Home الصحافة المغربية الدعوة إلى الله بين مرارة الواقع وأمل الإصلاح

الدعوة إلى الله بين مرارة الواقع وأمل الإصلاح

الدعوة إلى الله بين مرارة الواقع وأمل الإصلاح

الدعوة إلى الله بين مرارة الواقع وأمل الإصلاح هوية بريس – نور الدين درواش ليس خافيا أن المغرب، بما له من تاريخ عريق في الإسلام والعلم، يعيش اليوم تحولات اجتماعية وثقافية عميقة تفرض على أهل الدعوة والعلم مراجعة أولوياتهم، واستعادة السؤال عن الوظيفة الأولى التي ينبغي أن تنهض بها الدعوة في المجتمع. فالمغرب بلد جعل الإسلام من ثوابته الجامعة، وظلت هويته الدينية عبر قرون مرتبطة بالقرآن والسنة والعلماء والتعليم العتيق والمساجد ومجالس العلم. لكن ثبات الهوية في النصوص والمؤسسات لا يعني أن المجتمع بمنأى عن التحولات التي تجتاح العالم؛ فالشاب المغربي يعيش اليوم في عالم مفتوح، تتدفق إليه الأفكار والقيم والصور من كل مكان، ولم يعد المسجد والأسرة والمدرسة وحدها تصنع وَعْيَه. وهذا يفرض على الدعاة أن يكونوا أكثر حضورا، وأعمق فهما للواقع، وأقدر على مخاطبة الجيل الجديد. إن التحدي لم يعد مجرد وجود بعض مظاهر الانحراف في المجتمع، فقد عرف المغرب، كما عرفت سائر المجتمعات، صورا من الانحراف في كل عصر؛ وإنما الجديد هو سرعة انتشار الفكرة والصورة والسلوك، وقدرة وسائل الإعلام والمنصات الرقمية على تحويل الشاذ إلى قاعدة، والاستثناء إلى مألوف، والمنكر إلى ممارسة عادية، والشبهة إلى قناعة تتكرر حتى تستقر في الأذهان. وهنا تتأكد مسؤولية العاملين للإسلام، والحركات الإسلامية، والجمعيات الدعوية، في أن يستعيدوا وظيفتهم الأساسية في دعوة الناس إلى الله، وتعليمهم دينهم، وتثبيت عقيدتهم، وتربية الشباب، وتقويم السلوك، وحراسة القيم، وفتح أبواب التوبة والإصلاح. فهذه هي وظيفة الأنبياء قبل أن تكون وظيفة المؤسسات الدعوية. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال سبحانه في وصف رسولنا صلى الله عليه وسلم: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾. وفي المغرب اليوم تبدو الحاجة إلى هذه الوظيفة أشد إلحاحا، ولا سيما في صفوف الشباب. فهناك أسئلة عقدية وفكرية جديدة، وموجات من الإلحاد واللادينية والتشكيك في القرآن والسنة، ومحاولات لإعادة النظر في الثوابت والمسلمات الدينية. وليس المطلوب أن نتعامل مع الشباب بمنطق التخويف وحده، وإنما أن نبني فيهم اليقين، وأن نعلمهم دينهم تعليما عميقا، وأن نفتح أمامهم أبواب السؤال والحوار، وأن نقدم لهم الإسلام بلغة العلم والبرهان والحكمة. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين” متفق عليه. وفي الجانب السلوكي، لا يستطيع أحد أن ينكر أن المجتمع المغربي يواجه بدوره تحديات متزايدة تتعلق بالمخدرات والإدمان وبعض أنماط السلوك المنحرف. وقد أصبحت الدولة نفسها تتعامل مع الإدمان باعتباره ظاهرة مَرَضية واجتماعية تستدعي الوقاية والعلاج، فيما تشير المعطيات الرسمية إلى اتساع الحاجة إلى خدمات علاج اضطرابات الإدمان ومواجهتها، خصوصا مع وصول هذه المشكلات إلى فئات أصغر سنا. وهنا لا ينبغي أن تترك الدعوة هذا الميدان لغيرها. فالمخدرات والخمور ليست مجرد مشكلات قانونية أو صحية؛ إنها كذلك قضية تربية وإيمان وأسرة وقيم. وكذلك الحال مع انتشار القمار والرهان وبعض صور التعامل الربوي، ومع التطبيع الاجتماعي مع بعض الممارسات التي نهى عنها الشرع. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. ثم تأتي قضية الإعلام والفن والسينما والمنصات الرقمية، وهي من أكثر القضايا إلحاحا في الواقع المغربي المعاصر. فهذه المجالات لم تعد مجرد وسائل للترفيه، وإنما أصبحت جزء من صناعة الوعي والذوق والسلوك. ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد الاحتجاج على ما يعرض، وإنما أن تنتقل الدعوة من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، وأن تنتج، وتبدع، وتخاطب الشباب بلغتهم، وتقدم البديل الجميل والنافع، وتثبت أن الالتزام بالدين لا يعني الانغلاق عن الحياة ولا الحرمان من المباحات. وهنا نستحضر تاريخ المغرب نفسه. فلم يكن العلماء المغاربة في يوم من الأيام مجرد ناقلين للعلم، بل كانوا مصلحين ومربين، مرتبطين بالناس، قائمين على التعليم والإرشاد، ومشاركين في حفظ الدين والهوية. وكانت المدارس العتيقة والمساجد ومجالس العلماء جزء من منظومة تربوية أسهمت في تشكيل الشخصية المغربية وحفظ صلتها بالإسلام. وإذا كان ذلك قد نجح في أزمنة كانت وسائل التأثير فيها محدودة، فإن مسؤوليتنا اليوم أعظم؛ لأن أدوات التأثير أصبحت في يد الجميع، ولأن أبناءنا يمكن أن تصل إليهم في دقائق أفكار وصور وقيم لم تكن تصل إلى الأجيال السابقة في سنوات. ومن هنا فإن المطلوب من الحركة الإسلامية بالمغرب ليس أن تعيش أسيرة ردود الأفعال، ولا أن تكتفي بتشخيص مظاهر الخلل، وإنما أن تستعيد مشروعها الإصلاحي، عبر علمٌ يثبت العقيدة، وتربية تبني الشخصية، ودعوة تخاطب الناس، وإرشاد يعالج المشكلات، وإعلام يقدم البديل، وعمل ميداني يقترب من الشباب والأسر والمدارس والأحياء. The post الدعوة إلى الله بين مرارة الواقع وأمل الإصلاح appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

7 + ten =

Check Also

الـCGT تطالب بإطلاق سراح معتقلي الرأي والتراجع عن قانون الإضراب وتندد بتضييق الداخلية

طالبت الكونفدرالية العامة للشغل (CGT) بإطلاق سراح جميع معتقلي الرأي، ورفع القيود المفروضة …