الغاشي: الفلسطينيون كانوا يرون في المغربي شخصية قريبة منهم في الهوية والثقافة أكثر من باقي الشعوب العربية

أكد الباحث والأكاديمي مصطفى الغاشي، خلال مداخلته في لقاء “الرحلات المغربية: 20 قرنا من الاستكشاف” ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، الأحد 10 ماي 2026 بالرباط، أن أدب الرحلة يشكل أحد أهم المكونات الثقافية في الهوية المغربية، معتبراً أن المغاربة “شعب شغوف بالرحلة منذ كان ابن بطوطة وحتى ما بعد ابن بطوطة”، وأن النصوص الرحلية المغربية لا تمثل مجرد سرد لأسفار أو تنقلات، بل تعد “مدونات ثقافية وحضارية” تكشف علاقة المغاربة بالعالم وبالآخر، وتنقل صورة الذات المغربية عبر قرون طويلة من التفاعل مع الشعوب والثقافات المختلفة. وأشار الغاشي إلى أنه اشتغل لسنوات طويلة على النصوص الرحلية المغربية، منذ فترة إعداده للدكتوراه في فرنسا حول الرحلات الفرنسية إلى العالم العربي، قبل أن يكتشف، بعد عودته إلى المغرب واشتغاله بالجامعة، أن “النصوص الرحلية ليست بالشيء البعيد وإنما هي القريب”، مضيفاً: “اكتشفت أنني ثقافياً سليل ابن بطوطة، وأن هذا الموروث موجود في لا شعور ثقافتنا المغربية”. وأشار المتحدث إلى أن علاقته بأدب الرحلة تعمقت أيضاً بفضل الباحث الراحل عبد الله المرابط الترغي، الذي وصفه بـ”الموجه الأساسي” نحو التراث المخطوط المغربي، قائلاً إن هذا الأخير فتح أمامه أبواب عدد كبير من النصوص الرحلية المخطوطة التي ظلت مجهولة أو غير محققة. عودة إلى المخطوطات الأصلية وأضاف أن الاهتمام بابن بطوطة، رغم أهميته العالمية، لا ينبغي أن يحجب بقية الرحالة المغاربة الذين تركوا نصوصاً لا تقل قيمة، موضحاً أن “ابن بطوطة اكتشف العالم وعرّف بالذات المغربية من خلال العالم”، حتى أصبح اسم المغرب يقترن باسمه في مختلف الثقافات العالمية، غير أن المغاربة، بحسب تعبيره، “لا يحملون ابن بطوطة معهم ثقافياً وإعلامياً كما ينبغي”. وتوقف الغاشي عند تجربته البحثية المتعلقة بالرحلات المغربية نحو الشرق العثماني، موضحاً أنه اشتغل على أكثر من خمسة وعشرين نصاً رحلياً مخطوطاً، كانت غالبيتها الساحقة غير منشورة، وقال إن جزءاً مهماً من هذه النصوص ظل عرضة للتلف والإهمال بسبب غياب التحقيق العلمي، مشيراً إلى أن كثيراً من الباحثين يتحدثون عن “النصوص” من دون العودة فعلياً إلى المخطوطات الأصلية. وأضاف أن “كل مخطوطة تختلف عن الأخرى، وكل خط يختلف عن صاحبه”، مؤكداً أن الهدف من الاشتغال على هذه النصوص لم يكن “البحث عن الذات فقط”، بل “إنقاذ التراث المغربي وإعادة التعريف بالذات المغربية العارفة بالرحلة والمنفتحة على العالم”. وشدد الغاشي على أن الرحلة المغربية لا يمكن اختزالها في نموذج ابن بطوطة وحده، قائلاً إن هذا الأخير “كان المؤسس”، لكن بعده ظهرت نصوص ورحلات أخرى ذات أهمية كبيرة، خاصة خلال فترات التحولات السياسية الكبرى، سواء في العصر العثماني أو خلال قيام الدولة السعدية، حيث تكاثرت الرحلات المغربية بدوافع متعددة، منها الحج، والدبلوماسية، والتجارة، والتصوف، والبحث المعرفي. وأكد أن هذه النصوص تمثل مادة غنية لفهم تطور نظرة المغاربة إلى العالم وإلى أنفسهم. رحلة محمد داود وفي سياق حديثه عن أهمية التوثيق والتحقيق، اعتبر الغاشي أن “الرحلة يجب أن تكون مدونة”، مضيفاً أن الحديث عن الرحلة دون وجود نصوص محققة ومدققة يبقى ناقصاً، وقال إن عدداً من الباحثين الشباب ساهموا في تحقيق نصوص رحلية مهمة، بينما لا تزال نصوص أخرى تُكتشف إلى اليوم داخل المكتبات المغربية والعربية والأوروبية. كما تحدث الغاشي عن رحلة المؤرخ المغربي محمد داود، التي اعتبرها “تحولاً عميقاً في الكتابة الرحلية المغربية”، موضحاً أن داود كان أول رحالة مغربي يستعمل آلة التصوير خلال رحلته إلى الحج سنة 1935، وأن أهمية الرحلة لا تكمن فقط في بعدها الديني، بل في كونها وثقت بدقة لتحولات سياسية وثقافية كبرى عاشها المشرق العربي في تلك المرحلة. وقال إن داود قضى نحو ستة أشهر متنقلاً بين مصر والحجاز وفلسطين والعراق وسوريا، وقدم وصفاً دقيقاً للأماكن والأحداث التي عايشها. وأشار الغاشي إلى أن داود كان شاهداً على محاولة اغتيال الملك عبد العزيز في الحجاز، حيث حضر الواقعة التي أصيب فيها أحد أبناء الملك، مضيفاً أن الرحالة المغربي استقبل لاحقاً من طرف الملك عبد العزيز وألقى كلمة باسم المغاربة. واعتبر أن هذا التوثيق يقدم “صورة مغربية عن العلاقة بالحجاز وعن حضور المغاربة في المجال الإسلامي”. كما توقف عند وصف داود لاكتشاف النفط في العراق، معتبراً أن أهميته تكمن في كونه “أول مغربي يتحدث عن استخراج النفط والتكنولوجيا المستعملة فيه”، موضحاً أن الرحالة قدم وصفاً تفصيلياً للوسائل التقنية البدائية المستخدمة آنذاك في استخراج النفط، وهو ما يعكس، بحسب الغاشي، “قدرة النص الرحلي المغربي على توثيق التحولات الكبرى في العالم”. الرحالة المغربي وفلسطين وفي حديثه عن فلسطين، قال الغاشي إن رحلة محمد داود تكشف جانباً آخر من الشخصية المغربية، مشيراً إلى أن الرحالة المغربي ساهم في دعم الفلسطينيين خلال فترة الانتداب البريطاني، وواكب النقاشات المتعلقة بمنع بيع الأراضي للمهاجرين اليهود. وأضاف أن داود زار مدارس التلاميذ المغاربة في فلسطين، ووقف على أوضاعهم التعليمية، معتبراً أن هذه الوقائع تظهر “البعد القومي العربي” في الشخصية المغربية، وتعكس قرب المغاربة من الفلسطينيين “في الهوية والشخصية والثقافة”. وأوضح المتحدث أن داود كان، بحسب علمه، “الوحيد الذي وصف بدايات الهجرات اليهودية إلى فلسطين”، كما تمكن من دخول تل أبيب خلال فترة التأسيس، رغم القيود المفروضة آنذاك، وترك وصفاً دقيقاً للمدينة الناشئة وللتحولات التي كانت تعرفها. وأضاف أن الرحالة المغربي كان يُنظر إليه هناك باعتباره “خواجة” بسبب مظهره الأوروبي والأندلسي، وهو ما مكنه من التحرك بحرية نسبية داخل بعض الأوساط. وأكد الغاشي أن نصوص الرحلة المغربية لا تقدم فقط معطيات تاريخية وجغرافية، بل تكشف أيضاً عن صورة المغربي المنفتح على العالم، القادر على الحوار والتعايش والتفاعل مع الثقافات المختلفة، مضيفاً أن محمد داود “قدم صورة لمغربي مناضل من أجل استقلال بلاده، ويحمل وعياً وطنياً وسياسياً”، وفي الوقت نفسه منفتح على الآخر وعلى الثقافات الأخرى. كما شدد الغاشي على أن التراث الرحلي المغربي لا يزال يحتاج إلى مزيد من البحث والتحقيق والتثمين، داعياً إلى تحويل الرحلة المغربية إلى “تراث إنساني عالمي نحتفي به كل سنة”، وعدم الاكتفاء بحصر هذا الإرث في اسم ابن بطوطة فقط، لأن المغرب، بحسب تعبيره، “يملك مدونة رحلية ضخمة ما زلنا إلى اليوم نكتشف نصوصاً جديدة منها”، وهي نصوص تعكس انفتاح المغاربة التاريخي على العالم ومحاولتهم الدائمة لفهم الآخر والتواصل معه.
أرسن فينغر .. الزلزولي هو أفضل جناح أيسر في “الليغا” تخطى فينسيوس وسيكون من نجوم المونديال
أشاد أرسين فينغر محلل كرة القدم في قنوات “بين سبورت” بالأداء المتميز الذي يقدمه الدولي الم…





