الغائب الأكبر في جلسة الافتتاح

الغائب الأكبر في جلسة الافتتاح هوية بريس – عثمان باقة اعتادت مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين تنظيم وقفاتها التضامنية والاحتجاجية مع الشعب الفلسطيني، الذي يواجه القتل والتدمير أمام أنظار العالم، كل يوم جمعة أمام مبنى البرلمان المغربي، باستثناء أيام الجمعة التي يتزامن فيها الموعد مع افتتاح البرلمان، أو حين تفرض ظروف خاصة تغيير موعد الوقفة. كما تحرص المجموعة على إحياء ذكرى السابع من أكتوبر، باعتبارها مناسبة لاستحضار القضية الفلسطينية والتعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني. وفي هذا السياق، نظمت مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين والجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، يوم الأربعاء 7 أكتوبر، وقفة مشتركة للتنديد بالإبادة الجارية في غزة، وبسياسات التجويع والقتل الممنهج التي يتعرض لها سكان القطاع. وقد عرفت الوقفة حضورا شعبيا لافتا، تفاعل خلاله المشاركون مع الشعارات وانخرطوا بوعي ومسؤولية في مختلف أشكال التعبير الاحتجاجي، كما واكبها حضور إعلامي دولي، إلى جانب عدد من المنابر الوطنية التي اعتادت تغطية هذه الفعاليات. أما يوم الجمعة 9 أكتوبر، فقد صادف موعد افتتاح البرلمان المغربي، وهي مناسبة دستورية وسياسية بارزة يلقي خلالها الملك خطابا رسميا تتضمن رسائله أبعادا داخلية وخارجية. وقبل البث المباشر للخطاب الملكي، تنقلت بين عدد من القنوات العربية والدولية لمتابعة أبرز الأحداث الجارية، فكانت فلسطين حاضرة بقوة، سواء من خلال تطورات المأساة في غزة أو من خلال أشكال التضامن الشعبي معها في مختلف أنحاء العالم. كما استأثرت ملفات أخرى بالاهتمام، من مضيق هرمز وباب المندب إلى الحرب بين روسيا وأوكرانيا او بين اليمن والسعودية وما يجري في لبنان، فضلا عن المواقف والتصريحات المثيرة للجدل للرئيس الأميركي دونالد ترامب. ومع اقتراب موعد افتتاح البرلمان، عدت من متابعة هذه الملفات الدولية إلى الشأن الوطني، مترقبا ما ستكشف عنه هذه اللحظة السياسية من رسائل ومواقف، وما يمكن أن تحمله صورتها الرسمية من دلالات تتجاوز حدود المراسم المعتادة. لكن ما استوقفني، وأنا أنتقل من متابعة هذه المشاهد إلى متابعة افتتاح البرلمان المغربي، لم يكن مجرد اختلاف الموضوعات بين الشاشات، بل المفارقة التي تختزلها هذه اللحظة: فلسطين التي تملأ نشرات الأخبار، وتحضر في الشوارع والساحات والبرلمانات في بلدان مختلفة من العالم، هل كان لها أن تحضر، ولو برمز صغير، في مشهد افتتاح مؤسستنا التشريعية؟ هل كان من الممكن أن نرى نائبا أو نائبة يضع الكوفية الفلسطينية وشاحا على صدره أو صدرها، فيعبر، من داخل البرلمان، عن تضامن لا يحتاج إلى خطاب ولا إلى احتجاج، بل تكفيه إشارة رمزية هادئة؟ من هنا بدأت فكرة التي انتجت هذا المقال: لم أكن أنتظر أن يتحول افتتاح البرلمان إلى وقفة احتجاجية، ولا أن تعطل مراسمه، بل كنت أتمنى أن تحمل صورته الرسمية إشارة إنسانية إلى شعب يتعرض لهذه المأساة. فبين فلسطين التي كانت حاضرة بقوة على الشاشات، والافتتاح الذي استأثر باهتمامنا الوطني، ظل سؤال بسيط يلح علي: لماذا لا تجد هذه القضية، بما تمثله من وجع إنساني ومسؤولية أخلاقية، طريقها إلى مشهد الافتتاح، ولو من خلال كوفية فلسطينية؟ هذه هي الفكرة الرئيسية للمقال، جد بسيطة لكنها انتجت أفكارا وتصورات. أعود لأقول بأنني كنت أتمنى، وأنا أتابع افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الجديدة، أن أرى برلمانيا أو برلمانية يدخل قاعة البرلمان واضعا الكوفية الفلسطينية وشاحا على صدره أو صدرها. تمنيت أن يحدث ذلك في لحظة افتتاح البرلمان بالذات، لا في الشارع، ولا في تجمع احتجاجي، ولا في نشاط حزبي أو نقابي؛ لأن للمكان رمزيته، وللمناسبة دلالتها، وللرسالة التي يمكن أن يحملها هذا المشهد وقعا خاصا. لم يكن الأمر يتعلق بانتظار خطاب سياسي إضافي، أو بمطالبة أحد البرلمانيين بالدخول في مواجهة مع المسؤولين عن الجلسة الافتتاحية، أو بتعطيل أشغال المؤسسة التشريعية. أتحدث عن إشارة رمزية هادئة، صامتة لا تحتاج إلى ميكروفون ولا إلى منصة، لكنها تستطيع أن تقول الكثير: أن فلسطين حاضرة في ضمير المغاربة، وأن ما يتعرض له شعبها لا يمكن أن يتحول إلى خبر عابر أو مشهد مألوف نفقد، مع تكراره، القدرة على التأثر به. إن افتتاح البرلمان الذي يصادف اول جلسة لمجلس النواب المنتخب حديثا، والذي لم يبلغ عمره شهرا بعد، ليس مجرد إجراء دستوري أو مناسبة بروتوكولية تتكرر كل سنة. إنه لحظة سياسية تحظى بمتابعة وطنية ودولية واسعة، تختزل في صورتها معاني التمثيل والمؤسسات والشرعية السياسية، ولذلك، فإن اختيار هذه اللحظة للتعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني كان سيمنح الكوفية دلالة تتجاوز مجرد ارتدائها؛ إذ كان سيضع القضية الفلسطينية في قلب مشهد مؤسساتي وطني، ويوجه رسالة مفادها أن الانشغال بالشأن الداخلي لا يلغي المسؤولية الأخلاقية تجاه ما يجري خارج الحدود، ولا سيما حين يتعلق الأمر بشعب يتعرض للقتل والتدمير وانتهاك حقوقه الأساسية. قد يقول قائل إن ارتداء الكوفية الفلسطينية داخل البرلمان، وخصوصا خلال الجلسة الافتتاحية، قد يتعارض مع البروتوكول، وهو رأي يستحق أن يناقش، لا أن يقبل باعتباره حقيقة نهائية من دون تحديد أساسه. فالسؤال هنا ليس ما إذا كان البروتوكول مهما؛ اذ لا شك في أهمية احترام القواعد المنظمة لأشغال المؤسسة التشريعية ومراسيمها. بل السؤال هو: ما المقتضى المحدد الذي يمكن أن يمنع ارتداء الكوفية؟ هل يتعلق الأمر بنص صريح في النظام الداخلي لمجلس النواب أو مجلس المستشارين؟ أم بقاعدة تنظيمية أخرى؟ أم بعرف مستقر؟ أم بمجرد تقدير شخصي لما ينبغي أن يكون عليه المظهر المناسب داخل الجلسة الافتتاحية؟ إن التمييز بين هذه الاحتمالات ضروري، فلا يصح الجزم بوجود منع بروتوكولي من دون الاستناد إلى مقتضى محدد، كما لا يصح، في المقابل، اعتبار غياب نص صريح بالمنع دليلا كافيا، بمفرده، على أن كل تعبير رمزي مسموح به في جميع الظروف، المطلوب هو معرفة القاعدة المعمول بها فعلا، وحدودها، وكيفية تطبيقها. ومن هنا يبرز سؤال أعتبره جوهريا: هل حاول أحد البرلمانيين أو إحدى البرلمانيات ارتداء الكوفية الفلسطينية وشاحا على صدره أو صدرها خلال الجلسة الافتتاحية، فمنع من ذلك استنادا إلى مقتضى بروتوكولي محدد؟ أم أن الفكرة لم تخطر أصلا على بال أحد؟ قد يبدو السؤال بسيطا، لكنه يقودنا إلى احتمالين مختلفين تماما، فإذا كانت هناك قاعدة واضحة تمنع هذا التعبير، أمكن مناقشة القاعدة نفسها، ومدى ضرورتها وتناسبها مع طبيعة المؤسسة التشريعية وحرية التعبير داخلها. أما إذا لم تقع محاولة أصلا، ولم يصدر منع عن أي جهة، فإن السؤال يصبح أكثر عمقا: فهل نحن أمام بروتوكول يمنع، أم أمام رقابة ذاتية تسبق المنع؟ أم يمنعنا تصورنا عنه؟ لا أطرح هذا السؤال باعتباره اتهاما لأي برلماني أو برلمانية، ولا أملك ما يبرر الجزم بأن أحدا تعرض لضغط أو تلقى تعليمات في هذا الشأن، إنما أطرحه بوصفه سؤالا سياسيا مشروعا عن الحدود التي نرسمها لأنفسنا، أحيانا، قبل أن يرسمها لنا الآخرون. إن ظاهرة الرقابة الذاتية تستحق أن نتوقف عندها، لأنها لا تتعلق بالبرلمان وحده، بل بآليات أوسع تؤثر في سلوك الأفراد والمؤسسات. فقد لا يحتاج المرء دائما إلى أمر مباشر أو منع صريح حتى يتراجع عن التعبير عن موقفه؛ يكفي أحيانا أن يتوقع الرفض، أو أن يستحضر ما يعتقد أنه مقبول وما يعتقد أنه غير مقبول، ف”يضبط” سلوكه مسبقا، وهذا الامر عشناه اثناء الحملة الانتخابية رأينا بأم أعيننا كيف وضع الكثيرون أسقفا زجاجية لخطاباتهم، وتفادوا الخوض في قضايا مهمة تفاديا لكل ما من شأنه ان “يعكر صفو الأجواء الانتخابية”. إذا كان الأمر يتعلق برقابة ذاتية، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة وعمقا؛ لأننا لن نكون أمام منع صادر عن جهة محددة، يمكن مساءلتها عن سنده ومبرراته، بل أمام أثر أكثر خفاء: أن تصبح السلطة (بكل أنواعها واشكالها ومجالاتها) حاضرة في وعينا حتى عندما لا تتدخل مباشرة، وأن نستبق رغباتها المفترضة، فنمتنع عن أفعال لم يطلب منا أحد الامتناع عنها. وهنا يمكن استحضار جوليا كريستيفا، وما تتيحه أعمالها في السيميائيات وتحليل الخطاب من إمكانات لفهم أثر الأنساق الثقافية والخطابات في تشكيل الوعي. ويمكن، في هذا السياق، توظيف فكرة تأثير النص الكبير الذي نعيش فيه، بوصف هذه الفكرة مدخلا تحليليا لفهم مجموع الخطابات والرموز والتمثلات التي تحيط بنا وتؤثر في طرائق تفكيرنا وسلوكنا. فحين نسقط هذا المدخل على الحالة المغربية، يمكننا أن نتساءل كيف يتسلل نمط اشتغال السلطة إلى التفكير والسلوك اليوميين، وكيف يتحول، بفعل التكرار والتطبيع، إلى مرجع ضمني يحدد ما نجرؤ على فعله وما نفضل تجنبه، اكيد ان التربية مسؤولة. وهنا تكتسب كلمة “التمخزن” دلالتها النقدية الأعمق: ليس فقط التقرب من السلطة (كيفما كانت السلطة) أو طلب رضاها، بل احتمال أن يتشرب الفاعل السياسي منطقها إلى درجة يصبح معها رقيبا على نفسه، وأن يقيس خطواته سلفا بميزان ما يتوقع أن تقبله السلطة أو ترفضه. وعندئذ لا يعود السؤال: من منع البرلماني أو البرلمانية من وضع الكوفية الفلسطينية؟ بل يصبح: هل بلغ تأثير هذا النمط من السلطة في وعينا حدا يجعلنا نستبعد المبادرة قبل أن نفكر فيها، ونتجنب المواجهة قبل أن تقع، ونمارس المنع على أنفسنا نيابة عن جهة لم تصدر أي منع؟ إننا، في هذه الحالة، نكون إزاء شكل من أشكال الاستبطان السياسي للسلطة؛ أي انتقال بعض حدودها من المجال الخارجي إلى مجال الرقابة الذاتية. وليس معنى ذلك أن كل امتناع دليل على الخضوع، أو أن كل احتياط بروتوكولي تمخزن؛ فقد تكون للاعتبارات القانونية والمؤسسية أسبابها المشروعة. لكن الأمر يستحق المساءلة حين يتحول الاحتياط إلى قاعدة غير معلنة، وحين يصبح تجنب الإحراج مقدما على المبادرة، والخشية من ردود الفعل بديلا عن التفكير في مشروعية الفعل ودلالته. ولعل المثل العربي يلخص هذه الآلية ببلاغة لافتة: “كم حاجة قضيناها بتركها”. وهي حكمة قد تكون مناسبة في تدبير بعض شؤون الحياة، لكنها تصبح إشكالية حين تتحول إلى قاعدة للسلوك السياسي، فيترك الفعل لا لأنه غير مشروع أو غير ممكن، بل لأن تركه يبدو أقل كلفة من الإقدام عليه. فليس كل ما نتجنب فعله حكمة، وليس كل صمت دليلا على التعقل؛ إذ قد يكون الصمت أحيانا اختيارا واعيا، وقد يكون أحيانا أخرى نتيجة حدود داخلية لم يعد المرء ينتبه إلى أنه رسمها لنفسه. فقد لا يحتاج المنع الأكثر فعالية إلى قرار بالمنع، إذا كان الخوف قد تكفل مسبقا بإنتاج الامتناع. وهذا هو الجانب الأكثر استحقاقا للتأمل في غياب الكوفية عن مشهد افتتاح البرلمان. ليس لأن غيابها يثبت أن أحدا خضع لضغط أو مارس رقابة ذاتية، فنحن لا نملك معطيات تسمح بهذا الجزم، بل لأن هذا الغياب يتيح لنا طرح سؤال أوسع عن العلاقة بين السلطة والمبادرة السياسية، وعن الحدود التي قد يرسمها الأفراد لأنفسهم قبل أن يرسمها لهم أحد. وإذا كان هذا التفسير قابلا للنقاش، فإن أهميته تكمن في أنه يطرح سؤالا يتجاوز واقعة الكوفية: إلى أي حد تستطيع المؤسسات التمثيلية أن تعبر بحرية عن مواقفها، إذا كان بعض الفاعلين فيها يستبقون ردود الفعل المحتملة، ويستبعدون من تلقاء أنفسهم أشكالا من التعبير لمجرد أنها قد تثير الحرج أو الاختلاف؟ لقد أثار جلوس رئيس الحكومة المنتهية ولايته خلال افتتاح البرلمان نقاشا حول البروتوكول، وتداول بعضهم توصيف ما حدث باعتباره إخلالا به، ولا أريد هنا إصدار حكم بشأن تلك الواقعة، أو الجزم بما إذا كانت قد خالفت قاعدة محددة؛ فهذا يتطلب الرجوع إلى المقتضيات المنظمة للمراسم وتحديد ما جرى على وجه الدقة. لكن المقارنة تطرح سؤالا يستحق التأمل: لماذا تستأثر بعض التفاصيل المرتبطة بالجلوس والوقوف والمظهر والحركات البروتوكولية بهذا القدر من الانتباه، في حين لا تحضر بالقدر نفسه إمكانية التعبير عن التضامن مع شعب يتعرض لمأساة إنسانية هائلة؟ لا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين احترام المراسيم والتضامن مع فلسطين، وكأن علينا الاختيار بينهما، بل يتعلق بإمكان التوفيق بين مقتضيات المؤسسة ورسالتها السياسية والأخلاقية. فالبرلمان ليس فضاء محايدا من حيث المعنى؛ إنه مؤسسة تمثيلية، وأعضاؤه ليسوا مجرد مشاركين في مراسم رسمية، بل منتخبون يفترض أنهم يحملون إلى المؤسسة انشغالات المجتمع وتطلعاته وقيمه. ومن ثم، فإن ارتداء الكوفية الفلسطينية، لا ينبغي أن يختزل تلقائيا في كونه خروجا على الوقار المؤسسي أو محاولة لاستعراض موقف سياسي. فالرموز جزء من لغة السياسة، وقد تحمل أحيانا ما تعجز عنه الخطب المطولة، والكوفية الفلسطينية، على وجه الخصوص، ليست مجرد قطعة قماش؛ إنها رمز لهوية وطنية ونضال من أجل الحرية، وقد أصبحت أيضا علامة تضامن مع شعب يواجه الاحتلال والاقتلاع والدمار. ولا يعني ذلك أن كل رمز ينبغي أن يسمح به بلا ضوابط، أو أن المؤسسة التشريعية يجب أن تتحول إلى فضاء للمزايدات. المقصود هو أن تناقش القواعد بوضوح، وأن يميز بين ما يمنعه نص محدد وما يستبعد فقط بسبب تصورات مسبقة عن المقبول وغير المقبول. فاحترام المؤسسة لا يتعارض بالضرورة مع التعبير عن موقف أخلاقي، كما أن الانضباط البروتوكولي لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإفراغ الفضاء السياسي من رمزيته الإنسانية. وما حز في نفسي، في نهاية المطاف، ليس مجرد غياب الكوفية الفلسطينية عن مشهد افتتاح البرلمان، بل ما يحدث في غزة، وما يفرضه علينا، بوصفنا بشرا، من مسؤولية أخلاقية تجاه شعب يتعرض لهذه المأساة. لقد صرحت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الأممية الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بأن القنابل التي استهدفت غزة تعادل قوتها التدميرية قوة ست قنابل نووية. وأيا تكن طريقة احتساب هذه المقارنة وحدودها، فإنها تعبر عن حجم الدمار الذي تتحدث عنه المقررة الأممية. أمام هذا الحجم من الدمار والمعاناة، كيف يمكن ألا نشعر بالحاجة إلى التعبير، ولو بأبسط الوسائل، عن تضامننا مع الشعب الفلسطيني؟ وفي الوقت الذي تتواصل فيه هذه المأساة، يواصل المغرب الرسمي علاقاته مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، رغم الرفض الشعبي الواسع للتطبيع وما يثيره من أسئلة سياسية وأخلاقية. وفي هذا السياق تحديدا، لم أكن أنتظر من برلماني أو برلمانية أن يلقي خطابا احتجاجيا، أو أن يعترض على مجريات الجلسة، أو أن يدخل في مواجهة مع أحد؛ كنت أتمنى فقط أن يضع الكوفية الفلسطينية وشاحا على صدره أو صدرها. فذلك، في تقديري، ليس خرقا للبروتوكول، ولا احتجاجا صاخبا، ولا اعتراضا على المؤسسة؛ إنه فعل تضامن إنساني طبيعي، بل هو الحد الأدنى من التعبير عن موقف أخلاقي، بصمت، ومن دون احتجاج أو اعتراض أو حتى كلمة واحدة. إنه وشاح لا يعطل جلسة، ولا يفرض موقفا على أحد، ولا يحتاج إلى منصة أو ميكروفون. لكنه كان قادرا على أن يحمل رسالة واضحة: أن ما يحدث في غزة لا يمكن أن يمر أمام أعيننا من دون أن يترك أثرا في مواقفنا، وأن احترام المراسم الرسمية لا ينبغي أن يحول دون التعبير الهادئ عن التضامن مع شعب يتعرض للقتل والتدمير. ولعل ما يحز في النفس أكثر هو أن نضطر إلى مناقشة ما إذا كان وضع كوفية فلسطينية على الصدر أمرا مسموحا به بروتوكوليا، بينما السؤال الإنساني الذي يسبق كل ذلك هو: كيف نعبر، ولو بأبسط الإشارات، عن تضامننا مع ضحايا هذه المأساة؟ كنت أتمنى أن أرى تلك الكوفية في افتتاح البرلمان؛ لا لتقول كل شيء، بل لتقول، بصمت، إن هناك أشياء لا ينبغي أن نصمت عنها. The post الغائب الأكبر في جلسة الافتتاح appeared first on هوية بريس.
رئيس مجلس المنافسة: رقم 17 مليار درهم كأرباح لشركات المحروقات لا وجود له
هبة بريس أكد أحمد رحو، أن ما تم ترويجه من كون أرباح شركات المحروقات على المستوى الوطني بلغ…