Home الصحافة المغربية المَقامَةُ الوِزَارِيَةُ

المَقامَةُ الوِزَارِيَةُ

المَقامَةُ الوِزَارِيَةُ

حدّثنا عيسى بن فُضيل، قال: دخلتُ يومًا دارَ السّياسة، وقد ازدحم فيها أصحابُ الوُجوه، وتدافع أهلُ الصُّور، وتزيّنَ كلُّ امْرئٍ بما ليس فيه، وتقدّم كلُّ مُتأخّرٍ كأنّ الزمان استأذنه قبل أن يَدُور. فرأيتُ في صَدْر المجلس وزيرًا كبيرًا، قد أحاطتْ به العُيون، وتعلّقت به الظنون، وتناقلت الألسن أنّ له غدًا أعظم من يومه، وأنّ الكُرسي الذي تحته ما هو إلا دكّة انتظار لكرسيّ أطول قوائم وأعرض مَساند. وعن يمينه رجلٌ قصيرُ الوزارةِ، طويلُ الملازمة، لا يفارقه في مشهد، ولا يترك له في صورةٍ شبرًا إلا احتلّه، ولا يرى عدسةً إلا مال نحوها كما يميل عباد الشمس نحو النهار. فسألتُ صاحبي: – من هذا الذي الْتصقَ بالرّجل الْتِصاق الخاتم بالإصبع؟ قال: – ذاك الوزير الصغير. قلت: – وأيُّ وزارةٍ يحمل؟ قال: – أمّا وزارته في الدّفاتر فلها اسْم، وأما وزارته في المنصّات فاسْمُها : “الوقوف بجانب الوزير الكبير”. فراقبتُه، فإذا الكبير خطا خطوةً خطا وراءه نصف خطوة، وإذا الكبير صافح ضيفًا مدّ الصغير عنقه ليصافح الهواء الذي مرّت منه يد الضيف، وإذا الكبيرُ ضحك أطلق الصغير ضحكةً أسرع من ضحكته، كأنّه تلقّى نسخةً مسبقة من النّكتة. وإذا ارتفعت الكاميرات تغيّر الرجل من وزيرٍ إلى بوصلة؛ لا يشير إلا إلى جهة الكبير. دخل الكبير من باب، فدخل الصغير من ظلّه. جلس الكبير، فجلس الصغير على حاشية المشهد. نهض الكبير، فنهض الصغير قبل أن تستقيم ركبتا صاحبه. التفت الكبير يمينًا، فظهر الصّغير يمينًا. التفت شمالًا، فإذا الرّجل قد سبق الالتفات واستقرّ هناك. حتى خلتُ أن للوزير الكبير ظلّين: ظلًّا تصنعه الشمس، وظلًّا تصنعه الطموحات. وكان الوزيرُ الصّغير عجيبًا في فِقه المسافات؛ يعرف من السّياسة مقدار السنتيمترات التي تفصله عن كتف الكبير، ويحفظ من البروتوكول الزاوية التي تضمن ظهور نصف وجهه في الصورة، ويحسب من شؤون الدّولة ما يكفيه ليعرف أين تقف الكاميرا. فإن جاء مصوّرٌ من اليمين، زحف يمينًا. وإن جاء مصوّرٌ من اليسار، هاجر يسارًا. وإن ارتفع الهاتف فوق الرؤوس، طال عنقه حتى حسبتُ أن الوزارة قد اختصّت فجأةً بتربية الزرافات. ثم جاء يومٌ خطب فيه الوزير الكبير، فتقدّم إلى المنصّة، فإذا الصغير وراءه كالفاصلة في آخر السطر. قال الكبير: – أمامنا أوراش كبرى. فهزّ الصّغير رأسه هزًّا شديدًا حتى خشيتُ على عنقه من أوراش الصّيانة. قال الكبير: – نحتاجُ إلى رُؤية بعيدة. فضيّق الصّغير عينيه ونظر إلى الأفق، كأنّه رأى الرؤية وهي قادمة من آخر الشارع. قال الكبير: – المسؤولية تقتضي العملَ في صمت. فصفّق الصغير أولُ المصفّقين. فقُلت في نفسي: يا للعجب! هذا رجل يصفّق للصّمت. ثم اقتربتُ منه بعد انفضاض المجلس، فقلت: – يا معالي الوزير، أراك كثير الصُّحبة لهذا الرّجل. فنظر إليّ نظرةَ من عرفَ أسْرار الدّولة، وقال: – السِّياسة وفاءٌ. قلتُ: – ما شاء الله، وأراكَ أوْفَى من الظلّ. فابتسمَ. قلتُ: – غير أنّ الظلّ يفارق صاحبَه عند الغُروب. فانطفأت ابتسامته قليلًا، ثم قال: – نحن فريقٌ واحد. قلتُ: – صدقتَ، غير أن الفريق يضمّ لاعبين، وأنت منذ ساعةٍ تركضُ خلف القَميص ولا تلمسُ الكرةَ. فسَعَلَ. فقلت: – ولعلّ معاليكُم تحبّون العمل بعيدًا عن الأضواء؟ قال: – جدًا. قلت: – لهذا السبب أراك دائمًا تحت أقْوَاها؟ فأدار وجهه عَنِّي. وفي اليوم التالي أقيم حفلٌ آخر، وحضر الوزير الكبير، فبحثتُ عن الوزير الصَّغير فلم أجده. قلت: لعلّه غضب من كلامي، أو تابَ من صُحبة العَدسات، أو عادَ إلى وِزارته ليرى هل بقي فيها موظفون يعرفونه. ثم ارتفعت الكاميرات فجأة. وإذا به يخرج من بين رجلين، يشقُّ الصفوف شقًّا، ويمدّ خطاه مدًّا، حتى استقرّ إلى جوار الكبير، ثم سوّى سترته، ورفع ذقنه، وبسط على وجهه ابتسامةً رسميةً لا تقول شيئًا وتَعِد بكل شيء. وعندئذ فهمتُ سرّ الرجل. لم يكن يخشى أن يغيب عن اجتماع. كان يخشى أن يغيب عن الصورة. ولم يكن يرافق الوزير الكبير حبًّا في الصّحبة. كان يرافق مستقبله المحتمل. فالكبير عنده ليس زميلًا في الحكومة، وإنما مصعدٌ سياسيّ، وقد وضع الصغير قدمه عند بابه منذ الطابق الأرضي، وأقسم ألا ينزل حتى يعرف إلى أي طابق سيصعد. ثم بلغني أن الصحف نشرت في صباح اليوم التالي صورة الحفل. ظهر الوزير الكبير في الوسط واضحًا مهيبًا. وظهر خلفه نصف وجهٍ يعرفه الناس جيدًا. فقال أحدُهم: – منْ هذا؟ فقُلت: – هذا وزيرٌ كاملُ الصّلاحياتِ… نِصفُه في الحُكومة، ونصفُه الآخر في الصّورةِ. ثم انصرفتُ وأنا أقول: رحم الله رجالًا طلبُوا المجدَ بالأعْمالِ، وأعانَ اللهُ زمانًا يطلبُ فيه بعضُ الرِّجال المجدَ بحُسْن اختيَار مكانِ الوُقُوف. لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر. The post المَقامَةُ الوِزَارِيَةُ appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

عبد الفتاح لحجمريمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

19 − 17 =

Check Also

توقف شحنات الديزل المغربي نحو إسبانيا خلال غشت 2026 وسط تساؤلات حول الأسباب

هوية بريس- متابعة كشفت معطيات أوردها موقع «LeBrief» عن توقف شحنات الديزل من المغرب نحو إسب…