Home الصحافة المغربية الطفل والخمر.. بين الغضب من الجريمة والصمت عن أسبابها؟

الطفل والخمر.. بين الغضب من الجريمة والصمت عن أسبابها؟

الطفل والخمر.. بين الغضب من الجريمة والصمت عن أسبابها؟

الطفل والخمر.. بين الغضب من الجريمة والصمت عن أسبابها؟ هوية بريس – حكيم بلعربي أثارت واقعة إجبار طفل قاصر على تناول الخمر، كما وثقها شريط متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، موجة استنكار واسعة داخل المجتمع المغربي؛ لما تحمله من قسوة واستهتار ببراءة الطفولة وكرامة الإنسان. وقد كان من الإيجابي والمسؤول أن تتحرك النيابة العامة بسرعة لفتح تحقيق ومتابعة المتورطين، كما يُثمن الرأي العام المجهودات الأمنية التي أفضت إلى توقيف أحد المشتبه فيهم ومواصلة البحث عن باقي المشاركين في هذه الجريمة. غير أن هذه الواقعة، على بشاعتها، تفرض سؤالا أعمق من مجرد البحث عن الفاعلين المباشرين: كيف وصلنا إلى مرحلة يُنظر فيها إلى الخمر باعتبارها أمرا عاديا يمكن أن تُقدَّم حتى لطفل وسط الضحك والاستهزاء والتصوير؟ لقد كان موقف الإسلام من الخمر واضحا لا لبس فيه، إذ وصفها الله تعالى بأنها من عمل الشيطان، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ولم يكتف الشرع بتحريم شربها، بل لعن النبي صلى الله عليه وسلم كل من أعان على تداولها وترويجها وحملها وبيعها وشرائها؛ لأن الإسلام لا ينظر إلى الخمر باعتبارها مجرد معصية فردية، بل باعتبارها آفة اجتماعية تهدد الدين والعقل والنفس والأسرة والأمن العام. ولهذا أجمع العلماء على أن شرب الخمر من الكبائر، لما يترتب عليه من ضياع العقول، وفساد الأخلاق، ووقوع الجرائم والحوادث والاعتداءات التي يشهد الواقع بآثارها المدمرة. وما حادثة الطفل إلا صورة صادمة من صور هذا الانحراف حين تتحول الجلسات الخمرية إلى فضاء لتطبيع المنكر والاستهزاء بالقيم الإنسانية والدينية. إن من أخطر ما نواجهه اليوم ليس وجود الخمر فقط، بل حالة التساهل المتزايد معها في كثير من الأوساط؛ حيث تُقدَّم أحيانا باعتبارها رمزا للتحضر أو الحرية الشخصية، بينما تؤكد الوقائع اليومية أنها سبب مباشر أو غير مباشر في كثير من المآسي الأسرية والاجتماعية والصحية والأمنية وسبب للعديد من الجرائم التي تمس الأموال والأعراض والأنفس فضلا عن العقل الذي تذهب به والدين الذي تفسده ومن حق المغاربة أن يتساءلوا: كيف يستقيم أن يكون الإسلام دين الدولة بنص الدستور، وأن تُبذل في الوقت نفسه جهود كبيرة لمحاربة آثار الخمر وانحرافاتها، بينما يستمر التوسع في مظاهر تسويقها وترويجها؟ وكيف يمكن حماية الأجيال الصاعدة من آفة المسكرات إذا كانت هذه المواد متاحة ومنتشرة إلى هذا الحد؟ إن المطالبة بمنع بيع الخمور للمسلمين ليست مطلبا متطرفا ولا خارجا عن القانون كما يزعم بعضهم، بل هي دعوة إلى احترام المقتضيات القانونية القائمة أصلا، وإلى تفعيلها بصرامة وعدالة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحماية الأطفال والقاصرين وصيانة النظام العام الأخلاقي للمجتمع. كما أن من واجب المؤسسات التربوية والإعلامية والدعوية والمدنية أن تسهم في ترسيخ الوعي بخطورة الخمر، لا أن تسهم ـ بقصد أو بغير قصد ـ في تزيين صورتها أو التهوين من أضرارها. إن تثمين تحرك النيابة العامة والأجهزة الأمنية في هذه القضية أمر واجب، لكنه ينبغي أن يكون بداية لنقاش مجتمعي أوسع حول حماية الأطفال من كل أشكال الاستغلال والإفساد، وحول مسؤولية الجميع في مواجهة ثقافة الاستهانة بالمسكرات. فمحاسبة من أجبر طفلا على شرب الخمر واجب قانوني وأخلاقي، لكن الواجب الأكبر هو العمل على ألا يجد أمثال هؤلاء بيئة تعتبر الخمر أمرا عاديا أو سلوكا مقبولا. إن المجتمع الذي يريد حماية أطفاله حقا لا يكتفي بمعاقبة المعتدين بعد وقوع الجريمة، بل يسعى إلى تجفيف منابع الفساد قبل أن تتحول إلى مآس جديدة. والخمر كانت وستظل من أخطر تلك المنابع التي حذر منها الشرع، وأثبت الواقع صدق التحذير منها جيلا بعد جيل. The post الطفل والخمر.. بين الغضب من الجريمة والصمت عن أسبابها؟ appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

fifteen − ten =

Check Also

المنتدى البرلماني الدولي: السياسات المنصفة رهان بناء مجتمعات أكثر صمودا

زنقة20ا الرباط تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس انطلقت يوم الإثنين 09 ف…