الوزير ورجل الدولة.. المؤقت العابِر والدائم الباصِم

إضاءات لابُد منها.
لا يظهر للناس في الغالب الأعم الفرق العميق بين الوزير العادي ورجل الدولة؛ فالوزير إنما يأتي للمسؤولية حسب سياقات وحسابات وتحالفات وأوضاع داخلية وخارجية في البلد، وهو كذلك الذي يمر مرور الكرام في تاريخ أمة، وإن بقي وزيرا لسنوات طويلة. لا ترى عامة الناس بطبيعتها– ليلاحظ القارئ الفوضى التي تعُم فضاءات التواصل الاجتماعي حيث الكل يحلل ويعلق وينتقد وهو في افتقار إلى أبسط مبادئ المعرفة السياسية والفكرية وأدوات التحليل والنقد! – (لا ترى العامة) إذا أبعد من أنفها، أي إنها تحمل هم وهواجس القُوت والكسب السريع ولذة العابر وطموح التسلق والسلطة بانفعال وجهل مطبق، لذلك ترى الوزير العادي يعمل على كسب وُدها ويحاول إرضاءها والتقرب منها والتظاهر بحمل همِّها، طمعا في عابِرِ أيضا، يكرس مروره العابر لبضع سنين، وليس الأمر سوى رصد لواقع عالمي نعم، لكن تختلف حِدته وانتشاره حسب طبيعة النظام السياسي من مبدأ والنسق التطبيقي والعملي للديمقراطية، ومن درجة النُّضج السياسي الحزبي والمدني والنقابي والثقافي والاجتماعي، في ممارسة الديمقراطية بمعاييرها وبقيمها الكونية، التي تختلف بالطبع حسب السياقات والظروف وخصوصيات البلدان الثقافية والتاريخية.
عكس الوزير – هناك استثناءات بين الوزراء سرعان ما يتحول أصحابها إلى رجال دولة – يرى رجل الدولة بعيدا، ويعمل في سياساته، ضمن النسق الحكومي، بالمثل الصيني “علم الصيد للجائع ولا تعطف عليه بوجبة”. رجل الدولة صبورٌ وبراغماتي، لكن برؤية وبوطنية عقلانية وبعمق فكري وبإستراتيجية ذكية ومتكاملة، ليِّنة التكتيكات ومُتطورة الوسائل مع ثبات القيم والمبادئ.
وقال الوزير الأول البريطاني الشهير “ونستون تشرتشل” في ما أذكر ما معناه إن رجل الدولة الحقيقي لا يقاس بمدى تمسُّكه بالسلطة، بل بقدرته على رؤية الأفق وراء الأزمات، وبصنع التاريخ بدل انتظاره. تجسِّد هذه الرؤية السياسية التأسيسية الفارق الجوهري بين الوزير العابر، الذي يكتفي بـ”إدارة اليوم أو الشّهر، بل وحتى السّنة أو الولاية، وعينه على الولاية التي تليها، وبين رجل الدّولة الذي يصوغ ‘تاريخ الغد’ بالإستراتيجيات المُنتجة الراسخة والدائمة والمتكيِّفة مع اليوم وغدا، بغض النظر عن بقائه من زواله من المنصب. ينحصر عمل الوزير في حدود “التكتيك الحزبي” أو “التنفيذ التقني”، بينما يتحرك رجل الدولة في فضاء “الإستراتيجية التنموية المستدامة، والتحديث البنيوي”، مُستلهماً الحكمة السياسية التي مؤداها أن الوزير يفكر في الانتخابات القادمة بينما ينشغل رجل الدولة ويُخطِّطُ للجيل القادم.
بين الوزير ورجل الدولة اختلافات كثيرة وجوهرية، نتناول بعضها بعجالة في ما يلي من نقاط.
1 – الرُّؤية والمَهام.
– الوزير.
يركز على “تنفيذ الأجندة الحكومية” بمعايير قصيرة المدى، كإطلاق حملات إعلامية آنية أو مشاريع “واجهاتية” لتلميع الصورة، أو حل إشكالات إستراتيجية بقرارات ترقيعية، أو بدخول غمار بنيات جديدة حداثية وحديثة بوسائل غير كافية وبمبادرات غير ناضجة، لا تغطي كل أبعاد الحقل وامتداداته الاجتماعية والنفسية والتربوية والاقتصادية والأخلاقية والقانونية إلخ.
يخضع الوزير لضغوط الحزب أو التحالفات السياسية أو هما معا، ابتداء من اختيار فريقه حتى انتقاء المسؤولين والخبراء الموكول إليهم تدبير حقول ما. يحد هذا النمط من التقرير والتسيير من استقلالية الوزير ومن فعالية عمله وتأثيره، وهو ما يصفه “ماكس فيبر” بسجن الإيديولوجيا الضيقة إذا كانت هناك من إيديولوجيا.
– رجل الدولة.
– يبني رجل الدولة مشاريعَ تراكمية، حيث يربط إمكانات الدولة بحاجات البلاد عبر جسر الاقتصاد الابتكاري، كما يربط تعليم الفنون، مثلا، في مؤسسات التكوين التابعة له، ولجان الإنتاج والدعم وتقوية وتجديد البنيات الأساسية، بمُدبرين وبمسيرين أكفاء وخبراء بالحقول المعنية، مهما كانت آفاق ممارستهم، فالمهم هو كونهم قادرين على التدبير والتسيير بالابتكار، وربط تعليم الصناعات الفنية والثقافية بالحداثة وبشمولية الفكر، بمُزاوجة بين المهارات التقنية وتدبير فضاءات الثقافة والفنون بالجدوى وبالإستراتيجيات المُنيرة لطريق التنمية المُستدامة، وهذه أمثلة مما نعرفه ونتابعه.
يتجاوز رجل الدولة “المنطق الحزبي” لصالح “المصلحة العليا” للبلاد كما تحددها الدولة بذكاء وبمستوى رفيع من الرمزية والوضوح، مُستلهماً معنى أنه يجب أن يتجاوز الضمير الوطني الولاء الحزبي، فالحزب قد يضحي بكل شيء– أحيانا – من أجل قيادةٍ متنازع عليها، أو من أجل حِصَّة مناصب أو امتيازات لنُخَبِه الضاغِطة. وقد قال أحدهم في هذا السياق إن رجل الدولة هو الذي يبني المستقبل ولا ينتظره، وهو كذلك من يرى في الأزماتِ فرصاً وليس مجرد تهديدات.
– 2 اللغة والتواصل: بين نمطية الخطاب وإلهاميّته.
– الوزير.
يستخدم الوزير لغةً نمطيةً مليئة بالتعابير الفضفاضة مثل: “نسعى إلى تحسين الخدمات”، دون تفاصيل قابلة للقياس، ولا هي حامِلة لمنطق قوي متماسك عميق الدلالات وقوي الحُجج، محيط بالملابسات ومفحِمٍ لما يروج من نقد معقول ورصين ومعلل.
يُكثر الوزير في خرجاته الإعلامية من الإيماءات المُبالغ فيها (رفع اليدين بشكل متكرر عموديا)، كما يُحرك عينيه بكثرة في اتجاهات متعددة، ويلتفت برأسه مرات، وهو ما قد يمنح انطباعا بعدم السيطرة وبالانفعال بشكل غير جيد لدى المتلقي والمخاطب على حد سواء. قد تبدو هذه الملاحظات غير صحيحة في ظل سيادة الاستسهال والتقرُّب من العامة وصعود الشعبوية اليوم، لكننا نتحدث عما يمر للاوعي وللذاكرة وإن لم يتم التعبير عنه وطفُوُّه لدى الرأي العام آنيا.
-رجل الدولة.
يصوغ رجل الدولة عكس الوزير خطاباً واضحاً ببنية منطقية، تجمع بين البساطة والعُمق وقوة الحجة والملاءمة، مع توظيف لغة جسد هادئة (حركات يد أفقية ومحدودة لكنها مُؤثرة، نظرة مستقرة، وابتسامة بالكاد تظهر عند الضرورة القُصوى).
يُتقن رجل الدولة “اللغة الاستعارية” لربط القرارات برموز الهوية، لا يستعمل لغة العنف والانفعال والرد على العابر والسطحي والبذيء والسخيف
والمُسيء، بقدر ما ينسِفه بقوة الحجة وعمق التحليل وتقديم البديل الإستراتيجي والبراغماتي. يُوظف رجل الدولة الخطاب السياسي ليلمس قلوب الناس قبل عقولهم، وليجعلهم يؤمنون بالمستقبل في ما يقوم به ويشيده لهم للدوام وللكرامة وللقيم وللاستقرار، وليس للترقيع وللآني.
-3 المظهرُ والصورة.
بين الوزير ورجل الدولة فوارق واضحة في اللباس وفي إدراك أهميته؛ فسواء تم ارتداء اللباس الوطني أو الغربي تبقى الأناقة والتنسيق والتناغم في الشكل واللون في علاقة بالنظرة وبالحركة وباللغة أساسية، تحمل المعنى والصورة والإحساس على حد سواء.
يعكس المظهر الخارجي، بالإضافة إلى الهوية السياسية والحضارية، التوازن الداخلي لرجل الدولة الحقيقي، وهو يمتلك هذا التوازن، ويعكسه في كل ما يصدر عنه. تجدر الإشارة كذلك إلى أن رجل الدولة قد “يخرِقُ” التقليد في اللباس الرسمي، لكنه يبقى خرقا “مدروسا” لا يتم إلا في مناسبات مدروسة. يكون هدف هذا “الخرق” مُحدّدا من حيث الصورة المُراد تركها لدى المتلقي كيفما كان نوعه وانتماؤه، في تناسق كامل مع السياسات والإستراتيجيات المُتبعَة، وطبيعة شخص القائد وثقته بنفسه وأخلاقياته والقيم التي يتبناها إنسانيا وثقافيا وأخلاقيا؛ ناهيك عن المستوى السياسي. أفكار كثيرة يفرضها هذا الشق من مقارنة الوزير برجل الدولة، وذلك بالنظر إلى الأهمية البالغة للرسائل البصرية لسلوك السياسيين على العموم، نعرض لبعضها هنا بإيجاز، حيث المقارنة متضمَّنةٌ بإيجاز:
تؤثر ملابس القادة على تصورات الأتباع وعلى كاريزما القائد وعلى الصورة التي يهدف إلى ترويجها عن نفسه. يتم هذا التأثير في علاقة بما يحمله من رؤية ومن إستراتيجة لعمله، ضمن الحقل الذي يُدبِّرُه، وفي سياق السياسات العامة الشاملة التي يشرف عليها، مجرد وزير كان أو رجل دولة أو رئيسا لها، فما هو تأثير أسلوب الملابس – في السياق الرسمي مقابل غير الرسمي – على تصورات الأتباع عموما في سياقات تنظيمية متعددة ومختلفة؟.
– الملابس الرسمية ونموذج القائد.
تجعل الملابس الرسمية القائد يبدو أكثر انسجامًا مع الصورة النمطية للقائد، النموذج الكلاسيكي بالبذلة وربطة العنق، التي غالبا ما تكون داكنة: الرمادي أو الأزرق بقميص أبيض، لكنها لا تؤثر بشكل كبير على تصورات الكاريزما أو الانجذاب إليه، بقدر ما تكرس صورة القائد الرسمي والشرعي.
– الملابس غير الرسمية.
يتمتع القادة الذين يرتدون ملابس غير رسمية بكاريزما أعلى وبموافقة أكبر من الأتباع. يرجع ذلك إلى كون الملابس غير الرسمية تشعر الجماهير بقرب القائد منهم أكثر، حيث تُرْفع سُلطة الرّسمي وحواجز البروتوكول وأسوار التحكُّم، لتمنح صورةَ المرُونةِ والانصات المُباشر، عِوض إشارات اللباس الرسمي التي تُحيل على ضرورة المُرور عبر القنوات المُعقدة لبلوغ آذان القائد.
غالبا ما يتبع الوزير أسلوب لباس “مُقلِّد” لما جرت به العادة، ولربما يتدخل في اختياراته أفراد قريبون منه أُسَرِيا أو من بين مستشاريه لكنهم غير محترفي سياسة ولا تواصل، لذلك قد يلاحظ الدارس بين أحذيتهم، وجواربهم عند الجلوس، وبذلاتهم وربطات عنقهم وقمصانهم ونظاراتهم، بعض الجمع بين ألوان وأنماط وتفاصيل غير منسقة ولا متناغمة في النوعية والانتماء الجيلي والثقافي والدلالي، وهو ما قد لا تدركه العين ومعها العقل، لكن تأثيرها يكون جليا في نفسية وذهنية الاتباع، عند المقارن، ولو بشكل غير واعٍ، عند الوقوف أمام رجال الدولة الذين لا يلبسون اعتباطيا، ولا يتحركون أو ينطقون دون اتباع قواعد خبيرة بوقع صورهم وسلوكاتهم على المتلقين.
لا يعني ما سبق طبعا أن اللباس وحركات الجسم واليدين واتجاه النظر ما يصنع الفرق بين رجل الدولة والوزير، لكنها تتمتع بحظ أكيد من التأثير وصناعة الكاريزما وتصنيف القائد ضمن دائرة الحكماء والواثقين المستحقين للثقة بما يوحون به من ثبات ورصانة ونضج وتصميم وقدرة على القيادة.
4 – التدبير والتسيير بين المحسوبية والكفاءة
– الوزير.
غالبا ما يختار الوزير فريقاً يخضع للتوازنات الحزبية حتى لو ضَعُفت الكفاءة، وذلك ما ينتقده مفكرون مثل الأمريكي “نعوم تشومسكي” عندما يرى سلبيا تقديم الولاء السياسي على الجدارة في الأنظمة السياسية الحكومية الهشة، التي تتحكم في جزء كبير من قراراتها الضغوط والحسابات الحزبية غير الناضجة والمتمثلة للمصلحة العليا والإستراتيجية للبلاد، إلا عند ضغط الدولة العميقة.
قد يتم تهميش الشباب في حالات معينة، لكن تقليعة الاهتمام بهم، مثل مسألة مقاربة النوع، قد تكشف عن الموهوبين منهم، وإن كانوا مدعومين وبلغوا مناصب الاستشارة، فغالبا ما يكون ثمن تعلُّمِهم ونضجهم على حساب تكريس صورة الوزير الذي لا يرقى إلى مستوى رجل الدولة.
– رجل الدولة.
يبني رجل الدولة فريقاً متعددا يجمع بين الخبراء القدامى، ذوي الخبرة والشباب المبدعين، المُتمتعين بمهارات التكنولوجيات وما يرافقها من عقلية ونمط تفكير. في كلتا الحالتين يكون رجل الدولة واعيا كفاية بمجازفات يحملها كل من الخبراء والشباب وهي: مجازفة حمل الفراغ الفكري والتسرع وسطحية التحليل والجهل بمعرفة التاريخ، وخطر إعادة إنتاج البيروقراطية مع الخبراء والتقنوقراطيين المتمرسين في الإدارة الخاضعين لمنطقها “البارد”.
يُطبِّق رجل الدولة معايير “الإدارة بالاستحقاق والمردودية” وليس بالولاء فقط، عاملا بفكرة أن النجاح يُقاس بجودة الفريق، لا بحجمه كما قال “كوان يو”، وأن القائد الحكيم هو الذي يختار من هو أفضل منه، لا من يمجده فقط كما ردَّد “كونفوشيوس”.
5 – براغماتيةٌ وذكاءٌ أم تصلُّبٌ ومُرونة.
– الوزير.
يتمسك الوزير، في أغلب الأحيان، بسياسات غير مجدية لمجرد أنها “تراث حزبي” أو تصور نابع من تجربته وما تحمله من تجزيئية وطابع تقني، حيث لا بُعد سياسي ولا إستراتيجي تحمِله؛ قد يجعله ذلك داعما لما هو سطحي وغير منتج بشكل فعال ومواليا لأغلبية لا ترى نهاية النفق، ولمطالب عقيمة إلا من مردوديتها الآنية على ثلة غير ذات تمثيلية بل تستغل صمت أغلبية غير مُؤطّرة.
يتعلق الأمر بمرونة ونفس طويل في التفاوض وفي البحث والاستقصاء، وبشجاعة في “خيانة” المألوف والنمطي والضاغط بحكم العادة والمصالح الضيقة.
-رجل الدولة.
يدمج رجل الدولة بين “الواقعية” و”المثالية”، كما فعل “هنري كيسنجر” في دبلوماسيته مع الصين: استخدام المصالح المشتركة لتحقيق اختراقات إستراتيجية.
يتخلى عن المشاريع غير المنتجة بذكاء، كإغلاق مؤسسات فاشلة وإعادة توجيه ميزانيتها نحو منصات حديثة وذات مردودية، فالإدارة الجيدة، كما يقال، إنما تصنع الصحيح والعملي الفعَّال، ولا تقف عند تصحيح الأخطاء، فالقائد الناجح هو الذي يعرف متى يكون أسداً ومتى يكون ثعلباً كما قال ميكيافيللي.
6 -تعدد اللغات وبراعة الاستخدام
– بين الوزير ورجل الدولة
من الأفضل بل والمستحب بقوة أن يُجيد السياسي 3 لغات على الأقل، كالعربية والإنجليزية والفرنسية في حالتنا، مع نطق متقن واختيار للمفردات وللجمل يناسب السياقات المناسبات، بمساعدة الثقة فيمن يستطيع عمليا القيام بذلك في خلية الاستشارة، بتمثل كامل لبنية العمل السياسي الوطني والدولي، وبمعرفة دقيقة برهانات وأبعاد موضوع الخطبة والمراد منها ومن رسائلها، كما يحدد ذلك ضمن سلطة التوجيه الإستراتيجي.
ملاءمة استخدام الإنجليزية في المحافل الدولية لنقل الرسالة بوضوح مطلوب.
استخدام العربية الفصحى في الخطابات الوطنية لتعزيز الهوية وفي المناسبات الدولية البروتوكولية.
ترجمة المفاهيم التقنية والسياسية المعقدة إلى لغة يومية، كتشبيه الاستثمار في الثقافة” بـ”زراعة أشجار الظل للأجيال القادمة مثلا، وذلك من أجل تواصل واستقطاب ذكي ومؤسس وفعَّال، فمن لا يعرف لغات أجنبية لا يعرف شيئاً عن لغته الأم كما هو معروف، وبين امتلاك هذه القدرات من عدمه يتبين للقارئ الفرق بين الوزير ورجل الدولة.
7- إدارة التناقضات والجمع بين الحزبية والدولتية
تبين الكثير من الدراسات للسلوك السياسي عبر العالم أن بعض الوزراء قد يقدمون المصالح الحزبية على المصالح الوطنية، فيعينون في مناصب عليا من ليست لهم كفاءة بسبب قربهم، بشكل أو بآخر، من الحزب أو من الأسرة، أو بسبب مصلحة ما أو لغرض ما، كبقاء السيطرة على المجال تحت يديهم لغرض يظهر عاجلا أم آجلا. وقد يُستخدَم التعيين في المناصب أيضا لتعزيز نفوذ الحزب، ولو تعارض مع سياسات الدولة، إلا أن سلوكات سياسية مثل هذه لا تخفى على الدولة العميقة، التي تُحصِّن المناصب الحساسة والإستراتيجية دون مثل هذا الاختيارات التدبيرية.
– رجل الدولة.
يوازن رجل الدولة، في الغالب الأعم، من جهة أخرى، ببراعة بين الولاء للحزب وبين الالتزام بالدستور وبإستراتيجيات الدولة، مستلهماً مقولة أن الوطنَ ليس حزباً، ولا الحزبُ وطناً. ويُحوّل رجل الدولة الخلافات الحزبية إلى حوارات بنّاءة، كما فعل “نيلسون مانديلا” عند دمج أجنحة متصارعة من حزبه في حكومة وحدة وطنية، فالوطن يجب أن يعلو فوق كل الخلافات كما قال مفكرو الأنوار كل في سياقه.
8 -القدوة والرمزية.
لا يستحب أن ينفصل سلوك الوزير الشخصي عن خطابه الرسمي بالدعوة إلى قيم وقدوات ونماذج لا يلتزم بها. ولا يستحب أن يتجاهل الوزير تأثير “الرمزية الثقافية”، كإهمال ارتداء الزي التقليدي في المناسبات الوطنية، والإنصات للفاعلين بجدية عندما يكونون ذوي خبرة ويمثلون قدرة اقتراحية حقيقية.
مقابل ذلك يستخدم رجل الدولة الرموز الثقافية بذكاء، فهو يرتدي الزي الوطني بمحمولاته الضاربة في التاريخ في المناسبات الدولية، كتأكيد على الهوية الوطنية وتجديد لها وبرهنة على حيويتها، أو أثناء إلقاء خطاب في مسرح أثري، مثلا، لتجسيد التواصل بين التراث والحداثة.
9- الإرث التاريخي: بين الزوال والخلود
ليس الفرق بين الوزير ورجل الدولة في المنصب، بل في الرؤية التي تُحوّل الوزارة إلى مشروع حضاري، والوزير إلى بصمة في تاريخ الأمة، يترك وراءه متى غادر بنيات قوية، وأثرا دائما ومنتجا في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيداغوجية مهما كان مجال عمله.
على سبيل الختم.
الواقع أن رجل الدولة “ظاهرة نادرة” في زمن التسطيح. ومن المؤكد أن منجم الوزراء الآتين من الأحزاب أحيانا يكون منبعا لتطعيم مصدر رجال الدولة.
في عصر تسوده “ثقافة الإنفوجرافيك السريع” واللامع والمُلوَّن، التي يعتقد البعض أنها تصنع “بورتريها حقيقيا وثابتا وممتلئا لوزير ناجح”، قد يُصبح رجل الدولة ضحية لـ”الاستعجال السياسي” وللتسابق تجاه “السلالم المتحركة” نحو الأعلى، دون اعتبارٍ للرؤية وللغاية الكونية والنبيلة، ولضرورة موازاة تحديد الأهداف البراغماتية والإيديولوجية من أجل الرُّقي الحِزبي. لكن التاريخ، كما يذكرُنا ابن خلدون، يُكرّم فقط أولئك الذين “يبنون في العُمق”، وليس الذين “يُرقّعون في السطح”؛ فكما أن “الدولة جسد” بحسب تعبيره فإن رجل الدولة هو “الطبيب الحكيم” الذي يسمو ببنياتها بوصفات الاستدامة، وليس بالمسكنات المؤقتة، ولنا في ما يقوم به جلالة الملك محمد السادس حفظه الله نموذج يُحتذى.
لكن وفي السياق نفسه فغالبا ما لا يتعلم الإنسان الخلاصات الكبرى من الحياة والوجود، إلا بعد فوات الأوان، وهو ما تعبر عنه الحكمة القائلة إن “التاريخ يعلمنا أن الشعوب والحكومات لا تتعلم في الكثير من الأحيان شيئاً من التاريخ”.
يظل رجل الدولة بالمعنى النبيل في الغالب الأعم هو الاستثناء، فهو الذي يتعلم من الماضي ليبني مستقبلاً أفضل، ولو كان في زمنه غير مفهوم – من العامة بل ومن النخبة أحيانا – التي من أجل الوطن ومن أجلها يرى بعيدا.
The post الوزير ورجل الدولة.. المؤقت العابِر والدائم الباصِم appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مؤلف المقال : إدريس القُرّي
بين المفهوم اللغوي والقانوني للمنافسة تحدد اختصاص مجلسها
أثار تدخل مجلس المنافسة في النقاش الدائر حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاما…










