Home اخبار عاجلة “الكاتب العام المقدس والغرباوي… أو حين يشتكي الرأس من جسده!
اخبار عاجلة - October 25, 2025

“الكاتب العام المقدس والغرباوي… أو حين يشتكي الرأس من جسده!

“الكاتب العام المقدس والغرباوي… أو حين يشتكي الرأس من جسده!

مقالة في جدلية الوعي والتنظيم والصدمة
وكل تشابه في الأحداث فهو صدفة مجردة

بقلم – عبد الرزاق بن شريج

من أغرب المصادفات – أو لعلها من سخريات القدر – أنني وجدت نفسي ذات ليلة سبتٍ محتارًا بين خيارين ثقافيين متناقضين تمامًا: هل أتابع سهرة موسيقية على قناة تجمع بين “العود” و”الفراغ الفكري”، أم أسهر كعادتي مع كتب الفكر والسياسة؟
ولأن الإدمان الفكري يأكلني ببطءٍ جميل، اخترت عزلتي بعناية، سهرةً أتشظّى فيها بين صفحات جدلية السياسة والوعي لماجدَ الغرباوي
جلست في ركني المفضل، كوب شاي منعنع بارد بجانبي، ونفسي ساخنة بالفضول. كانت الغرباوي تحلل بعين ناقدة ما عاشه العراق بعد 2003 من فوضى سياسية وخلل بنيوي في ثقافة الفرد والمجتمع، خلل جعل الولاءات ككعكة عيد ميلاد تُقسم بلا صاحب: الكردي لقوميته، والشيعي لمرجعه، والسني لسلطته، وكلهم للوطن حين تكون الخزينة مفتوحة.
وأنا أتتبع تلك الجدلية الحزينة، قلت في نفسي:
“الحمد لله أننا في المغرب نختلف، نعم، لكننا نختلف بأدبٍ… نرمي بعضنا بالبيانات لا بالقنابل، ونحارب بالكلمات لا بالميليشيات.”
ثم أغلقت الكتاب وأنا أردد مطمئنًا:
“جميل أن يعيش الإنسان في بلد تحكمه التنظيمات لا العصابات.”
لكن يبدو أن الله، في تلك الليلة بالذات، كان يجهّز لي درسًا عمليًا في الفرق بين الوهم التنظيمي والواقع السياسي.

صباح الأحد.
دخلت اجتماع المجلس الوطني لتنظيم معين (لن أذكر اسمه، احترامًا لما تبقّى من الحياء التنظيمي). الجو مشحون كعادة الاجتماعات التي تبدأ بوطنية عالية وتنتهي ببلاغ الندم. جلس الكاتب العام أمامنا بوجه مطمئن، قبل أن يفتح تقريره الذي كان أشبه ببلاغ حرب.
وفجأة، وبدون مقدمات، أطلق الرجل قنبلته المدوية:
“لقد راسلت وزارة الداخلية ضد فرعنا الجهوي …”
ساد صمت ثقيل.
رفعت رأسي متسائلًا: هل سمعت جيدًا؟. رأس التنظيم يشتكي أحد أعضائه إلى وزارة الداخلية؟
هل وصلنا إلى مرحلة أن الجسد يرفع تقريرًا ضد يده اليمنى، ضد أحشائه، ضد ركبتيه؟
تذكرت المثل المغربي الخالد: “خَيّب حتى لتعويدة!”
وشعرت أن زمن الرداءة لم يعد مجرد مرحلة، بل أصبح نظام حكم موازٍ.
حاول بعض الحكماء التدخل لتلطيف الموقف، تحدثوا عن الحكمة والمساطر والقوانين الداخلية، لكن الكاتب العام كان في عالم آخر، عالم يقدّس الذات ويفسّر القانون على مقاس الهوى.
حينها تذكرت علي الوردي في وصفه للمجتمع العراقي بعد “صدام”، وقلت في نفسي: “ها هو صدام يحلّ عندنا… ولكن بدون دبابات، فقط بمحاضر رسمية ومراسلات إلى الداخلية!”
ثم وقعت الكارثة الثانية، لا تقل فداحة عن الأولى.
وقف أحد الأعضاء، وجهه أحمر من الحماس، وصوته يشقّ القاعة قائلاً:
“الكاتب العام مقدّس! كلامه قانون لا يُراجع!!!، يراسل من يشاء ويطرد من يشاء! !!”

صمتت القاعة.
نظرت إلى الرجل طويلاً، ثم تمتمت:
“سبحان الله، تشابه الأسماء واختلاف العقول.”
كان المشهد سورياليًا إلى درجة أن الغرباوي نفسها لو كانت بيننا لربما أضافت فصلاً جديدًا لكتابها تحت عنوان: جدلية الوعي والولاء في التنظيمات المغربية بعد 2021.
خرجت من الاجتماع وأنا أضحك بمرارة.
تذكرت ليلتي السابقة مع الفكر، ونهاري مع الفِكرَة، وقلت لنفسي:
“ها قد عشتُ في يومين فقط خلاصة الوعي العربي:
نقرأ الغرباوي لنتأمل سقوط العراق، ثم نحضر مجلسًا وطنيًا لنشاهد سقوط التنظيم.”
عدت إلى البيت، جلست إلى مكتبي، وكتبت في هامش دفاتري ملاحظة صغيرة أحتفظ بها إلى اليوم:
«عندما يصبح التنظيم أداة للسلطة بدل أداة للتنظيم،
وعندما يصبح الولاء أهم من الكفاءة،
فحينها لا فرق بين تنظيمٍ ومقهى شعبي… إلا في ثمن القهوة.»

على سبيل الختم
تعلمت من تلك الواقعة أن أخطر ما يصيب التنظيمات ليس الانقسام، بل الجهل المؤسَّس؛ ذلك الجهل الذي يلبس ربطة عنق، ويقتبس من الفلاسفة ليبرر الخطأ، ويعتبر الولاء بديلًا عن الفهم، فالوعي – كما قالت الغرباوي – لا يُبنى بالخطب، بل بالمواقف.
ومن لم يدرك أن القيادة مسؤولية لا سلطة، فليقرأ التاريخ…
أو على الأقل، ليقرأ فقرة من “جدلية السياسة والوعي” قبل أن يراسل وزارة الداخلية!

المغرب الآنمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

five × 4 =

Check Also

Comediablanca : les humoristes marocains donnent le coup d’envoi de la 3e édition

La troisième édition de Comediablanca s’est ouverte ce jeudi 4 juin au Complexe Mohammed V…