الدوائر الانتخابية التشريعية ومعضلة ربط المدن بالقرى!

نتائج الانتخابات الجزئية التي أجريت هذا الشهر في عدد من الدوائر الانتخابية في كل جهات المملكة تؤكد أن اللعبة الانتخابية في المغرب لازالت تحتكم لقواعد لعب تقليدية محكومة باعتبارات لا علاقة لها على الإطلاق بمنطق الديمقراطية وخصوصا في العالم القروي الذي يشكل مند سنوات عائق كبير أمام التحول الديمقراطي في البلاد! نتائج الانتخابات الجزئية التي تعاملت معها مجموعة من الاحزاب بشكل تظليلي في تقديمها للرأي العام لا يمكن الاعتماد عليها كمؤشر لقياس قوة ومصداقية اي حزب سياسي لأن أغلب الدوائر التي اعيدت فيها الانتخابات كانت فردية وتمركزت في جماعات لها طابع قروي صرف! السلوك الانتخابي في العالم القروي لا علاقة على الإطلاق بالانتماء الحزبي او البرنامج الانتخابي بل يرتبط بعلاقة الناخب بالمرشح وجزء كبير من الناخبين يصوتون على اساس الانتماء القبلي ( الفخدة) أو على اساس الوعود التي تقدم لهم من طرف المرشحين ( وعود الشغل) أو على اساس المقابل المالي الذي سيجنيه الشخص الذي له حق التصويت! الانطلاق من نتائج الانتخابات الجزئية والاعتماد عليها كمؤشر لقياس قوة أحزاب معينة تظليل سياسي غبي لا علاقة له بالواقع الانتخابي في المغرب. واي دراسة للسلوك الانتخابي في المغرب من الزاوية السوسيولجية والسيكولوجية في المغرب، وخصوصا في المجال القروي، ستفضي حثما إلى خلاصات بديهية، على أن محددات السلوك الانتخابي تظل بعيدة كل البعد عن الديمقراطية بمفهومها الدقيق! لهذا فإن الاحزاب التي تعاملت مع نتائج الانتخابات الجزئية كترمومتر على أن الشعب المغربي مؤمن بها وبخياراتها، تعرف قبل غيرها انها تمارس التدليس السياسي، لأن الحقيقة غير ذلك، وكل من تتبع كيف كانت الحملات الانتخابية في عدد من الدوائر التي أجريت فيها الانتخابات الجزئية، وكيف كان التدافع المنحط بين المرشحين وانصارهم في مواقع التواصل الاجتماعي، سيفهم أن ما يتم الترويج له الآن بعد إعلان وزارة الداخلية لنتائج هذه الانتخابات، مجرد زوابع سياسية لا تعكس حقيقة الواقع الانتخابي! الانتخابات التشريعية لها خصوصياتها وسلوك الناخب المغربي غير ثابت ولا يعكس قناعات سياسية أثناء قيامه بالتصويت بإستثناء قلة قليلة تكون في الغالب لها ارتباطات تنظيمية بالحزب الذي تنتمي إليه ولا تشكل حتى 10 بالمائة من مجموع الأصوات المعبر عنها في كل محطة انتخابية! من خلال التقطيع الانتخابي الحالي والقائم على ربط البوادي بالمدن على مستوى كل دائرة انتخابية فإن دار لقمان ستبقى على حالها مادام أن الكثلة الناخبة في المجال القروي هي التي تحسم الفوز في الانتخابات التشريعية والاحزاب التي لها امتداد في البوادي هي التي ستفوز لأن السلوك الانتخابي في العالم القروي غير عقلاني وغالبا ما يرتبط بمحددات عصبية قبلية لا تؤمن بالبرامج الانتخابية ولا بالاعتبارات الفكرية والاديلوجية والسياسية! حديث النخب السياسية في الصالون السياسي حول نزاهة الانتخابات والانتقال الديمقراطي في المغرب هو مجرد ترف فكري وسياسي لا يأخذ بعين الاعتبار تعقيدات الواقع الانتخابي من قبيل التقطيع الانتخابي الذي يربط القرى بالمدن عن قصد مند عقود من الزمن للتحكم في الهندسة الانتخابية! جزء كبير من المسجلين في اللوائح الانتخابية في الحواضر لا يذهبون إلى صندوق الاقتراع ولا يدلون بأصواتهم بإستثناء نسبة قليلة مما يرجح كفة المرشحين الذين يتوفرون على قاعدة انتخابية أو كثلة ناخبة قروية تصوت بناء على محددات القرب والانتماء للقبيلة ولا تؤمن بمقولات النزاهة أو الانتقال الديمقراطي أو ربط المسؤولية بالمحاسبة وغير ذلك من الأمور التي يبقى صداها محصورا في الصالونات السياسية! هذه هي الحقيقة، وإذا استمر ربط الحواضر بالقرى في الاستحقاقات الانتخابية، فلن يشهد المغرب اي انتقال ديمقراطي، وفق المعايير الدولية التي ينظر لها السياسي، في الصالونات السياسية وفي قنوات القطب العمومي، والاذاعات الخاصة، والمواقع الإلكترونية، والجرائد، ومواقع التواصل الاجتماعي! ينبغي إعادة النظر في التقطيع الانتخابي وينبغي فصل المجال الحضري على المجال القروي مادام أن محددات السلوك الانتخابي في القرى ترتبط بالانتماء القبلي وبعقلية ولد البلاد وابن المنطقة والدوار إلى حين تنمية وعي الانسان القروي الذي يعاني كل أشكال الهشاشة الاجتماعية التي تجعل منه طعما سهل المنال من طرف تجار الانتخابات الذين اكتسبوا خبرة كبيرة في اصطياد أصوات الناخبين في البوادي بأقل كلفة ممكنة لضمان استمراريتهم في البرلمان! ولكي تتضح الفكرة أكثر لا بد من استحضار نتائج الانتخابات ببعض الدوائر الانتخابية بجهة الرباط سلا القنيطرة مثل القنيطرة أو سيدي سليمان على سبيل المثال لا الحصر! آلاف المسجلين في مدينة سيدي سليمان مثلا لا يذهبون إلى صندوق الاقتراع ونسبة المصوتين تكون ضعيفة وهو الأمر الذي يتناقض مع واقع الحال في تسع جماعات قروية من أصل إحدى عشر جماعة تغطي الدائرة الانتخابية التشريعية لاقليم سيدي سليمان حيث أن نسبة التصويت في الجماعات القروية تتجاوز عتبة الخمسين في المائة وتصل ببعض الدوائر إلى 70 بالمائة. ماذا يعني هذا الامر؟ يعني أن العزوف عن التصويت في المدينة يكون كبير جدا مما يرفع من أسهم المرشحين الذين ينتمون إلى أحزاب تتوفر على اتباع وكثلة ناخبة كبيرة في الجماعات القروية مثل حزب الاتحاد الدستوري الذي ظل يسيطر على الإقليم لسنوات إلى جانب حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية! عندما يتوجه عشرون الف ناخب فقط من المسجلين في الوسط الحضري إلى صندوق الاقتراع ويعزف أكثر من ثمانين الف عن ذلك فإن العزوف هنا يتحول إلى خراب كبير لأي انتقال ديمقراطي أو تداول على مقاعد البرلمان بين الهيئات المتنافسة! حزب يترأس تسع جماعات قروية سينال بكل تأكيد مقعده الانتخابي ولو أبقت الدولة على القاسم الانتخابي القديم ( أكبر بقية على قاعدة الاصوات المعبر عنها) لأصبح بإمكان هذا الحزب حصد مقعدين من أصل ثلاثة مقاعد لأن الناخب في الجماعات القروية لا يستعمل عقله بل يعطله عند كل محطة انتخابية ويعطي الاولوية للعصبية القبلية وهو ما يخدم مصلحة أعيان انتخابية عملت لعقود طويلة على تغدية فكر ولد القبيلة وولد البلاد! في ظل هذا الوضع لدينا خيارين فقط لا ثالث لهما لحل هذا الإشكال الكبير: إما إعادة النظر في التقسيم الانتخابي من خلال فصل القرى عن المدن ( دوائر انتخابية حضرية واخرى قروية) وإما القطع مع الغزوف الانتخابي في الحواضر والتصويت بكثافة لا تقل نسبة التصويت فيها عن 80 بالمائة لقطع الطريق عن الاعيان الانتخابية التي توظف الصوت الانتخابي في القرى بمحددات قائمة على النزعة العصبية القبيلة! هل هذا الأمر ممكنا ومستساغ من طرف عقل الدولة؟ المؤشرات الحالية تقول العكس لأن العالم القروي يبقى مجالا خصبا لتأمين الهندسة الانتخابية ونتائجها في إطار سياسة ضبط المشهد الانتخابي والمؤسساتي من قبل الدولة العميقة وأداتها المؤسساتية والدستورية التي تشرف على الانتخابات في المغرب مند الستينيات!
ارتفاع المداخيل الضريبية بالمغرب بـ10 مليارات درهم خلال أربعة أشهر
كشفت وزارة الاقتصاد والمالية أن الموارد الجبائية بالمغرب سجلت ارتفاعا بـ10.4 مليارات درهم …


