Home الصحافة المغربية النبي الكريم بين الأمية والكتابة.. هل كان النبي عليه السلام أمّـيّا لا يكتب ولا يقرأ؟

النبي الكريم بين الأمية والكتابة.. هل كان النبي عليه السلام أمّـيّا لا يكتب ولا يقرأ؟

النبي الكريم بين الأمية والكتابة.. هل كان النبي عليه السلام أمّـيّا لا يكتب ولا يقرأ؟

هوية بريس – د.عبد السلام أجرير الغماري النبي الكريم بين الأمية والكتابة.. هل كان النبي عليه السلام أمّـيّا لا يكتب ولا يقرأ؟ مسألة أمّيّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسألة خلافية بين العلماء قديما وحديثا، والمشهور والمعوّل عليه أنه كان عليه السلام لا يكتب ولا يقرأ، فهي أمّية كتابة لا أمية علم ومعرفة. والأمية فيه عليه السلام صفة كمال لا نقص؛ لأنه لا يحتاج إلى تعلم الكتابة من إنسان طالما يعلم كل شيء بتعليم الله تعالى له مباشرة؛ لأن الكتابة وسيلة للعلم والمعرفة، وهي عرَضيّة، ومُعرَّضة للنقص والخطأ… فإذا كان الإنسان سيصل إلى الغاية (وهي المعرفة والعلم) بدون هذه الوسيلة فما الحاجة إليها إذن؟ بل تبقى مجرد فضول لا يُنقص جهلُها من قدر صاحبها البتّة. وهكذا ينبغي أن يُفهم قول من قال إنه عليه السلام كان أمّيا في القراءة والكتابة، أي: أمّية كتابة وقراءة لا أمية معرفة وعلم. وقد أجمعت الأمة الإسلامية على أنه مما يجب في حق الأنبياء عليهم السلام العلم والفطنة والذكاء، إضافة إلى الأمانة في التبليغ… قال الإمام ابن عاشر المالكي -رحمه الله تعالى- في مقدمته العقديّة من منظومته المسماة “المرشد المعين على الضروري من علوم الدين”: يجب للرُّسْل الكرام الصدق * أمانةٌ تبليغهم يحِقّ محالٌ الكذب والمنهى * كعدم التبليغ يا ذَكِيّ يجوز فى حقهم كل عرض * ليس موديا لنقص، كالمرض وقد كان جلُّ حكماء العرب وشعرائهم في الجاهلية، ومع بداية الإسلام، أميين بهذا المعنى، على فصاحتهم وجزالة ألفاظهم وقوة أشعارهم. وهذا هو المذهب المشهور والمعوّل عليه في مسألة أميّة النبي عليه السلام، وله أدلة كثيرة، على رأسها: الدليل الأول: ما روي في الصحيح أن جبريل عليه السلام لما نزل بالوحي على النبي عليه السلام بقوله تعالى: {إقرأ باسم ربك…} فقال له النبي عليه السلام: «ما أنا بقارئ»(1). فنفى عليه السلام عن نفسه أن يكون قارئا. فعلمه الله تعالى مباشرة. الدليل الثاني: قوله تعالى مخاطبا نبيه عليه السلام: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (العنكبوت: 48). فهذه الآية نص في نفي القراءة والكتابة عنه عليه السلام. قال المفسر أبو حيان الأندلسي في تفسيره “البحر المحيط”: «{ولا تخطه}: أي لا تقرأ ولا تكتب. {بيمينك}: وهي الجارحة التي يكتب بها، وذِكْرها زيادة تصوير لما نفي عنه من الكتابة، لما ذكر إنزال الكتاب عليه، متضمنا من البلاغة والفصاحة والإخبار عن الأمم السابقة والأمور المغيبة ما أعجز البشر أن يأتوا بسورة مثله، أخذ يحقق، كونه نازلا من عند الله، بأنه ظهر عن رجل أمي، لا يقرأ ولا يكتب، ولا يخالط أهل العلم، وظهور هذا القرآن المنزل عليه أعظم دليل على صدقه»(2). الدليل الثالث: ورد في الصحيح في قصة صلح الحديبة أنه عليه السلام لما أراد أن يصالح قريشا، أمر بكتابة وثيقة بينهما، ومما جاء في الحديث: «فَأَخَذَ يَكْتُبُ الشَّرْطَ بَيْنهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَكَتَبَ “هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ”، فَقَالُوا: “لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نَمْنَعْكَ وَلَبَايَعْنَاكَ، وَلكِنِ اكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ”!، فَقَالَ: “أَنَا وَاللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَا وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ” قَالَ: وَكَانَ لاَ يَكْتُبُ، قَالَ: فَقَالَ لِعَلِيٍّ: “امْح رَسُولَ اللَّهِ” فَقَالَ عَلِيٌّ: “وَاللَّهِ لاَ أَمْحَاهُ أَبَدًا”، قَالَ: “فَأَرِنِيهِ”، قَالَ: فَأَرَاهُ إِيَّاهُ فَمَحَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ»(3). والشاهد في الحديث أنه عليه السلام لما أراد حذف جملة “رسول الله” من الوثيقة، طلب من علي -رضي الله عنه- أن يريه موضعها، فبين له موضعها فمحاها عليه السلام، ولو كان يكتب ويقرأ ما سأل عن الموضع. كما أن في هذا الحديث تصريح من الراوي بأنه عليه السلام لم يكن يكتب. وقد ورد هذا الحديث بصيغ متنوعة، بعضها فيه أنه عليه السلام محى “محمد رسول الله” ثم كتب مكانه: “محمد بن عبد الله”. وقد فسرها العلماء بأنه عليه السلام قد أمر بكتابة ذلك وليس أنه كتبها بنفسه، وهذا يقع كثيرا في كلام العرب حيث يقولون: “بنى الملك الفلاني قصره…”، وهم يقصدون أنه أمر ببنائه، لا أنه بناه بيده. أو قولهم “كتب الخليفة هارون الرشيد إلى قيصر الروم”، والمعنى أن الخليفة أمر بالكتابة إليه فكتب ذلك كاتبه الخاص… وسوف يأتي النقل والتنصيص من كتب العلماء على هذا المعنى قريبا إن شاء الله. فهذا ما رجحه العلماء من أنه عليه السلام كان لا يكتب ولا يقرأ، بأدلة كثيرة قد رأينا بعضها وأهمها. لكن هناك بعض العلماء من قال إنه عليه السلام لم يكن يكتب في بداية أمره، ثم تعلم الكتابة والقراءة في آخر عمره، ومنهم الإمام الباجي المالكي المغربي في كتاب خاص له في الباب سماه “تحقيق المذهب مِن أن النبي كتب”، وكذا الإمام الشعبي قبله، وسوف يأتي الحديث عن هذا قريبا إن شاء الله. مذهب بعض العلماء في أن النبي عليه السلام كان يقرأ ويكتب: قد تكلم العلماء قديما عن مسألة أميّة النبي عليه السلام وحقيقتها، وإن كان المشهور أنه عليه السلام لم يكن يكتب ولا يقرأ، فإن هناك من العلماء من قال إنه عليه السلام قد كتب في آخر عمره وتعلم القراءة. قال أبو حيان المفسر في تفسيره: «وأكثر المسلمين على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكتب قط، ولم يقرأ بالنظر في كتاب. وروي عن الشعبي أنه قال: “ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كتب”، وأسند النقاش إلى حديث أبي كبشة السلولي: أنه صلى الله عليه وسلم، قرأ صحيفة لعيينة ابن حصن وأخبر بمعناها. وفي صحيح مسلم ما ظاهره أنه كتب مباشرة. وقد ذهب إلى ذلك جماعة، منهم أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي، والقاضي أبو الوليد الباجي وغيرهما. واشتد نكير كثير من علماء بلادنا على أبي الوليد الباجي، حتى كان بعضهم يسبه ويطعن فيه على المنبر. وتأول أكثر العلماء ما ورد من أنه كتب على أن معناه: أمر بالكتابة، كما تقول: كتب السلطان لفلان بكذا، أي أمر بالكتْب»(4). فهؤلاء علماء وازنون أشار إليهم أبو حيان قد ذهبوا إلى أن النبي عليه السلام قد كتب وقرأ. وهو مذهب له حظ من النظر العقلي، لولا أن أدلته غير قوية من حيث الأثر والخبر. قال ابن فرحون المالكي في “الديباج” نقلا عن القاضي عياض المغربي المالكي: «ولما تكلم أبو الوليد في حديث البخاري المروي في عمرة القضاء والكتابة إلى قريش، وذكر قول من قال بظاهر اللفظ، أنكر عليه أبو بكر بن الصائغ الزاهد، وكفّره بإجازته الكتْب على النبي صلى الله عليه وسلم، وتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه اللعن، فلما رأى ذلك، ألف رسالته المسماة ب”تحقيق المذهب” بين فيها المسألة لمن يفهمها وأنها لا تقدح في المعجزة، كما لا تقدح القراءة في ذلك. فوافقه أهل التحقيق بأسرار العلم، وكتب بها لشيوخ صقلية، فأنكروا على ابن الصائغ، ووافقوا أبا الوليد على ما ذكره»(5). فانظروا كيف وافق الكثير من العلماء على ما ادعاه الإمام الباجي من أن النبي عليه السلام قد كتب بيمينه، وما ذلك إلا لأن ما قاله -رحمه الله- له حظ قوي في النظر. وأختم بالنقول عن العلماء في هذه المسألة بكلام رصين وجامع مفيد للإمام الحافظ الذهبي، وقد عالج المسألة من جميع الجوانب، فوفّق بين جميع الأقوال، قال: «ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في صحيح البخاري، قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصائغ، وكفره بإجازته الكتب على رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الأمي، وأنه تكذيب للقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبحوا عند العامة ما أتى به، وتكلم به خطباؤهم في الجمع، وقال شاعرهم: برئت ممن شرى دنيا بآخرة * وقال إن رسول الله قد كتبا فصنف القاضي أبو الوليد رسالة بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة، فرجع بها جماعة. قلت [أي: الذهبي]: يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب اسمه ليس إلا، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا، وما مَن كتب اسمه من الأمراء والولاة إدمانا للعلامة يعد كاتبا، فالحكم للغالب لا لما ندر، وقد قال عليه السلام: “إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب”، أي: لأن أكثرهم كذلك، وقد كان فيهم الكتبة قليلا. وقال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا} (الجمعة: 2). فقوله -عليه الصلاة والسلام: “لا نحسب” حق، ومع هذا فكان يعرف السنين والحساب، وقسم الفيء، وقسمة لمواريث بالحساب العربي الفطري لا بحساب القبط ولا الجبر والمقابلة، -بأبي هو ونفسي صلى الله عليه وسلم-. وقد كان سيد الأذكياء، ويبعد في العادة أن الذكي يملي الوحي وكتب الملوك وغير ذلك على كتابه، ويرى اسمه الشريف في خاتمه، ولا يعرف هيئة ذلك مع الطول، ولا يخرج بذلك عن أميته. وبعض العلماء عد ما كتبه يوم الحديبية من معجزاته، لكونه لا يعرف الكتابة وكتب، فإن قيل: لا يجوز عليه أن يكتب، فلو كتب لارتاب مبطل، ولقال: كان يحسن الخط، ونظر في كتب الأولين. قلنا: ما كتب خطا كثيرا حتى يرتاب به المبطلون، بل قد يقال لو قال -مع طول مدة كتابة الكتاب بين يديه-: لا أعرف أن أكتب اسمي الذي في خاتمي، لارتاب المبطلون أيضا، ولقالوا: هو غاية في الذكاء، فكيف لا يعرف ذلك؟ بل عرفه، وقال: لا أعرف، فكان يكون ارتيابهم أكثر وأبلغ في إنكاره، والله أعلم»(6). رأي بعض المتأخرين من المختصين بمقارنة الأديان، وتفسيرهم لأمية النبي عليه السلام بأنها لا تعني الجهل بالكتابة: يذكر بعض الباحثين في مقارنة الأديان (ومنهم بعض أساتذتنا المتخصصين في اللغات الشرقية ومقارنة الأديان(7))، رأيا يُستأنس به في هذه المسألة ويقوي مذهب القائلين بأن النبي عليه السلام لم يكن أميا بمعنى الجهل بالقراءة والكتابة، ويذكرون أن معنى الأمية هنا كونه من أمّة ليس لها كتاب سماوي، وهو اصطلاح في أصله توراتي-يهودي، حيث أن التوراة قد سمّت جميع الأمم الأخرى غير اليهودية: أمميين أو أميين، فكانوا يطلقون لفظ الأمي أو الأممي على غير اليهود، وذلك أنهم كانوا يرون أنهم المصطفوْن الأخيار على جميع الأمم بما بين أيديهم من كتب مقدسة سماوية، وغيرهم جاهلون لكتب الله تعالى السماوية، ولو كانوا ممن يكتب ويقرأ، فهم أميون أو أمميون! قلت: وهذا المصطلح (أي: الأمـمي)، مشهور ومذكور بكثرة في التوراة، (أو ما يُعرف بـ”العهد القديم”)، والإسم الأصلي له في العبرية هو “الكويم”، (“الجويم” بالجيم المصرية)، وترسم بالعبرية هكذا: גויים، وهي تُترجم إلى “الأمم” أو إلى “الأمميين” غالبا، ويُدخلون في هذا المسمى كل الشعوب غير اليهودية، ويسوّونها بالحيوان والأنجاس… وقد ذكرها القرآن الكريم مستنكرا هذه التسمية اليهودية الحاملة للنظرة الدونية لغير اليهود، قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران:75). وهذا المذهب القائل بأن مصطلح “الأمي” لا يعني الجاهل بالكتابة، يجد له مساندا في بعض الآيات التي ربطت زوال الأمية بالكتاب والحكمة، كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الجمعة: 2). فبحسب هذا الرأي: فقد ربط القرآن الكريم الأمية بجهل الكتاب والحكمة، ولو أن الكثير من العرب كان يعلم القراءة والكتابة، ومع ذلك سماهم القرآن أميين؛ لجهلهم الكتاب والحكمة، لا القراءة والكتابة. والأصرح من هذه الآية قوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ…} (الأعراف: 157). وهذا الرأي، الذي يستعين بفهْم أهل الكتاب، له حظ من النظر لولا أن هذا المعنى للأمية بعيد عن فهوم العرب، فما كان العرب لتسمي نفسها أمية أو ينزل القرآن بهذا المعنى ولا يعرفه العرب المسلمون الأوائل، فقد نزل القرآن بلغتهم، وخاطبهم بما يفهمون، ولو ثبت عند العرب أن لفظ “الأمي” يطلق على الذي لا كتاب سماوي له، وثبت ذلك في الاستعمال، لكان لهذا الرأي قوة في النظر، وكان مكملا لما ذهب إليه الإمام الشعبي والباجي وغيرهما. خلاصة وخاتمة: كما قلت سابقا: إنّ وَصْف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأمِّيّ، هو وصْف مَدْح لا قدح؛ لأنه أبْلَغُ في المعجزة إذا جاء بِكتاب مُعْجِز مع كونه لا يقرأ ولا يكتب، مِن أجل أن يَكون أكثر تحدِّيًا للعرب، إذْ لم يَكن قارئا ولا كاتِبا، ومع ذلك جاء بِكِتاب مُعْجِز لهم ولجميع الأمم القارئة. ولو كان قارئا وكاتبا للتهمه الكفّار بالنقل من كتب أهل الكتاب، وهو الذي نفاه القرآن في آية القصص السابقة: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}. ولو افترضنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قرأ أوْ كَتَب في موطن واحد، أو موطنين، فإنه لا يُسمَّى قارئا، ولا يُسمّى كاتِبا. وعلى كل حال، فإن القول بأنه قد كتب في آخر حياته ليس بعيدا في الاحتمال، وإنما أدلته من حيث النصوص والآثار ضعيفة، ولا تقوى على الاحتجاج والصمود. وغاية مراد من قال بهذا إنما يريد نفي منقصة الأمية عن النبي عليه السلام وإثبات تمجيده، وقد بينا أنها ليست منقصة فيه، بل كمال ومعجزة، ولكنها منقصة في غيره ممن لا يأتيه الوحي. ولا ننكر على من خالف رأي الجمهور وادعى أن النبي عليه السلام كان قارئا وكاتبا؛ لأن له سلف من علماء هذه الأمة. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصواب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ – (1) الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب بدأ الوحي، ورواه مسلم في صحيحه في كتاب بدأ الوحي أيضا. – (2) البحر المحيط في التفسير، أبو حيان الأندلسي (المتوفى: 745هـ)، (8/361)، المحقق صدقي محمد جميل، دار الفكر – بيروت، الطبعة: 1420 هـ. – (3) صحيح البخاري، كتاب الجزية، باب المصالحة على ثلاثة أيام، رقم 3184. – (4) البحر المحيط، (8/361). – (5) الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، إبراهيم بن فرحون برهان الدين اليعمري (المتوفى: 799هـ)، (1/380)، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث للطبع والنشر، القاهرة. – (6) سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (المتوفى: 748هـ)، (14/57)، دار الحديث- القاهرة، الطبعة: 1427هـ-2006م. – (7) هو أستاذنا الدكتور أحمد شحلان، وقد ذكر ذلك في بعض محاضراته بمؤسسة دار الحديث الحسنية في سنة 2008. The post النبي الكريم بين الأمية والكتابة.. هل كان النبي عليه السلام أمّـيّا لا يكتب ولا يقرأ؟ appeared first on هوية بريس.

هوية بريسمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

2 × five =

Check Also

رهان تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2026 والخطاب الملكي السامي: بين منطق الأغلبية وتحدي التعاقد السياسي

يشكل تشكيل الحكومة عقب الانتخابات التشريعية لحظة مفصلية في مسار البناء الديمقراطي، باعتبار…