Home طنجة-تطوان-الحسيمة تطوان تاكسي إلى فندق “أمنية” في طنجة !

تاكسي إلى فندق “أمنية” في طنجة !

تاكسي إلى فندق “أمنية” في طنجة !

يستغرق “البُراق” من الرباط إلى طنجة أقلّ من ساعة وربع. معجزة حقيقية لمن تعوّد على القطارات القديمة والبطيئة، التي كانت تشبه سلاحف من حديد. حتى التذكرة يمكن أن تشتريها بسهولة على الأنترنيت أو الشبّاك الآلي دون حاجة للوقوف في طابور طويل. الحقيقة أنك عندما تركب القطار فائق السرعة من “رابا-أكدال”، لا تحس أبدا أنك في المغرب بل في إحدى الدول الأوربية. لقد عبرنا إلى الجهة الأخرى بنجاح، المقاعد أنيقة ومرقمة والمواعيد سويسرية، لا يتأخر دقيقة واحدة، وحين تنزل في محطة طنجة تعتقد أنك في لندن أو طوكيو أو نيويورك… لقد تقدم المغرب كثيرا، وهو شيء يثلج الصدر، المشكلة الوحيدة أن “حتى زين ما خطاتو لولا”، ما إن تخرج من المحطة حتى تكتشف أن “البراق” مجرد وصلة دعائية لمغرب وهميّ، يختفي الخيال وتبدأ الحقيقة، ينتهي الماروك ويبدأ المغرب، وتكتشف السرعتين اللتين تحدث عنهما الخطاب الملكي بدقة ثاقبة : سرعة “البراق” وسرعة التاكسي الطنجاوي الأزرق ذي الخط الأصفر !

أكثر من ثلاثين سيارة أجرة ترابض أمام المحطة، ولا أحد يريد أن يأخذك، بحجة أن العنوان الذي تودّ الذهاب إليه لا يحقق له ربحا وفيرا. كأن سيارة الأجرة استحدثت فقط للمشاوير البعيدة. بدل نقل الزبائن إلى وجهاتهم بالتتابع، كما في كل محطات العالم، يحدد لك سائقو طنجة الوجهة، ويرفضون نقلك إذا لم يعجبهم الاتجاه، رغم أن القانون واضح : سيارات الأجرة تشتغل بالعداد، وفق أسعار محدّدة، ومهمتها نقل الزبون للوجهة التي يريد داخل المدينة، ومن يرفض ذلك يرتكب مخالفة تستوجب سحب الرخصة.

لكن في طنجة، يُخْرَق القانون يوميا أمام أنظار السلطات دون أن يزعج ذلك أحدا، ما عدا المواطن الذي يذهب ضحية جشع مهنة فوضوية. الوضع يسيء إلى السياحة الوطنية، في مدينة استراتيجية مثل طنجة، لأن الزائر يشعر كأنه سقط في كمين، يستدرجه “البراق” بسرعة إلى تاكسيات تمارس النصب والابتزاز !

كلما اقتربتَ من أحدهم وسمع وجهتك، يهز رأسه متأسفا: “لا ماماشيش أخاي !” أًو يقترح أن يأخذك إن دفعت له أربع مرات سعر المشوار، كأنك في سوق لبيع الماشية…

تجرّ حقيبتك وتجلس في أول مقهى كي تفتش بهدوء عن حلّ، تشرب قهوة لم تكن في الحسبان، تنظر إلى الساعة وتتساءل: لماذا نضيّع النقود في قطار فائق السرعة إذا كان الوقت الذي ستربحه بين الرباط وطنجة ستفقده وأنت تفتش عن تاكسي؟ تتأمل مفارقات البلاد التي ما إن تقلع حتى ترجع “مارشاريير”. “البراق” في النهاية اسم على مسمّى: رغم أنه يطير بسرعة البرق، فإنه مجرد حيوان، أي أننا لم نخرج من عصر الدوابّ، لذلك بالضبط تشعر أنك تتحدث مع “شنّاق” وليس مع سائق أجرة !

غادرت المقهى وقررت وضع أصحاب التاكسيات الطنجاوية أمام مسؤوليتهم. سأركب في أول سيارة دون استشارة السائق، وأخيّره بين وجهتين : الفندق أو الكومياسرية !

“اللي فْراس الجمل فراس الجمّال”. كل السيارات المركونة أبوابها مقفلة بإحكام، تفاديا لأن يقتحمها زبون غاضب.”بعت حماري” وقررت المشي على الأقدام، في تلك اللحظة بالضبط، فتح أحد السائقين بابه وسألني عن الوجهة، ثم دعاني للركوب، ليس لأنه تعاطف معي، بل لأنه “اصطاد” زبونا في الاتجاه نفسه، تفاوض معه على السعر طبعا. اكتشفت بسرعة أن الراكب مهاجر لا يعرف العربية، أعطاه خمسين درهما من المحطة إلى فندق قريب !

ما تبقى من الطريق قضيته أتناقش مع السائق، الذي انبرى يدافع عن “حقه” مع زملائه في خرق القانون، لأن السلطات لا تريد الإستماع إلى مطالبهم، ولا تريد تغيير تسعيرة طنجة، التي تعدّ الأرخص في المغرب كله، والعهدة عليه…

أعطيته عشرين درهما لمشوار لا يتعدى خمسة دراهم، ثم دخلت إلى الفندق. اسمه “أمنية”، تكتشف بسرعة أنه اسم على مسمى : المكان مجرد “أمنية” لم تكتمل. كانوا يريدون إنشاء فندق وطلع لهم شيئ آخر تماما… هناك مسبح ومطعم ومرافق كثيرة، لكنها تعاني من سوء فظيع في التدبير والعلاقة مع الزبائن. فندق من أربع نجوم، مطفأة تماما. الغرف عتيقة ومهترئة. تضع تلفونك ليُشحن وحين تسحب “الشارجور” تكتشف أنك جررت معه “البريز” من فرط تقادمه. تفتح الماء وتجد قطعة حديد في يدك، لقد تكسر الصنبور! كل شيء يتفكّك، فيما يسيل الماء من الحمام طوال الوقت. أخبرت الاستقبال بوجود “فويت”، وتهالك الغرفة، لكنني اكتشفت أن ذلك آخر همهم !
معظم العاملين في “أمنية” لا علاقة لهم بأبجديات العمل الفندقي، خصوصا في المطعم، حيث تشتغل نادلات عدوانيات من ضحايا إفلاس المنظومة التربوية، لا أعرف أين عثروا عليهن. “السيرفيس” كله “بالجميل”، كأنها تمنّ عليك…

لنكن جديين، هل بهذه البينات الفندقية والسياحية المهترئة، وبهذه الخدمات الأقرب إلى النصب والابتزاز، سننظم كأس العالم ونستقبل مزيدا من السياح؟

غادرت الفندق مع “أمنية” واحدة: ألا أعود أبدا إلى طنجة!

إدارة بريس تطوانمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

2 × 2 =

Check Also

تطوان: اصطدام قوي بين سيارتين يخلف خسائر مادية دون إصابات

إدارة بريس تطوان مصدر …