بين الوهم والواقع: قراءة في بيان وكالة الانباءالجزائرية بعد صدمة القرار الأممي
لم تمضِ سوى ساعات على صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 (2025) حول الصحراء المغربية، حتى سارعت وكالة الأنباء الجزائرية بعد ان استفاقت من الضربة القاضية التي تلقتها على قفاها إلى إصدار بيان مرتبك تزعم فيه أن الجزائر حققت “انتصارًا دبلوماسيًا هادئًا”، بعدما “أحبطت محاولة لتفريغ القضية الصحراوية من جوهرها”. بيانٌ لا يمكن قراءته إلا باعتباره محاولة لتغطية الهزيمة الدبلوماسية التي تلقتها الجزائر مجددًا أمام المجتمع الدولي، وتحويل واقع الإقصاء والعزلة إلى “ملحمة إنجاز” لا يراها إلا أصحابها.
القرار الأممي كان واضحًا في مضمونه ومقصده. فقد أكد، وبأغلبية ساحقة، دعم مجلس الأمن للمسار السياسي القائم على مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية باعتبارها الحل الوحيد الواقعي والجاد للنزاع المفتعل. كما جدد الإشادة بالجهود المغربية وبانخراط المملكة البناء مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا. وفي المقابل، تجاهل القرار تمامًا كل الصيغ التي كانت الجزائر تحاول الترويج لها، وأعاد التأكيد على الثوابت الأممية التي تعتبر الجزائر طرفًا معنيًا بالنزاع وليس مراقبًا محايدًا كما تدّعي.
الجزائر لم تشارك في التصويت ولم يكن لها أي دور في صياغة القرار، ومع ذلك خرجت لتقدّم للرأي العام المحلي “بطولة وهمية” تزعم فيها أنها منعت تقليص ولاية بعثة المينورسو إلى ثلاثة أشهر. غير أن الوقائع تكشف أن مشروع القرار لم يتضمن أصلًا أي اقتراح رسمي بهذا المعنى، بل كانت المسألة مجرد نقاش تقني داخلي بين أعضاء المجلس حول تقييم عمل البعثة، وهو نقاش يُطرح سنويًا في كل التجديدات الدورية. تجديد الولاية لمدة عام كامل هذا هو الإجراء المعتاد منذ سنوات ولم يكن ثمرة ضغط من الجزائر ولا من سواها. إنها محاولة أخرى لتسويق الوهم، بعدما فشلت الجزائر في إقناع أي طرف مؤثر بوجاهة أطروحتها الانفصالية.
ويواصل البيان الجزائري تقديم بلده باعتباره “صوت إفريقيا المدافع عن العدالة والحرية”، لكن المفارقة أن هذا الخطاب الحقوقي لا يُستعمل إلا خارج حدود الجزائر. فلو كانت القيادة الجزائرية مؤمنة فعلًا بحق الشعوب في تقرير مصيرها، لبدأت من داخل حدودها، حيث تعيش مكونات تطالب منذ عقود باعتراف ثقافي وسياسي في منطقة القبائل والطوارق. المبدأ الذي يُرفع في وجه المغرب لا يُسمح بتطبيقه في الداخل الجزائري، وهذا وحده كافٍ لإسقاط ورقة الأخلاق التي تحاول الدبلوماسية الجزائرية التستر خلفها.
أما الحديث عن “إعادة القضية إلى إطار تصفية الاستعمار” فيبدو تكرارًا لشعار تجاوزه الزمن. فالأمم المتحدة نفسها لم تعد تتحدث عن “استفتاء تقرير المصير” منذ أكثر من عقد ونصف، بعد أن تبيّن استحالة تطبيقه عمليًا وقانونيًا. كل القرارات الأممية المتتالية منذ سنة 2007 تتحدث حصريًا عن “حل سياسي واقعي ومتوافق عليه”، وهي صيغة جاءت مباشرة بعد تقديم المغرب لمقترحه الجاد بشأن الحكم الذاتي. من هنا يظهر أن الخطاب الجزائري يعيش خارج السياق الأممي، متمسكًا بلغة مرحلة انتهت، وكأن الجزائر لا تريد أن تصحو من حلمها القديم الذي تأسس على عناوين منقرضة.
في المقابل، يواصل المغرب ترسيخ حضوره على الأرض وفي المؤسسات الدولية. أكثر من ثلاثين دولة فتحت قنصلياتها في العيون والداخلة، والاتحاد الإفريقي لم يعد يعترف بالكيان الوهمي كفاعل في أي مسار رسمي. كما أن الدول الكبرى — من الولايات المتحدة وفرنسا إلى إسبانيا وألمانيا — باتت تعتبر مبادرة الحكم الذاتي الإطار الواقعي الوحيد للحل، وتتعامل مع المغرب كشريك استراتيجي في الاستقرار الإقليمي. هذه التحولات الجيوسياسية جعلت الخطاب الجزائري يبدو بلا سند ولا صدى، مجرد تكرار لأسطوانة قديمة فقدت قدرتها على الإقناع.
أما حديث الجزائر عن “رصانة في الإقناع وثبات على المبدأ” فهو محاولة لتجميل حالة الجمود. فالدبلوماسية الجزائرية لم تعد تملك أدوات الفعل ولا مقاعد التأثير. لا موقع تفاوضي حقيقي، ولا تحالفات قادرة على كسر الإجماع الدولي حول الطرح المغربي. بقي لها فقط خطاب عاطفي موروث من زمن الثورات، يُستعمل لتعبئة الداخل وتغطية العجز الخارجي.
ما جرى في مجلس الأمن ليس مجرد نقاش إجرائي حول بعثة المينورسو، بل هو ترسيخ نهائي لتحول الشرعية الدولية نحو المقاربة المغربية الواقعية. لقد انتقل الملف نهائيًا من منطق الاستفتاء إلى منطق الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية. وبينما يزداد هذا التحول وضوحًا، تزداد الجزائر تمسكًا بخطابها الدفاعي، محاولةً تحويل العزلة إلى بطولة، والفشل إلى حكمة، والخسارة إلى “نصر هادئ”. لكن الحقيقة التي لم تعد تخفى على أحد هي أن العالم يتحدث اليوم بلغة واحدة: احترام الوحدة الترابية للمغرب ودعم مبادرته الجادة كأساس وحيد للتسوية.
إن بيانات وكالة الأنباء الجزائرية، مهما حاولت تزييف المعاني، لا تغيّر من الواقع شيئًا. فالمغرب يراكم الاعترافات والإنجازات، ويعمّق حضوره الدبلوماسي والسياسي في القارة وخارجها، فيما تواصل الجزائر الدوران في دائرة خطابها القديم. لقد أسدل مجلس الأمن الستار على مرحلة وفتح أخرى عنوانها الواقعية والتعاون الإقليمي. أما الجزائر، فبقدر ما تلوذ إلى خطاب المظلومية وتستنجد بالشعارات، بقدر ما تكشف أنها تدور خارج الزمن الدبلوماسي، وأنها فقدت القدرة على قراءة التحولات الجديدة في المنطقة والعالم. وسيبقى صوت الحقيقة أوضح من كل ضجيج: الصحراء مغربية، وستظل كذلك، بحكم التاريخ والشرعية والاعتراف الدولي المتزايد، شاء من شاء وأبى من أبى.
الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية يقودان تحول إفريقيا نحو أنظمة صحية أكثر صمودا واستباقية
جيتكس مستقبل الصحة في إفرقيا المغرب، الذي تنطلق دورته الأولى من 4 إلى 6 ماي، يسلط الضوء عل…







