«الفتوى المؤسسية» بين خدمة الدين والتوظيف السياسي

«الفتوى المؤسسية» بين خدمة الدين والتوظيف السياسي هوية بريس – متابعات لم تعد الانتقادات الموجهة إلى مشروع «الفتوى المؤسسية» مجرد اختلاف فقهي حول تنظيم الإفتاء، بل باتت تثير أسئلة جوهرية بشأن استقلال المؤسسات الدينية، وحدود العلاقة بين الفتوى والقرار السياسي، وموقع العلماء في منظومة تدبير الشأن الديني، ومدى قدرتهم على التعبير عن المواقف الشرعية دون الخضوع لاعتبارات تتجاوز مقتضيات العلم والاجتهاد. وقد عاد هذا النقاش إلى الواجهة مع تنظيم المجلس العلمي الأعلى بالمغرب، بشراكة مع مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، ملتقى علميا يومي 15 و16 أكتوبر 2026، تحت عنوان «الفتوى المؤسسية رافدا للسلم والتعايش»، احتضنته مدينتا الرباط وسلا، وخصصت أشغاله لموضوعات متعددة، من بينها الاجتهاد الجماعي، وعلاقة الفتوى بالمذهب المالكي ومقاصد الشريعة، والإطار القانوني المنظم للإفتاء، وتحديات العصر الرقمي، فضلا عن استعراض التجربتين المغربية والإماراتية ونماذج من فتاوى المؤسستين. وإذا كانت هذه المحاور تتضمن قضايا علمية وتنظيمية مشروعة، فإن الإشكال الحقيقي، وفق بعد الأكاديميين، لا يكمن في مبدأ تنظيم الفتوى أو تعزيز الاجتهاد الجماعي، وإنما في حدود هذا التنظيم وضماناته، وفي احتمال تحوله من وسيلة لترشيد الاجتهاد إلى آلية لاحتكار التعبير عن الدين وتضييق مساحة الاختلاف العلمي. ويشدد محللون على أن المؤسسة ليست غاية في ذاتها، ولا يكفي أن تكون الفتوى صادرة عن هيئة رسمية حتى تكتسب حصانة من النقد والمراجعة. إذ تظل حجية الفتوى مرتبطة بسلامة استدلالها، وقوة أدلتها، ومراعاتها لأصول الشريعة ومقاصدها، لا بمجرد الصفة المؤسسية للجهة التي أصدرتها. كما أن الاجتهاد الجماعي، على أهميته، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإقصاء الاجتهاد الفردي المؤهل أو التضييق على العلماء والباحثين الذين يعبرون عن آراء مخالفة في إطار علمي مسؤول. وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر حين يقترن تنظيم الإفتاء بعقوبات أو قيود قد تمس حرية التعبير العلمي، وحين ترتبط بالتعايش مع من تلطخت يداه بدماء المسلمين من النساء والأطفال الأبرياء، فمن حق المؤسسات المختصة أن تواجه الفتاوى المضللة، وأن توضح الأحكام الشرعية في القضايا العامة، لكن ليس من المقبول أن يصبح ضبط المجال الإفتائي مدخلا لمصادرة الاختلاف أو إخضاع الاجتهاد لمعيار المطابقة مع الرأي الرسمي، وفرض التعايش مع العدو الذي يصرِّح بأننا لا نصلح إلا أن نكون عبيدا له! وفي هذا السياق تساءل د.محمد عوام “هل نتعايش ونسالم من يعتبرنا عبيدا لهم، حسب تصريح المجرم بن غفير، الذي أمعن تنكيلا وقتلا ونكاية وتعذيبا في الأسرى؟!!! هل يعقل أن ينجر المغرب بتاريخه وأصالته ودولته العريقة وشعبه الأصيل ومؤسساته العتيدة إلى أن يقع في مثل هذا السلوك المشين؟ عن أي سلم نتحدث؟ ومع من؟ مع من لا يخفي استعباده للمغرب والمغاربة، استعباد لخيراتهم، ومقدراتهم ولكافة بلادهم”. ويزداد هذا النقاش حساسية في ظل استمرار المأساة الفلسطينية وما تشهده من قتل ودمار وتجويع وانتهاكات. ففي هذا السياق، يطرح عنوان الملتقى أسئلة مشروعة حول مفهوم السلم والتعايش الذي يراد للفتوى المؤسسية أن تعززه، وحول مدى اقتران هذا الخطاب بالعدالة وحقوق الشعوب ورفض الاحتلال والعدوان. فلا خلاف في أن السلم مقصد شرعي وإنساني، وأن التعايش القائم على العدل والاحترام المتبادل قيمة محمودة، لكن الخلاف يبدأ عندما يتعيَّن علينا أن ننقش سبل المواجهة فستعيض عنها بالبحث عن سبل التعايش، وحين تتحول هذه المفاهيم إلى شعارات عامة تتجاوز أسباب الصراع، أو تختزل مسؤولية الخطاب الديني في الدعوة إلى الاستقرار دون بيان أحكام الظلم والعدوان وحقوق المظلومين، فالسلم الذي ينفصل عن العدل يفقد مضمونه الأخلاقي، والتعايش الذي يتجاهل حقوق الضحايا يتحول إلى خطاب مضلل؛ لا يعالج جذور الظلم. ولا يعني ذلك أن عنوان الملتقى أو محاوره يثبتان في حد ذاتهما تبني موقف سياسي معين، وإنما يفرض السياق الراهن مساءلة الخطاب الإفتائي عن قدرته على الجمع بين الدعوة إلى السلم والقيام بواجب البيان الشرعي تجاه القضايا العادلة. فالمؤسسة الدينية مطالبة بألا تجعل الاستقرار غاية تبرر الصمت عن الظلم، وألا تفصل بين مقتضيات التعايش ووجوب رد العدوان والصائل. أما الحديث عن الإطار القانوني لتنظيم الفتوى، الذي كان من محاور الملتقى، فيستدعي بدوره نقاشا صريحا بشأن طبيعة الصلاحيات الممنوحة للمؤسسات الرسمية، والضمانات الكفيلة بمنع تحول التنظيم إلى احتكار. فالقانون ينبغي أن يحدد الاختصاصات ويحمي المجتمع من الممارسات الضارة، لا أن يتحول إلى وسيلة لتكميم الأفواه أو جعل الاختلاف العلمي مخاطرة يخشاها العالم والداعية والباحث. وتطرح التطورات الرقمية، بما فيها الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في صناعة الفتوى، تحديات إضافية تتطلب تطوير أدوات البحث والتحقق وتكامل التخصصات، دون التفريط في مسؤولية المفتي أو اختزال الاجتهاد في إجراءات تقنية. فالتحديث الحقيقي لا يقاس بمدى إدخال الوسائل الحديثة إلى المؤسسات فحسب، بل بقدرتها على تعزيز جودة الاجتهاد، والشفافية في الاستدلال، والاستجابة للنوازل دون الإخلال بأصول الشريعة. هذا وتتعاظم مسؤولية المؤسسات العلمية الرسمية في تحصين الفتوى من التوظيف السياسي الدولي والإقليمي، وصيانة استقلالها عن الأجندات والضغوط، بما يحفظ مصداقيتها وثقة المجتمع فيها. وأمام جسامة التحديات والمخاطر المحدقة بالأمة، بات تضافر جهود العلماء والمؤسسات ضرورة لا تقبل التأجيل، لأن التفريط في هذه المسؤولية لن يقتصر ضرره على مؤسسة بعينها، بل سيجعل الجميع عرضة لخطر داهم لا يستثني أحدا. The post «الفتوى المؤسسية» بين خدمة الدين والتوظيف السياسي appeared first on هوية بريس.
32 عضوا في الحكومة الجديدة .. هذه حصص الأحزاب الأربعة والتكنوقراط
كشفت التشكيلة الحكومية الجديدة، التي ترأس الملك محمد السادس مراسم تعيين أعضائها اليوم الجم…










