Home الصحافة المغربية اخبارنا بوسحابة يكتب: “المغرب بلاد الشرفة ولي حك عليه غدي يخلص غالي طال الزمان أو قصر”

بوسحابة يكتب: “المغرب بلاد الشرفة ولي حك عليه غدي يخلص غالي طال الزمان أو قصر”

بوسحابة يكتب: “المغرب بلاد الشرفة ولي حك عليه غدي يخلص غالي طال الزمان أو قصر”

<p>بعد سنوات طويلة من القطيعة التي لم تكن مجرد غياب للعلاقات الدبلوماسية، بل كانت امتدادًا مباشرًا لاصطفافات إقليمية حادة أعادت رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تعود العلاقات بين المغرب وسوريا إلى الواجهة من بوابة زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى الرباط. حدث من هذا النوع لا يُقرأ كخبر بروتوكولي عابر، بل كلحظة سياسية كثيفة الدلالات، تختزن طبقات من التاريخ، وتكشف في الآن نفسه كيف تعيد الدول ترتيب حساباتها حين تتغير موازين القوة، وتنكشف كلفة الخيارات التي ظُنّ يومًا أنها نهائية.</p> <p>حين قرر المغرب، في ذروة الأزمة السورية، قطع علاقاته مع دمشق، لم يكن ذلك موقفًا انفعاليًا ولا قرارًا ظرفيًا، بل ترجمة واضحة لثوابت راسخة في العقيدة الدبلوماسية المغربية، قوامها عدم التساهل مع أي دعم أو تغاضٍ عن مشاريع تستهدف الوحدة الترابية للمملكة، أيًّا كان مصدرها أو سياقها. كانت الرسالة آنذاك صريحة لا لبس فيها: لا يمكن بناء علاقات طبيعية مع أطراف تتبنى أو تتساهل مع أطروحات تمس وحدة الدول. ومنذ تلك اللحظة، ظل الموقف المغربي ثابتًا، لا تحكمه تقلبات اللحظة السياسية، بينما كانت المنطقة كلها تعيش على وقع تحولات متسارعة، وتحالفات تتبدل، ومعادلات تتكسر وتُعاد صياغتها.</p> <p>وفي المقابل، تُظهر التجربة الإقليمية خلال العقود الأخيرة أن عدداً من الدول التي اختارت الاصطفاف مع مشاريع انفصالية أو الدخول في تقاطعات سياسية مع النظام الجزائري في هذا الملف، وجدت نفسها في مسارات معقدة لم تكن في الحسبان. فبدل أن تُنتج تلك الاختيارات استقرارًا أو مكاسب استراتيجية، قادت في حالات متعددة إلى اختلالات داخلية عميقة، تجلت في أزمات سياسية، واضطرابات أمنية، وانقلابات، وتراجع واضح في قدرة الدولة على ضبط مؤسساتها ومجالها الترابي. ومن ليبيا إلى مالي، مرورًا بسوريا ودول الساحل الإفريقي، تتكرر المشاهد نفسها وإن اختلفت السياقات: دول تُستنزف داخليًا، وتُدفع إلى إعادة تعريف أولوياتها تحت ضغط الوقائع لا تحت تأثير الشعارات.</p> <p>في جوهر هذه التحولات، تتضح فكرة مركزية هي أن الاستثمار في الصراعات المفتوحة أو في دعم مشاريع التفكيك لا يُنتج استقرارًا مستدامًا، بل يُراكم كلفة سياسية وأمنية واقتصادية تدفع الدول لاحقًا إلى مراجعة خياراتها، والعودة إلى منطق البراغماتية والتوازن بعد فوات الأوان.</p> <p><img class=”__mce_image” src=”https://www.akhbarona.com/files/2026/baurita2_1778846462.webp” border=”0″ width=”400″ /></p> <p>اليوم، ومع عودة القنوات الدبلوماسية بين الرباط ودمشق، لا يبدو أن المغرب هو من غيّر موقعه أو راجع ثوابته، بقدر ما يبدو أن السياق السوري نفسه دخل مرحلة إعادة تموضع بعد سنوات من العزلة وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية. وبهذا المعنى، فإن الرسالة الأولى التي يبعث بها هذا التطور، داخليًا وخارجيًا، هي أن الدبلوماسية المغربية ليست سياسة رد فعل، بل مدرسة قائمة على الانسجام مع الذات. دولة تُراكم مواقفها بهدوء استراتيجي، وتضع في صلب أولوياتها ثوابت لا تخضع للنقاش، وفي مقدمتها الوحدة الترابية، بينما تترك لباقي الملفات هامشًا مرنًا للتكيف مع التحولات الدولية. وهنا تتضح المفارقة: ما يبدو &ldquo;عودة علاقات&rdquo; ليس مراجعة لموقف، بل إعادة تأكيد لصوابيته بعد اختبار الزمن.</p> <p>أما الرسالة الثانية، فهي أوسع نطاقًا من الحالة السورية، وتمتد إلى محيط إقليمي ودولي عرف خلال العقدين الأخيرين سلسلة من الاضطرابات التي أظهرت بوضوح أن رهانات تفكيك الدول أو استثمار الانقسامات الداخلية لا تقود إلا إلى نتائج عكسية. فمن سوريا إلى ليبيا، ومن مالي إلى دول الساحل، تتكرر أنماط الانهيار السياسي والأمني، حيث تضعف المؤسسات، وتتآكل الدولة من الداخل، وتُفرض إعادة ترتيب الأولويات تحت ضغط الضرورة لا الاختيار.</p> <p>وحتى في نماذج أخرى في إفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية، تختلف السياقات لكن تتقاطع النتيجة: أي دولة تنخرط في منطق الاصطفاف الحاد أو إدارة الصراع كخيار استراتيجي دائم، تجد نفسها في النهاية أمام كلفة ثقيلة، تُجبرها على إعادة التموضع وتصحيح المسار تحت ضغط الواقع.</p> <p>من هنا، يبرز البعد الأعمق لهذا التطور: ليس فقط في إعادة فتح صفحة بين المغرب وسوريا، بل في كون الزمن السياسي نفسه يُعيد فرز المواقف. منطق &ldquo;استهداف استقرار الدول&rdquo; أو &ldquo;رهان التفكيك&rdquo; يتراجع تدريجيًا أمام منطق أكثر براغماتية يقوم على الاعتراف بالسيادة وبأولوية الاستقرار كشرط لأي علاقة دولية قابلة للاستمرار.</p> <p>وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بحدث دبلوماسي معزول، بل بتأكيد أن بعض المواقف تُبنى لتصمد، وأن الزمن، مهما طال، لا يعيد كتابة الحقائق بقدر ما يكشفها. المغرب، في هذا السياق، يواصل تثبيت موقعه كدولة تراهن على النفس الطويل، حيث تُقاس السياسة بقدرتها على الصمود أمام الزمن، لا بوهج اللحظة.</p> <p>&nbsp;</p>

مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

one × five =

Check Also

الزياني يستنفر هيئات المحامين لاجتماع طارئ

استدعى الرئيس النقيب للأستاذ الحسين الزيلاني، باسم جميع هيئات المحامين بالمغرب، لعقد اجتما…