Home اخبار عاجلة الخطاب الملكي ورهانات المغرب الصاعد: من منطق الإنجاز إلى أفق السيادة الاقتصادية
اخبار عاجلة - 51 minutes ago

الخطاب الملكي ورهانات المغرب الصاعد: من منطق الإنجاز إلى أفق السيادة الاقتصادية

الخطاب الملكي ورهانات المغرب الصاعد: من منطق الإنجاز إلى أفق السيادة الاقتصادية

يأتي الخطاب الملكي السامي، الموجه إلى البرلمان في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة عند ملتقى ثلاث محطات مفصلية وحساسة: محطة انتخابية أغلقت نتائجها منذ أسابيع قليلة، ومحطة حكومية لم يكتمل فيها بعد تركيب الأغلبية ولا صياغة البرنامج الحكومي، ويُنتظر منها الكثير، ولحظة اقتصادية عالمية تعيد فيها القوى الكبرى رسم خرائط الطاقة والتجارة والتكنولوجيا. وعليه، فإن من يقرأ الخطاب بوصفه مجرد افتتاح بروتوكولي لدورة تشريعية، سيفوته جوهره العميق؛ إذ يضع الملك، في فقرات قصيرة متتابعة ومباشرة، ما يشبه دفتر تحملات للولاية الحكومية، يتضمن تحديد الأولويات الإنجازية، ووتيرة تنفيذها، والمستوى الترابي لاشتغالها، والجهات المدعوة إلى المشاركة فيها. يصف الخطاب السامي الظرفية الراهنة بأنها حافلة بفرص «قد لا تتكرر»، وهو واقع اقتصادي في جوهره قبل أن يكون عبارة بلاغية؛ فهذا الواقع يعني أن أما المملكة نافذة زمنية مفتوحة ومحدودة، تتقاطع فيها الجغرافيا بالطاقة والمؤسسات وبالاقتصاد والديمقراطية بالجهوية، والمستقبل بالشباب، وتتجلّى ملامحها في (1) موقعٍ وسط بين أوروبا وإفريقيا يلتقي مع طلب أوروبي متزايد على التصنيع القريب من أسواقه، (2) وفي أصول طاقية ومعدنية، في مقدمتها الشمس والرياح والفوسفاط والكوبالت، وهي تفتح الباب لبناء سلاسل قيمة في الأسمدة والبطاريات والهيدروجين، (3) وفي سوق إفريقية تتّسع مع منطقة التبادل الحر القارية، ويمكن للمقاولات المتوسطة والكبرى أن تستفيد منها، (4) وفي موعد 2030 بما يفرضه من انضباط في الآجال يمكن أن يصير مقياسا لتطور النقل والسياحة والخدمات والرقمنة، (5) وفي مناخ ملائم لحوسبة خضراء تجتمع فيه الطاقة النظيفة والكابلات البحرية والموقع الجغرافي. الاعتزاز بالانتماء بوصفه رأسمال ثقة يفتتح الخطاب الملكي بالاعتزاز بالانتماء للأمة المغربية بهويتنا الدينية الأصيلة، في ظل إمارة المؤمنين، وبالهوية الحضارية المتميزة، الغنية بتعدد مكوناتها، تحت راية ملكية عريقة، من أقدم الملكيات في التاريخ. ثم يحدد لهذا الانتماء ترجمة على ارض الواقع ووظيفة محددة تحوله من شعور عاطفي إلى مسؤولية وواجب وطني. وأعتقد أن التنبيه إلى “أن الاعتزاز ليس للتباهي” هي رسالة موجهة إلى المسؤولين الإداريين والنخب السياسية معا مفادها، أن رصيد الثقة سيُستهلك إن لم يسنده إنجاز ملموس. من الاستراتيجيات التنموية إلى السيادة الاقتصادية يفصل الخطاب بين مرحلتين، الأولى تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، والثانية إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات في الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي. وهذا الفصل يحمل معنى عميق، فالمرحلة التي انتهت راكمت فيها المملكة أصولا مادية متقدمة من موانئ وطرق وسكك ومحطات طاقة، أما المرحلة التي تبدأ فتتعلق بضرورة التحكم في الموارد والتقنيات التي ستحدد موقع المغرب في سلاسل القيمة العالمية. وما يجمع المجالات الستة هو منطق السيادة الاقتصادية الوظيفية، أي قدرة الدولة على ضمان الماء والكهرباء والغذاء والمدخلات الصناعية والمعطيات الرقمية حين تضطرب الأسواق وتنقطع سلاسل التوريد، وهذا هو جوهر السيادة في القرن الحادي والعشرين الإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي: الانتقال إلى موقع أعلى في السلسلة كلمة “الإقلاع” تفترض انتقالا إلى مستوى جديد لا استمرارا في نفس المسار. نعم، لقد نجح المغرب في استقطاب سلاسل تجميع قوية في السيارات والطيران، لكن القيمة المضافة المحلية ما تزال ضعيفة على العموم ومتفاوتة بين القطاعات، والصادرات مركزة في عدد قليل من الأنشطة والأسواق. وأعتقد أن المطلوب ضمنيا في توجيه جلالة الملك هو الانتقال من اقتصاد المنصة التصديرية إلى اقتصاد الإنتاج المتكامل، أي موردون محليون أقوى، وبحث وتطوير وتأهيل للكفاءات المغربية، وحضور في المراحل العليا من السلسلة (لا نكتفي بتجميع السيارات أو أجزاء الطائرات، يجب أن ننتقل إلى تصميمها وتطوير مكوناتها الأساسية). أما إدراج الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن الاستراتيجيات الكبرى لا ضمن الملحقات، فمعناه أنهما أصبحا من البنية التحتية الإنتاجية (معطيات وحوسبة وطاقة ومهارات) التي تضمن السيادة التكنولوجية. ولهذا الإدراج وجه استباقي أيضا، فالخدمات المصدَّرة، من مراكز اتصال وترحيل أنشطة، شغلت جزءا مهما من شباب المدن، وهي أنشطة قابلة للتآكل بفعل الأتمتة، وتأجيل التحول الرقمي يكلف وظائف قائمة قبل أن يضيّع وظائف مستقبلية. الاحتياطات الاستراتيجية: من منطق التدفق إلى منطق الاحتياط استعمل الخطاب صيغة “ندعو من جديد”، وفيها دلالة على أن الأمر سبق التنبيه إليه ولم يستوف حقه. والمفاد من هذا التذكير الملكي هو وجوب الانتقال من منطق التوريد في الوقت المناسب إلى منطق التأمين على الانقطاع. ولقد علمتنا جائحة كورونا، واضطرابات الملاحة وأزمة الحبوب بعد 2022، أن غياب الاحتياطات من الطاقة والحبوب واللحوم والأدوية تتحول إلى بند في الميزانية وتكلفة في سياسة التموين وفي حسابات ميزان الأداءات، وإلى ضغط وتآكل للقدرة الشرائية للأسر. وبهذا ينقل الخطاب الملكي النقاش من سؤال “كم يكلف المخزون” إلى سؤال “كم سيكلف نفاده” لا قدر الله. القطاع الخاص: من متلقٍّ للدعم إلى شريك في تعزيز صلابة الاقتصاد الوطني تحملُ الدعوة الملكية المباشرة للقطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى “فاعل استراتيجي” معنىً ضمني يتجاوز ظاهر العبارة؛ فهي تحميلٌ للمسؤولية في صيغة “ملكية مهذّبة”. فقد وفرت له الدولة التمويل العمومي والحوافز والعقار الصناعي، والمنتظر الآن رد الجميل والمساهمة في تعزيز صلابة الاقتصاد الوطني عبر 5 التزامات أداء: المبادرة والابتكار والتشغيل والاستثمار والتصدير. وبلغة مالية، تطلب الدولة من القطاع الخاص أن يضع رأسماله في المخاطرة، بطبيعة الحال هذه المساهمة تستوجب مقابلا عموميا، يتمثل في توفير بيئة تنافسية لا ريع فيها، وتمويل مناسب للمقاولات المتوسطة، وآجال أداء معقولة، ووضوح تنظيمي. وفي وصف القطاع الخاص بالوطني تلميح إلى أن التركيز على الاستثمار الأجنبي وحده لا يبني السيادة الاقتصادية، وأن المغرب في حاجة إلى مقاولات متوسطة كبرى مواطنة قادرة على المنافسة في إفريقيا وخارجها. الشباب: من برامج متفرقة إلى مسار متكامل مشروط بـ”الحرية والكرامة والاستقرار” يدعو الخطاب السامي إلى وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، وذلك من خلال “تصوّر متكامل” يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي. أي الخروج من منطق البرامج المنفصلة والمتقاطعة إلى مسار ناظم واحد ينطلق من المدرسة إلى الشغل، فلا يُعالَج التعليم بمعزل عن التأهيل، ولا التأهيل بمعزل عن الإدماج الاقتصادي. بقد حدد الخطاب الإطار الذي ينبغي أن يتحقّق فيه هذا المسار، فجعله مشروطا بـ”الحرية والكرامة والاستقرار”. فالحرية تضمن للشاب أن يختار مساره دون وصاية أو إحباط، والكرامة تصون آدميته فلا يتم اختزاله في رقم اقتصادي أو فرصة مؤقتة، والاستقرار يوفر له أفقا طويل المدى يبني فيه مستقبله دون قلق على الغد. الجهوية واللاتمركز: أشد فقرات الخطاب عملية يقرر الخطاب أن أي تأخير في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز لم يعد مقبولا، ويربطه بنقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الأقاليم والجهات. وتشخيصه الاقتصادي أن الاستراتيجيات الوطنية لا تصل إلى الواقع المحلي لأن القرار والموظفين والاعتمادات بقيت في المركز. ولذلك ثلاث كلف: كلفة زمن، لأن كل ملف استثمار يمر عبر الرباط يطيل الانتظار، وكلفة استهداف، لأن القرار المركزي يجهل خصوصيات الأقاليم، وكلفة مساءلة، لأنه حين تتوزع المسؤولية بين المركز والجهة لا أحد يحاسَب. وحين يدعو الخطاب إلى آليات للتنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات، فهو يشير إلى الأداة المالية المناسبة، عقود برامج متعددة السنوات تنقل الموارد مقابل نتائج. ويعني تحديد الاختصاصات بوضوح وإنهاء المنطقة الرمادية بين الاختصاصات الذاتية والمشتركة والمنقولة. وهكذا تتحقق العدالة المجالية بقدرة الجهة المؤسساتية والمالية على القرار والتنفيذ، لا بتحويلات ظرفية وحدها. الشراكة السيادية: من تدبير الهجرة إلى إعادة بناء معادلة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لم يقتصر الخطاب الملكي على تشخيص أعطاب النموذج الحالي في تدبير ملف الهجرة، بل يطرح في عمقه الاستراتيجي، مسألة إعادة النظر في الأسس التي تنتظم وفقها الشراكة بين المغرب وشركائه الأوروبيين، وفي مقدمتهم إسبانيا. فالتأكيد على المكانة الدولية للمملكة كشريك مسؤول وموثوق، يفي بالتزاماته وينتظر المعاملة نفسها من شركائه، يؤسس لمبدأ جوهري في العلاقات الدولية، قوامه أن المصداقية لا يمكن أن تظل التزاما أحادي الجانب، بل ينبغي أن تتحول إلى قاعدة متبادلة تحكم توزيع المسؤوليات والمنافع والتكاليف. ومن هذا المنطلق، يؤكد الخطاب على الحاجة إلى الانتقال من مقاربة يغلب عليها التدبير الأمني والظرفي إلى إطار استراتيجي أكثر شمولا، يربط معالجة الإشكالات العابرة للحدود بأبعادها القانونية والاقتصادية والتنموية. لأن تدبير ملف الهجرة لا يقوم على كفاءة آليات مراقبة الحدود ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، وإنما تقتضي أيضا معالجة العوامل البنيوية التي تؤثر في ديناميات الهجرة، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتوسيع فرص الاستثمار والتشغيل، وتطوير سلاسل القيمة المشتركة، بما يجعل الاستقرار الإقليمي مصلحة متبادلة ونتيجةً لتعاون متعدد الأبعاد. أما التأكيد على أن الشراكة “اختيار سيادي والتزام إرادي، وأنها لن تكون محل ضغط أو تهديد أو ابتزاز”، فيحمل دلالة تتجاوز البعد الدبلوماسي إلى مفهوم السيادة الاقتصادية والتفاوضية. بمعنى وجوب الانخراط في الشراكات الدولية من موقع الاستقلالية، وعلى أساس وضوح المصالح واحترام الالتزامات المتبادلة، مع الاحتفاظ بحرية تحديد الأولويات الوطنية وتنويع الخيارات الاستراتيجية. وبهذا تصبح الشراكة ثمرة التزام إرادي بين أطراف متكافئة في حقها في تحديد مصالحها، لا علاقة هشة تختل موازينها كلما برز خلاف حول ملف مشترك. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الرؤية الاستراتيجية المرتقبة باعتبارها فرصة للانتقال من تدبير الأزمات المتكررة إلى بناء نموذج مستدام للشراكة بين المغرب وإسبانيا قائم على الاستقلالية وتكافؤ المصالح، وقادر على تحويل الالتزامات المشتركة إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، وتعزيز التكامل والتنافسية والاستقرار على ضفتي المتوسط. خاتمة خلاصة القراءة أن الخطاب الملكي يرسم نموذجا بأربعة أضلاع: دولة تخطط للأمن والسيادة، وقطاع خاص وطني يخاطر ويُشغل ويصدّر، وجهات ترابية تقرر وتنفذ وتتحمل المسؤولية، وشباب يجدون موقعا في الاقتصاد والساحة السياسية الوطنية. ويعتبر هذا النموذج العدالة الاجتماعية والمجالية شرط ضروري لنجاحه واستمراره وليست آلية لتوزيع ثمار النمو، فالتنمية التي لا تصل إلى الأقاليم وإلى القرى وإلى الشباب تفقد قاعدتها الاجتماعية، والعدالة التي لا تستند إلى إنتاج تفقد تمويلها ومصداقيتها. وهذا التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، الذي نص عليه الخطاب في مطلعه، هو المعيار الذي ينبغي أن يُختبر به البرنامج الحكومي الحالي. والمغرب (ملكا وشعبا)، ينتظر أن “تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة، منعطفا حقيقيا لمواصلة طموح المغرب، كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية”. د. نوفل الناصري: خبير اقتصادي وكاتب مغربي

د. نوفل الناصريمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

sixteen + eight =

Check Also

صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن يترأس افتتاح الدورة الـ 17 لمعرض الفرس للجديدة

ترأس صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، اليوم الاثنين، بمركز المعارض محمد الس…