Home الصحافة المغربية الشيخ العَلامة محمد صالح بن عثيمين (رحمه الله): عالم ربانيّ في التربية والدعوة والتأصيل

الشيخ العَلامة محمد صالح بن عثيمين (رحمه الله): عالم ربانيّ في التربية والدعوة والتأصيل

الشيخ العَلامة محمد صالح بن عثيمين (رحمه الله): عالم ربانيّ في التربية والدعوة والتأصيل

الشيخ العَلامة محمد صالح بن عثيمين (رحمه الله): عالم ربانيّ في التربية والدعوة والتأصيل

هوية بريس – د. علي محمد الصلابي

من شيوخي الكبار التقيتُ به في المسجد النبويّ، بعد أن ألقى محاضرةً قيّمةً في زمن غزو العراق للكويت إبّان حكم صدّام حسين؛ تحدّث فيها عن آثار تلك المحنة على الناس جميعًا: طلابِ العلم، والعبّاد، وعامّة الناس، بل وقادة الشعوب. وكعادته، لم يقف عند سرد الأحداث، بل استخرج منها الدروس والعِبَر، وربطها بواجب العبودية، فحثّ على اللجوء إلى الله، والإلحاح في الدعاء، والانكسار بين يديه.

وبعد الدرس تقدّمتُ فسلّمتُ عليه، فإذا به مهيبُ الطلعة، يشرق وجهه بأنوار الإيمان. طلبتُ منه أن يدعو لي، فقال برفق المعلّم: ادعُ لنفسك، وما الذي يمنعك أن تُلحّ على الله في دعائك؟ فكانت كلماته درسًا جامعًا في التربية والعلم، ونصحًا عميقًا يُعيد توجيه القلب إلى الاعتماد على الله وحده في الحوائج والدعوات والتضرّع.

ولما كنتُ في المدينة، كان يدرّس في القصيم، وقد ذاعت سلاسله العلمية وانتشرت فتاواه. وكان – رحمه الله – معروفًا بمنهجه في التيسير على العامة، يقرّب لهم مسائل الدين، ويأخذ بأيديهم برفقٍ إلى الفهم الصحيح، كما كان حليمًا مع الشباب، يوجّه اندفاعهم ويهديهم إلى جادّة الصواب، ويغرس فيهم سلوك الطريق الوسط بالحكمة والموعظة الحسنة.

وقد زرتُ القصيم، ونزلتُ بين طلاب العلم الملازمين له، فحدّثونا عن عنايته بهم؛ إذ أهداه الملك خالد بن عبد العزيز – رحمه الله – عمارةً، فجعلها وقفًا لسكن طلابه مجاناً، وافتتح لهم مطعماً، وخصّص من يقوم على إعداد طعامهم، وهيّأ لهم مكتبةً للكتب وأخرى للأشرطة، في صورةٍ نادرةٍ تجمع بين رعاية العلم وخدمة طلابه.

كانت حياتُه المعيشيّة مثالًا ناصعًا في البساطة، بعيدةً كلَّ البعد عن مظاهر التكلّف والتصنّع؛ فقد عاش زاهدًا في الدنيا، قانعًا بما آتاه الله، قضى معظم عمره في بيتٍ من طين، ولم يُعرف عنه الترف في ملبسٍ أو مركب، فلا هو لبس الفاخر من الثياب، ولا ركن إلى السيارات الفارهة، بل كان التواضع خُلُقه الدائم في صغير شأنه وكبيره. ومع ذلك، أو لعلّ بسبب ذلك، نال محبّة الناس على اختلاف طبقاتهم: من الصغار والكبار، والأغنياء والفقراء، وطلبة العلم من المواطنين والوافدين، فكان يعامل الجميع بروحٍ واحدة، لا يميّز بينهم إلا بالحق.

ومن لطيف ما يُروى عنه، أنّه ركب يومًا سيارة أجرة من مكة المكرمة بعد الصلاة في الحرم، قاصدًا وجهةً معيّنة، فدار بينه وبين السائق حديثٌ في بعض المسائل الشرعية، وكان السائق أعرابيًّا يُجيب على سجيّته. فسأله:
من الشيخ؟

فأجابه بهدوء: أنا محمد بن عثيمين.

فاستغرب السائق وقال متعجّبًا: الشيخ؟

فقال: نعم، الشيخ.

فهزّ السائق رأسه متشككًا، كأنّه رأى في ذلك جرأةً على ادّعاء شخصية الشيخ ابن عثيمين.
فأراد الشيخ أن يُلاطفه، فسأله: من الأخ؟

فقال السائق: عبد العزيز بن باز!

فضحك الشيخ، وقال له: أنت الشيخ عبد العزيز بن باز؟

فأجابه السائق: كما أنت الشيخ ابن عثيمين! (من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية، (2/ 935)).

وكان – رحمه الله – في العشر الأواخر من رمضان، بعد صلاة التراويح، يعقد حلقته في المسجد الحرام، تمتدّ أمامه مدّ البصر، فيُلقي درسه، ثم يُفسح المجال لأسئلة الناس، فيجيبهم بصدرٍ رحبٍ وعلمٍ راسخ. وقد انتفع به خلقٌ كثير في العالم الإسلامي خلال القرن الماضي، ونشر الله بعلمه وفقهه وكتبه وأشرطته نوراً عمّ الآفاق، فكانت كالسراج في الظلمات، تهدي الحائرين، وتُبصّر السالكين.

1- نسبه ومولده:

هو صاحب الفضيلة الشيخ العالِم المحقّق، الفقيه المفسّر، الورع الزاهد، محمد بن صالح بن عثيمين، من آل عثيمين من الوهبة من بني تميم. وقد وُلد في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة (1347هـ) في مدينة عنيزة، إحدى محافظات منطقة القصيم في المملكة العربية السعودية.

2- نشأته العلمية:

ألحقه ألحقه والده – رحمه الله تعالى – بحِلَق تعلّم القرآن الكريم في سنٍّ مبكرة، فتلقّى أوّل تعليمه عند جدّه من جهة أمّه، معلم القرآن الشيخ عبد الرحمن بن سليمان الدامغ – رحمه الله تعالى –، ثم تعلّم الكتابة ومبادئ الحساب، واطّلع على شيءٍ من النصوص الأدبية في مدرسة الأستاذ عبد العزيز بن صالح الدامغ – رحمه الله تعالى –، قبل أن ينتقل إلى مدرسة الشيخ علي بن عبد الله الشحيتان – رحمه الله تعالى –، حيث أتمّ حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ولمّا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره.

وبتوجيهٍ من والده – رحمه الله تعالى –، اتجه إلى طلب العلم الشرعي، فالتحق بحِلَق العلم في الجامع الكبير بعنيزة، حيث كان العلّامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي يدرّس العلوم الشرعية والعربية، وقد رتّب بعض كبار طلابه لتدريس المبتدئين، فالتحق الشيخ بحلقة الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوّع – رحمه الله تعالى –، فنهل من علوم التوحيد والفقه والنحو.

ثم لازم شيخه العلّامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي – رحمه الله تعالى –، فدرس عليه التفسير والحديث والسيرة النبوية، والتوحيد والفقه وأصوله، والفرائض والنحو، وحفظ مختصرات المتون في هذه العلوم. ويُعدّ الشيخ السعدي شيخه الأول في التكوين العلمي؛ إذ تأثّر به منهجًا وتأصيلًا وطريقةً في التدريس، فضلًا عن عنايته باتّباع الدليل.

كما قرأ على الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان – رحمه الله تعالى – في علم الفرائض حين كان قاضيًا في عنيزة، ودرس على الشيخ عبد الرزاق عفيفي – رحمه الله تعالى – في النحو والبلاغة أثناء إقامته معلّمًا في المدينة.

ولمّا افتُتح المعهد العلمي في الرياض، أشار عليه بعض إخوانه بالالتحاق به، فاستأذن شيخه السعدي – رحمه الله تعالى –، فالتحق به عامي (1372–1373هـ). وقد انتفع خلال دراسته فيه بكوكبةٍ من العلماء، من أبرزهم: العلّامة المفسّر محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ الفقيه عبد العزيز بن ناصر بن رشيد، والشيخ المحدّث عبد الرحمن الإفريقي رحمهم الله تعالى .

وفي أثناء ذلك، اتصل بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، فقرأ عليه في المسجد من صحيح البخاري، ومن رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، وانتفع به في علم الحديث، وفي دراسة آراء فقهاء المذاهب والموازنة بينها. ويُعدّ الشيخ ابن باز شيخه الثاني من حيث التأثّر العلمي والمنهجي.

ثم عاد إلى عنيزة عام (1374هـ)، فواصل طلب العلم على شيخه السعدي، إلى جانب دراسته الانتسابية في كلية الشريعة بالرياض – التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية – حتى نال الشهادة العالية.

3- تدريسه:

توسّم فيه شيخه العلّامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي النجابةَ وسرعةَ التحصيل، فرأى فيه ملامحَ العالِم قبل اكتمال أدواته، فشجّعه على التدريس وهو لا يزال طالبًا في حلقته؛ فبدأ التدريس عام (1370هـ) في الجامع الكبير بعنيزة، وكانت تلك بداية مسيرةٍ علميّةٍ مباركة.

ولمّا تخرّج في المعهد العلمي بالرياض، عُيّن مدرسًا في المعهد العلمي بعنيزة عام (1374هـ)، فجمع بين التعلّم والتعليم في آنٍ واحد. وفي سنة (1376هـ) تُوفّي شيخه السعدي – رحمه الله تعالى –، فتسلّم من بعده إمامة الجامع الكبير في عنيزة، وإمامة العيدين، كما تولّى التدريس في مكتبة عنيزة الوطنية التابعة للجامع، وهي التي أسّسها شيخه عام (1359هـ).

ومع تزايد أعداد الطلبة، وضيق المكتبة عن استيعابهم، انتقل – رحمه الله – إلى التدريس في المسجد الجامع نفسه، فاجتمع إليه الطلاب، وتوافدوا من داخل المملكة وخارجها، حتى غصّت حلقاته بالمئات في بعض الدروس، وكانوا يدرسون دراسةً جادّةً قائمةً على التحصيل والفهم، لا مجرّد الاستماع العابر. وظلّ على هذه الحال إمامًا وخطيبًا ومعلّمًا حتى وفاته – رحمه الله تعالى –.

وقد استمرّ في التدريس بالمعهد العلمي من عام (1374هـ) إلى (1398هـ)، ثم انتقل إلى التدريس في كلية الشريعة وأصول الدين في القصيم، التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وبقي أستاذًا فيها حتى وفاته. كما كان له حضورٌ علميٌّ ممتدّ في المسجد الحرام والمسجد النبوي، حيث درّس فيهما في مواسم الحج ورمضان والإجازات الصيفية منذ عام (1402هـ) إلى أن لقي ربّه.

وكان – رحمه الله – صاحب أسلوبٍ تعليميٍّ فريد، يجمع بين عمق العلم وحسن العرض؛ يناقش طلابه، ويتقبّل أسئلتهم، ويقرّب لهم المسائل، ويلقي دروسه ومحاضراته بهمةٍ عالية، ونفسٍ مطمئنةٍ واثقة، مفعمًا بالفرح وهو يرى العلم ينتشر بين الناس.

4- آثاره العلمية:

امتدّ عطاؤه العلمي أكثر من خمسين عامًا، أفنى خلالها عمره في نشر العلم، والتدريس، والوعظ، والإرشاد، والتوجيه، وإلقاء المحاضرات، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. وقد أولى التأليف عنايةً كبيرة، فحرّر الفتاوى والأجوبة تحريرًا علميًّا رصينًا، وخلّف عشرات الكتب والرسائل، إلى جانب المحاضرات والخطب واللقاءات والمقالات.

كما خلّف إرثًا صوتيًّا ضخمًا، يضمّ آلاف الساعات المسجّلة لدروسه ومحاضراته وبرامجه الإذاعية، تناولت تفسير القرآن الكريم، وشرح الحديث الشريف، والسيرة النبوية، والمتون العلمية في مختلف العلوم الشرعية والنحوية.

وانطلاقًا من منهجه في ضبط نشر العلم، وضَع – رحمه الله – قواعدَ وتوجيهاتٍ دقيقةً لإخراج آثاره، فنهضت مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية بهذه المهمة، فتولت جمع تراثه العلمي وتحقيقه ونشره. وكما أُنشئ له موقعٌ إلكترونيٌّ خاص، ليكون نافذةً مفتوحةً تتيح للناس الانتفاع بعلومه، وتيسّر الوصول إلى مؤلفاته وتسجيلاته، تحقيقًا لرسالته في نشر العلم وتقريبه إلى الأم.

5- أعماله وجهوده الأخرى:

إلى جانب تلك الجهود المثمرة في مجالات التدريس والتأليف والإمامة والخطابة والإفتاء والدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- كان لفضيلة الشيخ أعمال كثيرة موفقة منها:

-عضوًا في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، من عام (1407ﻫ) حتى وفاته.

-عضوًا في المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، في العامين الدراسيين (1398-1400ﻫ).

-عضوًا في مجلس كلية الشريعة وأصول الدين، بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في القصيم، ورئيسًا لقسم العقيدة فيها.

-وفي آخر فترة تدريسه بالمعهد العلمي شارك في عضوية لجنة الخطط والمناهج للمعاهد العلمية, وألف عددًا من الكتب المقررة فيها.

-عضـوًا في لجنة التوعية في موسـم الحج، من عـام (1392ﻫ) حتى وفـاته -رحمه الله تعالى-، حيث كان يلقي دروسًا ومحاضرات في مكة والمشاعر, ويفتي في المسائل والأحكام الشرعية.

ترأس جمعية تحفيظ القرآن الكريم الخيرية في عنيزة منذ تأسيسها عام (1405ﻫ) حتى وفاته.

-ألقى محاضرات عديدةً داخل المملكة العربية السعودية على فئات متنوعة من الناس, كما ألقى محاضرات عبر الهاتف على تجمعات ومراكز إسلامية في جهات مختلفة من العالم.

-من علماء المملكة الكبار الذين يجيبون على أسئلة المستفسرين عن الأحكام والمسائل؛ عقيدةً وشريعةً وسلوكًا، وذلك عبر البرامج الإذاعية في المملكة العربية السعودية، وأشهرها برنامج (نور على الدرب) من إذاعة القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية.

-نذر نفسه للإجابة على أسئلة السائلين؛ مهاتفةً ومكاتبةً ومشافهةً.

-رتب لقاءات علميةً مجدولةً, أسبوعيةً وشهريةً وسنويةً.

-شارك في العديد من المؤتمرات التي عقدت في المملكة العربية السعودية.

ولأنه يهتم بالسلوك التربوي والجانب الوعظي اعتنى بتوجيه الطلاب وإرشادهم إلى سلوك المنهج الجاد في طلب العلم وتحصيله, وعمل على استقطابهم والصبر على تعليمهم وتحمل أسئلتهم الكثيرة المتنوعة, والاهتمام بأمورهم.

وللشيخ -رحمه الله تعالى- أعمال عديدة في ميادين الخير وأبواب البر ومجالات الإحسان إلى الناس, والسعي في حوائجهم وكتابة الوثائق والعقود بينهم, وإسداء النصيحة ل‍هم بصدق وإخلاص.

6- مكانته العلمية:

يعد فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى- من الراسخين في العلم الذين وهبهم الله -بمنه وكرمه- تأصيلًا وملكةً عظيمةً في معرفة الدليل واتباعه واستنباط الأحكام والفوائد من الكتاب والسنة, وسبر أغوار اللغة العربية معاني وإعرابًا وبلاغةً.

ول‍ما تحلى به من صفات العلماء الجليلة، وأخلاقهم الحميدة، والجمع بين العلم والعمل؛ أحبه الناس محبةً عظيمةً, وقدره الجميع كل التقدير, ورزقه الله القبول لديهم، واطمأنوا لاختياراته الفقهية, وأقبلوا على دروسه وفتاواه وآثاره العلمية, ينهلون من معين علمه، ويستفيدون من نصحه ومواعظه.

وقد منح جائزة الملك فيصل -رحمه الله تعالى- العالمية لخدمة الإسلام عام (1414ﻫ).

7- وفاته:

توفي – رحمه الله تعالى – في مدينة جدة، قبيل مغرب يوم الأربعاء15/10/1421ه، الموافق 10/ 1/2001م. ودفن في مقبرة العدل بمكة المكرمة، وصلي عليه في الحرم المكّي رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

المراجع:

  • علماء نجد خلال ثمانية قرون، عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام، دار العاصمة، الرياض، ط1، 1398ه، (3/ 218- 273).
  • روضة الناظرين عن مأثر علماء نجد وحوادث السنين، محمد بن عثمان القاضي، ط2، 1403ه- 1983م، (1/219).

 

The post الشيخ العَلامة محمد صالح بن عثيمين (رحمه الله): عالم ربانيّ في التربية والدعوة والتأصيل appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

four × 5 =

Check Also

نظريات المؤامرة تتجدد .. هل محاولة اغتيال ترامب الثالثة “مُدبّرة”؟

منذ وقوع إطلاق النار في حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض السبت، تجتاح موجة من المعلومات …