بين التهجير والإجلاء

في وقت الشدائد تظهر معادن الرجال، وهذه خِصال المغاربة عبر ربوع الوطن، سواء على مستوى مؤسسات الدولة (قوات مسلحة ملكية، درك ملكي، وقاية مدنية، الأمن الوطني، السلطات المحلية من ولاة وعمال وقياد وأعوان السلطة ومنتخبين)، أو على مستوى الأفراد أو المجتمع المدني بمختلف أطيافه.
هكذا نحن المغاربة، دوماً وعبر العصور، ننتفض لنصرة المظلوم، ونمد يد العون والإغاثة للمستضعفين. ولعل المحك الحقيقي هو الأزمات التي مرت منها المملكة المغربية، والتي أبانت عن تماسك المغاربة قاطبة، وبكل ربوع المملكة، وحتى خارج التراب الوطني؛ فمغاربة العالم ينتفضون لتقديم المساعدة والدعم.
ولعل في قصة الطفل ريان العبرة لمن يعتبر. هذه أخلاق المغاربة، وهذه تربية الملوك التي عهدناها. إلا أن هذا الإجماع الوطني قد يجد صوتاً نشازاً يغرِّد خارج السرب، وخارج سُلَّم الإيقاع الموسيقي واللحن العام، حباً في الظهور بمظهر الاختلاف، من منطق “خالف تُعرف”، أو خدمة لأجندة خارجية، أو تضليلاً للرأي العام. ففي الوقت الذي اجتاحت فيه الفيضانات مدناً مغربية عدة، كالقصر الكبير والمناطق الشمالية ومدن أخرى بإقليم سيدي قاسم وإقليم سيدي سليمان، قامت السلطات على الفور بعمليات استباقية حماية للأرواح أولاً، من خلال عملية إجلاء استباقي للسكان، وهي عملية احترازية الهدف منها حماية الأرواح وإبعادهم عن مناطق الخطر.
وهذا الإجراء معمول به دولياً، وهو الأمر الذي قامت به الحكومة الإسبانية والبرتغالية عقب الفيضانات الأخيرة، حيث قامتا بإجلاء احترازي في تناغم تام مع واجب الدولة تجاه مواطنيها، الأمر الذي أشادت به كل المنابر الإعلامية، كما أشادت بالتجربة وبالخبرة المغربية المتميزة في هذا المجال، والمعتمدة على مؤسساتها الوطنية وسواعد رجالها ونسائها ومتطوعي المجتمع المدني.
وفي ظل هذا الزخم الإعلامي والإشادة الدولية بمجهودات السلطات المغربية، والتجربة الرائدة لكل فرق الإنقاذ والعتاد المتقدم المخصص لهذه الظرفية، يطل علينا من نافذة منبرنا الإعلامي العمومي صوت نشاز لا يمثل صوت المغرب في شيء إلا عنوان موقعه الإلكتروني، وهو يتقاذف بالمصطلحات العدمية كما تتقاذف أمواج البحر بقايا حطام قارب الهجرة السرية، من قبيل مصطلح (التهجير) وإقحامه رغماً عنه في كل الإجراءات التي اتخذتها السلطات من أجل حماية مواطنيها، في محاولة بائسة لتبخيس عمل السلطات، وضرب صورة المغرب، وإذكاء نوع من انعدام الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
المسكين ربما اختلطت عليه المفاهيم والمصطلحات، رغم أن الفرق واضح وضوح الشمس في نهار جميل. فبين التهجير والإجلاء، يبان ليك الفرق يا مسكين.
وإليك بعض الشروحات البسيطة، وبلغة “الخشيبات”، حتى تعي الفرق الجوهري الذي حاولت طمسه بين هوامش الكلمات العابرة، في محاولة يائسة لتضليل الرأي العام.
فمصطلح الإجلاء هو إجراء مؤقت تفرضه الضرورة القصوى والظروف الطارئة، كما هو حال الفيضانات والكوارث الطبيعية، حيث تقوم الدولة في إطار دورها الدستوري في حماية الحق في الحياة، بنقل المواطنين من حالة الخطر إلى بر الأمان. وهو أسمى درجات الرعاية، كما يندرج في أدوارها البنيوية في إدارة الأزمات، وهي بذلك تضع رهن إشارتها كل الوسائل والإمكانيات لتحقيق هذه الغاية.
أما مصطلح التهجير، فهو انتزاع حق المواطنين قسراً وإجبارهم على مغادرة منازلهم دون ضمان العودة، كالتهجير القسري للمواطنين أثناء الحروب والنزاعات المسلحة أو التطهير العرقي. وهنا يكون عنصر الإكراه والإجبار أساس هذه العملية، وهو ما قامت به الدولة الجزائرية ضد المغاربة المقيمين بأراضيها بتهجيرهم قسراً من منازلهم وحرمانهم من ممتلكاتهم ومن أضحية العيد.
وبلغة القانون الدولي، فالتهجير القسري هو ترحيل الأشخاص من أماكن إقامتهم أو أراضيهم دون إرادتهم الحرة، وباستخدام القوة أو التهديد، ويندرج ضمن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان وجرائم الحرب، والتي تستوجب المتابعة وفقاً للقانون الدولي، والتي لا تسقط بالتقادم لكونها تمس الإنسانية وتهدد السلم والأمن الدوليين. وكمثال على ذلك، التهجير القسري الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني منذ النكبة لسنة 1948.
كما أن المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 ذهبت إلى حظر النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص، أو نفيهم من مناطق سكناهم إلى أراضٍ أخرى.
وفي قرارها رقم: 2675، أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أنّه “لا يجوز أن يكون السكان المدنيون، أو الأفراد منهم، عرضة للنقل القسري”.
وفي قرارها رقم: 3318 بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة، والذي تم اعتماده سنة 1974، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن “الإرغام على النزوح القسري الذي يرتكبه المتحاربون في سياق العمليات العسكرية أو في الأراضي المحتلة، يعتبر جناية”.
وفي الختام، أذكّرك بخطاب جلالة الملك، لعلى الذكرى تنفع المؤمنين: “إما أن يكون المواطن مغربياً أو لا”، خصوصاً في ظرفية الكوارث والأزمات، والتي تفرض بالضرورة التحاماً وطنياً وشعبياً، وبث روح الثقة في مؤسسات الدولة، عوض زرع اليأس وتضليل الرأي العام، خصوصاً من صحافي مهني وجب عليه ضبط المفاهيم والمصطلحات، والالتزام بميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة والنشر، كما يفرض عليه الانتماء الوطني الاطلاع على منابر إعلامية معادية تردد نفس المصطلح، وتأكل “التوم بفيه وما فيه”. وهنا المحك الحقيقي لمعرفة معادن الرجال، لدى هم خالدون على مر العصور.
The post بين التهجير والإجلاء appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المنتدى البرلماني الدولي: السياسات المنصفة رهان بناء مجتمعات أكثر صمودا
زنقة20ا الرباط تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس انطلقت يوم الإثنين 09 ف…











