Home اخبار عاجلة الجامعة إلى أين؟ عمداء كليات العلوم والعلوم التطبيقية يعلنون موقفهم من “التوقيت الميسر”
اخبار عاجلة - 2 hours ago

الجامعة إلى أين؟ عمداء كليات العلوم والعلوم التطبيقية يعلنون موقفهم من “التوقيت الميسر”

الجامعة إلى أين؟ عمداء كليات العلوم والعلوم التطبيقية يعلنون موقفهم من “التوقيت الميسر”

في خضم النقاش الذي أثير مؤخرا حول التكوين الجامعي بالتوقيت الميسّر، قدمت شبكة عمداء كليات العلوم والعلوم التطبيقية قراءة مؤسساتية واضحة، تضع هذا النمط من التكوين في سياقه القانوني والبيداغوجي والاجتماعي، بعيدا عن الاختزال الذي يحول المسألة إلى مجرد نقاش حول واجبات التسجيل. الرباط-خاص البلاغ الصادر خلال الساعات الماضية لا يدافع عن إجراء تنظيمي، وإنما يقدم منطلقا أعمق يتمثل في كون الجامعة المغربية مطالبة اليوم بأن تتكيف مع تحولات المجتمع، وأن تجعل من التكوين مدى الحياة جزءا من وظيفتها الأساسية. وهي فكرة تنسجم مع وجود تكوينات فعلية بالتوقيت الميسّر في عدد من الجامعات المغربية، بما فيها تكوينات الماستر والإجازة. وتكمن قوة التوقيت الميسّر في كونه يعيد التفكير في العلاقة بين الزمن الجامعي والزمن الاجتماعي. فليس كل طالب قادر على تخصيص يومه بالكامل للدراسة؛ فهناك الموظف، والأجير، والمهني، ومن ارتبط بمسؤوليات أسرية أو مهنية، لكنه في الوقت نفسه يمتلك الرغبة والطموح في العودة إلى الجامعة أو استكمال دراسته. ومن هذه الزاوية، فإن التوقيت الميسر آلية للإنصاف وإعادة توزيع فرص التعلم، فالجامعة التي تفتح أبوابها أمام الموظف والأجير خارج أوقات عمله، تمنحه إمكانية ممارسة حقه في التعلم دون أن يضطر إلى الاختيار القسري بين مستقبله المهني ومستقبله الأكاديمي، وهنا تبرز إحدى أهم الأفكار التي تؤسس لها شبكة العمداء وهي أن التكوين مدى الحياة أصبح ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة في المعرفة والمهن وسوق العمل.. ويضع البلاغ ذاته هذا النقاش في إطار واقعي للغاية. فالموظف الذي يرغب في تطوير مؤهلاته الأكاديمية والمهنية يجد نفسه عمليا أمام خيارين إما الاستمرار في التكوين بالتوقيت العادي، بما قد يترتب عنه من غيابات متكررة وصعوبة في التوفيق بين الدراسة والعمل، وإما الاستفادة من صيغة زمنية ميسّرة تسمح له بمتابعة دراسته دون الإخلال بالتزاماته المهنية. وهنا يصبح التوقيت الميسّر حلا تنظيميا لمشكلة اجتماعية حقيقية، وليس مجرد نمط جديد لبرمجة الدروس. ومن أكثر الأفكار أهمية في البلاغ التأكيد على أن التمييز بين التوقيت العادي والتوقيت الميسّر هو تمييز في الزمن والتنظيم، وليس في القيمة العلمية للتكوين، فالتوقيت الميسّر لا يعني تخفيف المضامين، ولا التساهل في المعايير، ولا إنتاج شهادة من درجة أدنى. بل يتعلق الأمر، أساسا، بإعادة تنظيم العملية البيداغوجية بما يتناسب مع طبيعة الفئة المستهدفة. هذا التفريق بالغ الأهمية في النقاش العمومي؛ لأن جودة التكوين لا تقاس بالساعة التي يقدم فيها الدرس، وإنما بمحتواه، وتأطيره، وصرامة تقويمه، وكفاءة مؤطريه، ومخرجاته العلمية والمهنية . ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي ينبغي أن يكون على ضمان نفس الصرامة الأكاديمية، مع تكييف الزمن الجامعي مع خصوصية المستفيدين. أما النقاش حول واجبات التسجيل، فإن بلاغ شبكة العمداء يحاول إخراجه من القراءة الأحادية التي تختزل المسألة في مفهوم الرسوم. فالبلاغ يوضح أن التكوين الموجّه إلى المهنيين بالتوقيت الميسّر يختلف في طبيعته التنظيمية عن التكوين الأساسي المجاني بالتوقيت العادي، وأن هذا النمط يتطلب تعبئة موارد بشرية وإدارية وتقنية، واستعمال مرافق وتجهيزات الجامعة خارج أوقات العمل الرسمية. وهذه النقطة مهمة؛ لأن المرونة الزمنية لها كلفة مؤسساتية حقيقية. ففتح الجامعة في أوقات إضافية يعني تعبئة الأساتذة والأطر الإدارية والتقنية، وتهيئة المختبرات والقاعات والتجهيزات، وضمان الخدمات والمواكبة والتأطير، وبالتالي، فإن السؤال الأكثر إنتاجية ليس رفض المساهمة المالية من حيث المبدأ، وإنما طرح أسئلة الحكامة والشفافية: كيف تُحتسب؟ كيف تُدبّر؟ وأين توجه؟ وما أثرها المباشر في جودة التكوين؟ وهنا يكتسب البلاغ أهميته حين يربط الموارد المتحصلة من هذه التكوينات بتحسين ظروف الاستقبال والتأطير وتحفيز الأساتذة الباحثين على تأطير هذه الفئة، بما يخدم جودة التكوين وتميزه. من جهة أخرى يحمل البلاغ فكرة مركزية تستحق أن تكون في قلب النقاش كله، هي استعادة مفهوم التكوين مدى الحياة، فالجامعة الحديثة لم تعد مؤسسة يدخلها الطالب في سن معينة ثم يغادرها بشهادة نهائية. لقد أصبح التعليم المستمر جزءا من المسار المهني والشخصي للإنسان. وفي عالم تتغير فيه المهن بسرعة، وتظهر تخصصات جديدة، وتتطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية، تصبح العودة إلى الجامعة بعد سنوات من العمل مؤشرا على حيوية المجتمع، وليس على فشل منظومته التعليمية، ومن هنا، فإن التوقيت الميسّر يمكن أن يتحول إلى إحدى أدوات بناء جامعة التعلم المستمر؛ جامعة تتيح للإنسان أن يتعلم، ثم يعمل، ثم يعود إلى التعلم، ثم يطور مساره من جديد. ومن الجوانب اللافتة في البلاغ أن شبكة العمداء تشير إلى اعتماد رسوم موحدة للتكوين بالتوقيت الميسّر ابتداء من الموسم الجامعي 2026-2027، بما يضمن تكافؤ الفرص بين الجامعات. وهذه النقطة تستحق التنويه، لأن توحيد القواعد المالية يحد من الفوارق غير المبررة بين المؤسسات، ويمنح الراغبين في الاستفادة من هذه التكوينات رؤية أكثر وضوحًا بشأن شروط الولوج إليها، كما أن ربط هذه التكوينات بتوفير التأطير العلمي، خصوصا في سلك الدكتوراه، يؤكد أن القضية لا تتعلق بالتحصيل المالي فقط، وإنما باستدامة المنظومة العلمية التي تقف خلف التكوين: الأستاذ الباحث، المختبر، الإدارة، التجهيزات، التتبع والمواكبة. ولا يغفل البلاغ الجانب الاجتماعي، إذ يشدد على مراعاة الوضعية الاجتماعية للموظفين والأجراء، واحترام الحقوق المكتسبة، وصون مبدأ عدم رجعية القواعد القانونية. وهذا أمر أساسي، لأن نجاح التوقيت الميسّر لن يقاس فقط بعدد المسجلين، وإنما أيضا بقدرته على تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، فالجامعة مطالبة بأن تكون مرنة دون أن تتحول المرونة إلى إقصاء، وأن تبحث عن موارد إضافية دون أن تفقد وظيفتها الاجتماعية، وأن تطور عروضها دون أن تتخلى عن مبدأ تكافؤ الفرص. ولعل من أبرز الرسائل التي يحملها البلاغ تأكيده أن تفعيل التكوين بالتوقيت الميسّر قرار بيداغوجي يندرج في صميم اختصاصات الجامعات وهياكلها، وهذا المعطى يعيد النقاش إلى مكانه الطبيعي: الجامعة، ومجالسها، وهياكلها، وخبراؤها، وأساتذتها، وطلبتها، ومقتضيات القانون. فالاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي ومشروع، بل ضروري لتطوير السياسات الجامعية؛ لكن تحويل النقاش الأكاديمي إلى مواجهة سياسية لا يساعد على معالجة الأسئلة الحقيقية المرتبطة بالجودة، والتمويل، والتأطير، والحكامة، والعدالة الاجتماعية. إن بلاغ شبكة عمداء كليات العلوم والعلوم التطبيقية يقدم تصورا يمكن اختزاله في معادلة واضحة، هي أن تغيير التوقيت لا يعني تغيير قيمة التكوين، والمرونة لا تعني التساهل، والمساهمة المالية لا ينبغي أن تعني التخلي عن الوظيفة الاجتماعية للجامعة. فالتوقيت الميسّر، إذا أحسن تنزيله، يمكن أن يكون جسرا بين الجامعة والمجتمع، وبين المعرفة والمهنة، وبين الدراسة والعمل، وبين التعليم الجامعي والتعلم مدى الحياة. فالجامعة القوية ليست هي التي تتمسك بزمن واحد، وإنما التي تعرف كيف تجعل زمنها أكثر إنسانية ومرونة، من دون أن تجعل معاييرها العلمية أقل صرامة. ومن هذه الزاوية، سيكون التوقيت الميسّر خطوة باتجاه جامعة مغربية أكثر انفتاحا، وأكثر استجابة لحاجات المجتمع، وأكثر قدرة على جعل شعار التكوين مدى الحياة ممارسة مؤسساتية فعلية.

ayat ayatمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

20 − eight =

Check Also

استنفار أمني بسبتة تحسبا لمحاولة اقتحام جديدة للمدينة المحتلة

ألغت وزارة الدفاع الإسباني،في إجراء احترازي، تصاريح الإجازة لفائدة العسكريين المنتشرين بمد…