية تجاه الذات والآخر والمجتمع. عند هذه النقطة يصبح التوجيه جزءا من جوهر التربية نفسها. فالتربية تعلم الإنسان أن يعرف، والتوجيه يساعده على أن يختار، والمشروع الشخصي يمنحه اتجاها، والقيم تمنح اختياراته معناها، والتجدد يمنحه القدرة على مواصلة الطريق. لذلك فإن التوجيه كفعل وجودي لا يعني أن نختار للمتعلم الطريق الذي ينبغي أن يسلكه، بل أن نساعده على أن يتعلم كيف يختار، وكيف يتحمل مسؤولية اختياره، وكيف يقرأ واقعه دون أن يستسلم له، وكيف يحول إمكاناته إلى مشروع، وكيف يعيد بناء ذاته كلما تغيرت الشروط. -باحث ومكون بيداغوجي في علوم التربية، مختص في البيداغوجيا السياقية، والتوجيه التربوي القائم على المشروع الشخصي للمتعلم. يشتغل على التقويم القائم على الأثر والأداء المهني المستدام. The post التوجيه كفعل وجودي appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
CAN de Futsal : Engouement massif des supporters à Rabat
À quelques heures du coup d’envoi du choc Maroc-Algérie, comptant pour l’entrée en lice de…







