Home الصحافة المغربية القراءة ونقد الكلام ووزنه

القراءة ونقد الكلام ووزنه

القراءة ونقد الكلام ووزنه

هوية بريس – دة.صفية الودغيري

القراءة ليست هدفًا عارضًا في حياتك بل هي طموحٌ جامِحٌ يملأ جانبيك، ويملك عليك أقطار نفسك كي يوحِّد بينها بلا حدودٍ تاريخيَّةٍ أو جغرافيَّةٍ، والقراءة ترسم أمام عينيك هالاتٍ من المُثُل والحِكَم العُلْيا الَّتي تُبَصِّرك وتُفَطِّنك بنفسك، وبذاك الآخر القابِع خلفك أو أمامك أو في سردابٍ مظلمٍ يتربَّص بك أن تسقط وتنهزم؛ ليقتصَّ من نجاحاتك ويثأر من إنجازاتك في الحُكْم والرِّئاسة وسياسة مملكتك العامرة بازدهار العلوم والآداب والمعارف، وبأولئك الَّذين ألَّفت بين قلوبهم، وجعلتهم يؤمنون بقرائح أنفسهم، وقدرتهم على النَّجاح والإبداع والتَّفوُّق حين يَكِدّون ويجتهدون حتّى يبلغوا النَّجاح في حياتهم الخاصَّة والعلميَّة والعمَلِيَّة.

وإنَّ ثمَّة أسبابًا أخرى يلزمك ـ أيُّها القارئ الطَّموح ـ أن تكون شغوفًا بها وتعتني بها وأنت تحمل كتابك بيمينك، وأنت تهجم على الحروف والكلمات وتصطاد غنائم أفكارها دون خيفَةٍ أو تَوجُّسٍ، ومن هذه الأسباب الواضِحات أن يلازمك هدفك الأسمى ويشقُّ طريقك وأنت تختار كتابك وتقرأ، وأن يلازمك الوثوب الجَسور الَّذي قلَّما تشاهده أو تألفه في جميع أحوالك..

وأنَّه ممّا لا شَكَّ فيه أنَّ تجربتك الأولى في فنِّ القراءة لا ينبغي أن تتظلَّ هي نفسها تجربتك الَّتي تليها وتعقبها؛ فتقعدك مكانك لا تتقدَّم إلى الأمام ولا تغيِّر أو تتغيَّر، ناظِرٌ إلى كلِّ كتابٍ جديدٍ اقتنيته كنظرتك السّالفة لكتابك الأوَّل، أو نظرة المتحَفِّظ الَّذي لا يوليه جهده العناية أو الاحتفال بأن يتقدَّم ويتطوَّر، أو أن يكتسب ملكاتٍ ومهاراتٍ جديدةٍ بما تحمله القراءة من فصولٍ تفيض بروعة التَّخَيُّل والرَّونق، كما تفيض بالتَّفكير والتَّأَمُّل في التَّجارب السّابقة والَّتي تليها..

فأنت ـ أيُّها القارئ الطَّموح ـ لا تشبه نفسك في كلِّ مرحلةٍ من مراحلك وأطوارك مع القراءة، بل تعيش في كلِّ مرحلةٍ ظاهرةً جديدةً أو غريبةً أو فريدةً؛ لا تقتصر على التَّأَمُّلات الذّاتِيَّة في بعض المشكلات الَّتي تعرض للقارئ العادي في حياته الخاصَّة، بل لابدَّ أن تنتقل بتأمُّلاتك في علاقتك بخالقِك أوَّلاً، ثمَّ بكلِّ ما يتحرَّك من حولك ممّا هو مخالفٌ للمعهود والمألوف عند غيرك من القرَّاء الَّذين غَلَب عليهم عدم الاكتراث والتَّهاون؛ فهم يقرؤون بلا غاياتٍ ولا أهدافٍ سامياتٍ، وهم يقرؤون بتردُّدٍ وخمولٍ وبلا إقبالٍ يعقبه ألف إقبال، وهم يقرؤون كي يملؤوا فراغات أيّامهم البالية، ويدفعوا عنهم ملَلَ أوقاتهم المكرَّرَة، كي تغمرهم سكرة السَّعادة، ونشوة الارتياح إلى رواج صورهم على صفحاتهم البيضاء أو السَّوداء وهم يحملون الأقلام والكُتب كما يحملون فناجين قهوتهم في مكانٍ قد يغريهم ويغري النّاظرين إليهم أنَّهم بلغوا مجد القراءة وهم لم يبلغوا إلاّ تمثيل أدوار القراءة بسذاجةٍ ، كي يلتذّوا بمتعة الإعجاب بهم في معارض شتّى، يتوهَّمون أنَّها تضيف إلى أسمائهم سمعةً وسطوعًا وهي تخزيهم وتكشف عوراتهم؛ وقد يلازمهم الاغتباط بتكرار نشر صورهم وهم يقرؤون حتّى يوشكوا أن يصيبهم مسُّ التَّصوير بالهذيان والجنون، والَّذي لن يصنع منهم إلاّ ضحايا إدمانهم للتَّقليد والمحاكاة، ولكن لن يخلِّدوا لهم أثرًا ذا قيمةٍ إنسانيَّةٍ بالغة، ولن تدفعهم كي يلتذّوا بأُنْس الكُتُب في صحبةٍ ليس فيها إلاًّ الأقلام والكُتُب، ولذَّة القراءة في الخلوة مع النَّفس ومع أولئك الأبطال من الكُتّاب والمؤلِّفين في معركةٍ حاسمةٍ للانتصار على الجهل، والالتذاذ بزينة التَّأمُّل والتَّبصُّر والنَّقد، وصِقال الخاطِر وشحذ القريحة والعقل..

وإنَّ ثمَّة أسبابًا أخرى يلزمك ـ أيُّها القارئ الطَّموح ـ أن تعتني بها، وهي أن تصير عليماً بأسرار وفنون القراءة وسياسة شؤونها بتدبُّرٍ وحكمة؛ فالقارئ المُحَنَّك الحاذِق هو من يُجيد إِنْفاذ الأمور الَّتي يستقبلها من الكُتُب ومؤلِّفيها كما يُجيد إِنْفاذ أمور حياته الخاصَّة والعامَّة؛ فيملك أن يدرك بعد أعوامٍ من ملازمته للقراءة إلى الحُكْم في الجزيئِيّات على انفرادٍ، لا أن يظلَّ تابِعًا لكلِّ فكرةٍ وكلِّ كاتبٍ حتّى يصنع له ولأفكاره وأحكامه تمثالاً يظلُّ يعبده ويقدِّسه ويقدِّم له القرابين..

هذا وإنَّ إنفاقك ـ أيُّها القارئ الطَّموح ـ لعُمْرك النَّفيس ولجميع أوقاتك في القراءة وأنت لا تنتج من وراء القراءة إلاّ الإمتاع والمؤانسة؛ فاعلم أنَّ هذا نوعٌ من الرُّكون إلى الكسل والاسترخاء، وقصر العلوم والمعارف على التَّحَلّي بالقراءة، والافتخار بالتَّزَيُّن بملأ رفوف مكتبتك بالكُتُب كضربٍ من التَّصَنُّع والتَّباهي والتَّفاخر، وكصنفٍ من الخَطَل وضعف النَّفس المريضة..

وممّا قد يضيف لقريحتك في القراءة خبرةً وتجربةً أن تتعلَّم من تجارب وخِبْرات غيرك في القراءة، وممّا ألَّفه الكُتّاب العظماء حول فنون القراءة قديمًا وحديثًا، وممّا قد يمتعك وينفعك في هذا ما قاله فيلسوف الإنكليز فرنسيس باكون ـ أو بيكون ـ حول القراءة والمطالعة: “إنَّما الكُتُب تهذِّب الفطرة، والحِنْكَة تهذِّبها؛ فهي ثِقافُ الطَّبع والتَّجربة ثِقافُها، والمَلَكاتُ الغريزِيَّة كالنَّبات تحتاج من العِلْم إلى مُشَذِّبٍ، والعِلْمُ يعطيك الآراء مبهمةً تحتاج من التَّجربة إلى حدودٍ فاصِلاتٍ وموضِّحاتٍ بَيِّناتٍ، وأهل المكر والدَّهاء يحقرون الكُتُب والقراءة، وذووا السَّذاجَة يُعْجَبون بها، وأولوا العقل والأدب ينتفعون بفوائدها؛ فإنَّ لها خِلافَ المعلومات المُسْتفادَة منها فَضْلُ بصيرةٍ ونَظَرٍ تتوفَّر للَّذي يَقْرِن القراءة بالتَّأَمُّل، ويشفع النَّظَر في نواحي الصُّحُف بالنَّظَر في نواحي الأمور، وإذا تناولت الكِتاب فلا تجعل هَمَّك معارضة ما تقرأ ومناقضته، ولا التَّسليم به والتَّصديق، ولا اللَّهْو ودَفْع المَلَل، وإنَّما نَقْد الكلام وَوَزْنَه..”.

The post القراءة ونقد الكلام ووزنه appeared first on هوية بريس.

هوية بريسمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

five × 5 =

Check Also

العلم يكشف اللغز.. لماذا تغيب الثدييات الزرقاء عن الطبيعة؟

<p>تثير ألوان الحيوانات في الطبيعة فضول العلماء والمهتمين بعالم الكائنات الحية، خصوص…