Home الصحافة المغربية المسكوت عنه في درس الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى

المسكوت عنه في درس الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى

المسكوت عنه في درس الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى

المسكوت عنه في درس الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى هوية بريس – خالد أبو عطاء 1-علماء سوس وقضايا الأمة: حدود الذاكرة التاريخية وأسئلة الدور الإصلاحي للعالم تابعت الدرس الافتتاحي الذي ألقاه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى اليوم بدار الحديث الحسنية، بحضور بعض أعضاء المجلس والمجالس العلمية الإقليمية وطلبة الدار وأساتذتها، باهتمام شديد، واستوقفتني فيه جملة من القضايا المنهجية والمعرفية، ويأتي هذا المقال في سياق التفاعل العلمي الإيجابي مع بعضها. أثار موضوع “علماء سوس وقضايا الأمة” التي عنون به الأمين العام درسه أسئلة تتجاوز استحضار أعلام المنطقة ومآثرهم في التاريخ المغربي، إلى مساءلة وظيفة العالم في المجتمع، وطبيعة القضايا التي ينخرط فيها، وحدود علاقته بالدولة والأمة. ومن هذه الزاوية، لا تقاس أهمية الدرس بمجرد ما استحضره من نماذج تاريخية، وإنما أيضا بمدى دقة مفاهيمه، وتناسب عنوانه مع مضمونه، وقدرته على وصل الذاكرة العلمية بقضايا الحاضر. انطلق المحاضر من مفهوم «العالم العضوي» الذي فصل في بيان شروط أهليته، مؤكدا أن على أن العالم الحقيقي في الإسلام هو العالم المنخرط في قضايا المجتمع والإصلاح، وأن من اعتزل المجتمع ليس بعالم، ثم تناول بتفصيل أدوار علماء سوس في الدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب ووحدة الدولة وهيبتها، مستشهدا بأعلام من مراحل تاريخية مختلفة، وصولا إلى محمد المختار السوسي. وهذه موضوعات لها أهميتها في فهم إسهام العلماء في التاريخ الوطني، غير أن معالجتها تثير ثلاث ملاحظات مترابطة: اتساع عنوان قضايا الأمة مقارنة بالمجال الذي ركز عليه الدرس، ومحدودية تناول أدوار العلماء في مقاومة الاستعمار، وغلبة الاستحضار التاريخي على مناقشة الوظيفة الإصلاحية للعالم في الحاضر. 2-بين مفهوم الأمة والوحدة الوطنية: إشكال العنوان وحدود المعالجة يوحي عنوان الدرس «علماء سوس وقضايا الأمة» بأفق واسع يشمل أدوار العلماء في مجالات التحرر والإصلاح والتعليم والتضامن الإسلامي، فضلا عن قضايا الدولة والمجتمع. غير أن التركيز، بحسب المحاضرة، على الوحدة الترابية وهيبة الدولة ووحدتها يجعل مضمون الدرس أضيق من المجال الدلالي الذي يفتحه العنوان. وإن كان أشار إليها؛ لكنه فضل إرجاء الحديث عنها إلى حين آخر. ولا يتعلق الاعتراض بأهمية الوحدة الترابية أو ضرورة وجود الدولة وصيانة مؤسساتها، وإنما باختزال قضايا الأمة في هذه الأبعاد، مما يحجب تعدد دوائر اشتغال العلماء ومجالات فعلهم. فالأمة المغربية، باعتبارها جماعة وطنية وسياسية، ليست مطابقة لمفهوم الأمة في الإسلام في دلالته الدينية والحضارية. وقد يتكامل الانتماءان في تجربة العالم، من دون أن يلغي أحدهما الآخر؛ فالدفاع عن استقلال الوطن ووحدته لا يستنفد بالضرورة مواقف العالم من قضايا المسلمين خارج حدوده، كما أن الانشغال بقضايا الأمة الإسلامية لا ينتقص من التزامه الوطني. ومن ثم، فإن المعالجة العلمية لهذا الموضوع تقتضي التمييز بين تاريخ علاقة العلماء بالدولة المغربية، وتاريخ إسهامهم في قضايا الأمة الإسلامية. وإذا كان المقصود هو المجال الوطني تحديدا، فإن ذلك يستدعي عنوانا أكثر تخصيصا؛ أما إذا أريد الاحتفاظ بالعنوان الواسع، فينبغي أن ينعكس اتساعه على تنوع القضايا المدروسة، فلا تنحصر في الوحدة الترابية وهيبة الدولة. ويستدعي مفهوم “هيبة الدولة” بدوره قدرا من التدقيق؛ فمكانة الدولة لا تتحدد فقط بقدرتها على صيانة السيادة والنظام العام، بل تتصل كذلك بالعدل، وحماية الحقوق، وفعالية المؤسسات، وثقة المجتمع في أدائها. ولذلك فإن دراسة علاقة العلماء بالدولة لا ينبغي أن تقتصر على إبراز مواقفهم المدافعة عن وحدتها، وإنما تشمل أيضا أدوارهم الاجتماعية والإصلاحية، وكيفية تفاعلهم مع التحولات التي عرفتها مؤسسات الحكم والمجتمع. فالدفاع عن الدولة، والمشاركة في إصلاح أدائها، وتأييد سياساتها في كل الأحوال، مواقف مختلفة لا يصح الخلط بينها. 3-من «العالم العضوي» إلى قضايا الحاضر إن افتتاح الدرس بمفهوم «العالم العضوي» يثير توقعا بأن تتجاوز المعالجة سرد المآثر التاريخية إلى بحث علاقة العالم بمشكلات المجتمع. فالعالم العضوي، بهذا المعنى، ليس مجرد شخصية ذات مكانة دينية أو اجتماعية، وإنما فاعل تتحدد وظيفته بمدى اتصاله بحاجات الناس، وفهمه لتحولات بيئته، وإسهامه في إنتاج الوعي والإصلاح. وهنا تبرز المحدودية المنهجية حين يغلب الاستحضار التاريخي على الدرس، من دون أن يتضح بما يكفي كيف يمكن أن تسهم التجارب المستحضرة في فهم شروط الفعل الإصلاحي اليوم. فالتاريخ ضروري لتفسير مواقف العلماء وأدوارهم، لكنه لا يغني عن تحليل التحولات التي أعادت تشكيل المجتمع وموقع العالم فيه. وقد تغيرت أنماط التعليم، وتوسعت مؤسسات الدولة، وتعددت مصادر المعرفة والفتوى، وأصبحت وسائل الاتصال والمنصات الرقمية مؤثرة في تشكيل الوعي الديني والاجتماعي. وهذه التحولات تفرض أسئلة جديدة حول وسائل التأثير، وشروط الثقة، وحدود الاختصاص، وسبل وصل المعرفة الشرعية بالواقع. كما أن الحديث عن انخراط العلماء في قضايا المجتمع يستدعي تناول مشكلات الحاضر، ومنها اختلالات التعليم، والفقر والهشاشة، وأوضاع الأسرة والشباب، والتحولات في أنماط التدين والانتماء، وخطابات الكراهية والمعلومات المضللة، وقضايا المواطنة والعيش المشترك. وعلى المستوى الأوسع، تبرز قضايا الأمة الإسلامية، وفي مقدمتها فلسطين، إلى جانب أسئلة العدالة وكرامة الإنسان. ولا يعني ذلك مطالبة العلماء بأن يحلوا محل المؤسسات السياسية أو الاقتصادية أو التخصصات العلمية الأخرى؛ بل المطلوب تحديد طبيعة مساهمتهم الممكنة، في حدود اختصاصهم، من خلال التربية والتوعية والتأطير الأخلاقي والاجتماعي، والإسهام في النقاش العمومي، وفهم الآثار الإنسانية للقضايا المطروحة. وبذلك، كان من الممكن أن يشكل تاريخ علماء سوس مدخلا لمقارنة أدوارهم في المجتمع التقليدي بالأدوار الممكنة للعالم في المجتمع المعاصر. فبدلا من الاكتفاء باستحضار ما قام به السابقون، يمكن بحث ما الذي تغير في شروط الفعل العلمي والاجتماعي، وما الذي بقي من وظائفه، وما الأدوات التي يحتاج إليها العلماء اليوم للاستجابة لقضايا المجتمع. وعندئذ يصبح مفهوم «العالم العضوي» أداة للتحليل، لا مجرد وصف تكريمي للعالم المنخرط في محيطه. 4-نحو قراءة متعددة الأبعاد لتاريخ علماء سوس تقتضي معالجة موضوع «علماء سوس وقضايا الأمة» بناء صورة مركبة لأدوارهم، لا تختزلها في علاقتهم بالدولة أو في إسهامهم في قضية وطنية واحدة. ويمكن تنظيم البحث حول ثلاثة مجالات متكاملة: الوظيفة العلمية والاجتماعية، والوظيفة الوطنية والتحررية، والعلاقة بقضايا الأمة الإسلامية. يشمل المجال الأول التعليم والتأليف وحفظ المعرفة الشرعية، إلى جانب الوساطة الاجتماعية والإصلاح والمساهمة في معالجة مشكلات المجتمع. أما المجال الثاني فيتناول مواقف العلماء من الاستعمار، وأشكال مشاركتهم في المقاومة والحركة الوطنية، وعلاقتهم بمسائل السيادة والاستقلال والوحدة الترابية. ويتصل المجال الثالث بتصوراتهم للأمة الإسلامية، ومواقفهم من قضاياها، ومقدار انخراطهم في النقاشات المرتبطة بالتحولات الدولية والتضامن الإسلامي. ومن شأن هذا التصنيف أن ينقل دراسة علماء سوس من استحضار الرموز إلى تحليل وظائفهم، ومن عرض المواقف العامة إلى فحص السياقات، ومن التركيز على علاقة العلماء بالدولة إلى فهم شبكة العلاقات التي تربطهم بالعلم والمجتمع والأمة. كما يسمح بتجنب إسقاط مفاهيم الحاضر على الماضي من دون احتراز، ويتيح في الوقت نفسه الاستفادة من التجارب التاريخية في فهم التحديات الراهنة. تكمن أهمية درس «علماء سوس وقضايا الأمة» في إعادته طرح موضوع علاقة العلماء بالمجتمع والدولة، واستحضاره نماذج من تاريخ المنطقة ذات حضور في الذاكرة العلمية والوطنية. غير أن الملاحظة النقدية الأساسية تتعلق بالفجوة بين اتساع العنوان ومحدودية المجال الذي ركز عليه الدرس؛ إذ إن إبراز الوحدة الترابية وهيبة الدولة، على أهميتهما، لا يستوعب وحده مفهوم قضايا الأمة، كما أن استحضار الدور الوطني للعلماء لا يغني عن بحث إسهامهم في مقاومة الاستعمار عموما، أو عن تناول قضايا المجتمع المعاصر. كذلك فإن مفهوم «العالم العضوي» يقتضي وصل التاريخ بالواقع، وتحويل استحضار التجارب السابقة إلى مدخل لفهم شروط الإصلاح اليوم. فالعالم لا يستمد وظيفته من مكانته التاريخية وحدها، وإنما من قدرته على فهم التحولات، والإسهام في معالجة المشكلات، وربط المعرفة بالقيم، والتفاعل مع قضايا مجتمعه وأمته ضمن حدود اختصاصه. وعليه، فإن تطوير هذا الموضوع يقتضي الجمع بين تاريخ العلم والتعليم، وتاريخ المقاومة والتحرر، وتحليل علاقة العلماء بالدولة والمجتمع، ودراسة مواقفهم من قضايا الأمة الإسلامية. وبذلك يتحول التاريخ من مجرد استعادة للذاكرة إلى معرفة نقدية تساعد على مساءلة الحاضر واستكشاف إمكانات الإصلاح، ويصبح السؤال المركزي ليس: ماذا فعل علماء سوس في الماضي؟ بل أيضا: كيف نفهم تجاربهم في سياقاتها، وما الذي يمكن أن تقدمه لدراسة مسؤولية العالم في الحاضر؟ The post المسكوت عنه في درس الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

13 + four =

Check Also

حرائق الجزائر تفضح مأزق نظام الكابرانات.. والإعدام في الواجهة

تواجه السلطات الجزائرية موجة انتقادات حقوقية دولية على خلفية توسيع نطاق عقوبة الإعدام في ق…