ترجمة “الزفاف الخرافي للبولندي” .. استرداد السرد المغربي لفؤاد العروي

صدرت، أخيرا، عن دار توبقال للنشر، بدعمٍ من مجلس الجالية المغربية بالخارج، الترجمةُ العربيةُ للمجموعة القصصية “الزّفاف الخُرافي للبولندي” للكاتب المغربي بالفرنسية فؤاد العروي؛ وهي الترجمة التي أنجزها محمد جاتم، فيما تولّى مراجعة الترجمة وكذا تقديم هذه المجموعة القصصية الأديب ياسين عدنان. وفيما يلي نصّ التقديم الذي تصدّر هذه الترجمة الجديدة لمجموعة فؤاد العروي القصصية: على سبيل التقديم حين تشرع في قراءة قصة قصيرة أو رواية لفؤاد العروي سرعان ما ستُخمِّن جنسية الرجل: إنّه كاتبٌ مغربيّ. مغربيٌّ جدّا. حتى أنّه يكتُب أحيانا بالدَّارِجة؛ فالرّجل يعرف كيف يُفسِح المجال لدارجَتِه المغربية لكي تتسلَّل إلى مسامِّ فرنسيَتِه الأنيقة دون أن يَنتهِك حُرمة الفرنسية أو يخدش كبرياءها. لأجل ذلك، اعتبَرْتُ دائما حاجة أعمال فؤاد العروي إلى الترجمة إلى العربية مُلِحَّة؛ بل وضرورة قصوى. فهي ليست مجرّد تفاعلٍ ثقافي وأدبي محمودٍ بين الآداب واللغات، بل هي أقرب ما يكون إلى عملية “استرداد”. فترجمة فؤاد العروي إلى العربية تُعتبَر إعادة لهذه النصوص إلى فضائها الحكائي الطبيعي. حتى الشخوص سيستعيدون تلقائيتهم وانسجامَهُم داخل الحوارات التي تألَّق العروي في “تهجيرها” إلى الفرنسية، لكنَّ أصلَها هنا: في لغات المغاربة، وأمزجتهم، وطُرق تفكيرهم، ومنطقهم، ومُتخيَّلهم، وعلاقاتهم المُلتبسة مع العالم والناس. فعْلُ “الترجمة”، إذن، هو ما أنجزه فؤاد العروي في أعماله المكتوبة بالفرنسية. أمّا نقلُ تلك “الترجمات” إلى العربية فهو، حقّا لا مجازا، سعيٌ مشروعٌ، شاقٌّ وشيّقٌ، إلى إعادة مياه فؤاد العروي السردية إلى مجراها الأول. حين تُرجِمَ كتاب “الإسلام والتحليل النفسي” للتونسي فتحي بن سلامة من الفرنسية التي كُتِب بها إلى العربية، لم يتردّد هذا الأخير في الإقرار بأنّ الترجمة العربية هي الأصل. كذلكَ قصصُ العروي ورواياته، أصلُها العربي المغربي ثابت ينتظر فقط أن تُنصِفهُ عملية “استرداد” هذه النصوص. بيد أنَّ الاشتباك مع أعمال فؤاد العروي الروائية والقصصية بغايةِ ترجمَتِها يقتضي من المترجم تملُّكا تامّا للّغتين الفرنسية أوَّلا، ثمّ العربية بوجْهَيها الفصيح والدّارج، وكذا وعيا ثقافيّا بالعمق المغربي لمشروع هذا الكاتب المنخرط بتَفانٍ في مَغْرَبَة الكتابة الأدبية وتبْيِئَتها في التّربة السوسيوثقافية الأصلية؛ ممّا يجعلُه كقاصّ أقرب إلى إدريس الخوري ومحمد زفزاف منه إلى نُظرائه الفرنسيين من حفدة موباسان. وإذا كان زفزاف والخوري قد توفّقا في تخليص القصة المغربية من مشرقيّتها لينفخا فيها روحا مغربية خالصة، فقد نجح العروي هو الآخر، من داخل الفرنسيةِ لغة وثقافة، في القبض على الرّوح المغربية والكتابة بها. ومن ثمّ، أجده أقرب كُتَّاب القصّة بالفرنسية إلى نُظرائه المُعرَّبين. والطريفُ هو أنّ تجذّر أعمال العروي القصصية والروائية في التّربة المحليّة واشتباكَها مع مُفارقات الحياة اليومية في مُدُن الهامش وهوامش المُدن، وانتصارَها للوجدان المغربي، كلُّ ذلك لم يَنَلْ من إشعاعها؛ بل بالعكس منحَها قيمة مُضافة أهّلَتْ فؤاد العروي لاقتناص أرفع الجوائز الأدبية. ونذكر من بين هذه الجوائز جائزة الݣونكور التي حصل عليها عام 2013 عن مجموعته القصصية الشيقة “القضية العجيبة لبنطال الداسوكين”، وجائزة جان جيونو التي نالها سنة 2014 عن روايته الشهيرة “مِحَن السجلماسي الأخير”، إضافة إلى الميدالية الكبرى للفرنكوفونية التي منحتها له الأكاديمية الفرنسية. يبدو فؤاد العروي في كتابته أشبه ما يكون باللاعب العصري الذي يلعب كرة بسيطة ناجعة؛ لكن ما إنْ تطمئنّ إلى أسلوبه في اللعب حتى يفاجئك بمهاراتٍ عالية ومراوغاتٍ مذهلة. فاللغةُ سلسة ومُحكَمة في الآن نفسه، والسَّردُ شيّق. لكن على القارئ أن يأخذ حذره. ففي أيّة لحظة قد يفاجئه الكاتب بتلاعُبه الذكي اللذيذ بالكلمات والحوارات، باستطراداته الفَطِنة المُتبَّلة، وكذا بحسِّ الدُّعابة العالي لديه، وبروحه المرحة التي تبدو في البداية بريئة بيضاء، قبل أن تتحوّل بالتدريج إلى سخرية لاذعة من البيروقراطية والتسلُّط، وكذا إلى هجاء لاسع للتفاهة المُستشرِيَّة والغباء الذي استفحل بين الناس. ثمّ إنّ على القارئ أن يحتاط، إذ قد ينطلق الكاتبُ في سرده من أحداث حقيقية لينعطف فجأة نحو مداراتٍ متخيَّلَة، بعد أن يكون قد طمس في غفلةٍ منه الحدود الفاصلة بين كليهما. فالرجل يعرف كيف يخلط في طواجينه السردية معطيات الواقع والتاريخ بالإثنولوجيا والأنثروبولوجيا بعد أن يضيف إليها بهاراته الخاصَّة المميّزة. هذه الخلطة العجيبة التي يُجيدها فؤاد العروي هي سرُّ جاذبيّته. لذا، حينما طلب منّي الصديق محمد جاتم مراجعة ترجمته لهذه المجموعة لم أقاوم هذه الدعوة المُغرية لولوج ورشة المترجم، خصوصا أنها تُتيح لي فرصة نادرة للتّسلُّل إلى مطبخ أحد أهمّ كُتَّاب القصة المعاصرين. هكذا، رحّبتُ بالفكرة بلا تردُّد. وسرعان ما وجدتُ نفسي منخرطا في تجاذُبٍ حيويٍّ مشوِّق مع المترجم. فهو مُعجَبٌ بالجملة القصصية لدى فؤاد العروي. كلما بدَتْ هذه الجملةُ طويلة، مركّبة، مثقلة بالاستطرادات والإضافات والجمل الاعتراضية، تحمّس لها جاتم أكثر وعكف عليها مُقتفيا أثرَ الأصل في الترجمة حريصا على نقل حيويتها المعقَّدة بدقّة ووفاء؛ فيما كنت أحاصِرُه بتمَسُّكي “الأرثودوكسي” ببنية الجملة العربية، واعتمادِها مرجِعا في بناء الجملة المُتَرجَمَة. فحينما ننقل نصّا من لغة أخرى إلى العربية، تصير اللغةُ الهدفُ أصلا. أو على الأقل: بنية الجملة العربية هي الأصل. وهنا، احتدم النقاش بيني وبين المترجم في أكثر من موضع. ففؤاد العروي يعتمد في كتابته بشكل واضح على الجمل الاعتراضية (تدقيق، توجيه، تصويب، معلومة…). بل إنّه لا يتحرَّج من مباغتة قارئه بجملة اعتراضية داخل جملة اعتراضية أخرى. وهو ما يجعلنا نرى الشَّرْطَة والقوس والفاصلة ومعهم علامة الاستفهام أو التّعجب مترادفين داخل الجملة الواحدة. وهو مَلمحٌ نادرٌ في الكتابات باللغة الفرنسية، وهذه إحدى أوجُه الصُّعوبة في التعامل مع ترجمة أعمال فؤاد العروي. ولعلها من أسباب تهيُّب المترجمين من الاشتباك مع مُنجَزه السردي، إذ ينبغي الاختيار بين نقل هذه الخاصية الفريدة إلى اللغة العربية، مع ما يمكن أن يترتّب عن ذلك من غرابة في التركيب، وبين إعادة صياغة الفقرات والجمل بما يتماشى مع بنية الجملة العربية في سلاستها المعتادة، مع ما يفتحنا عليه هذا الخيار من احتمالِ تبديدِ تلك النكهة التي يتفرّد بها العروي. فهل ننحاز إلى ترجمة حرفية قد تُفقِدُ الجملة الأصلية وُضوحَها، وأحيانا حسَّها الساخر، أم نترجم روح الفكرة ومعناها العميق مع ما قد يترتّب عن ذلك من طمسٍ لبعض جماليات الكتابة لدى فؤاد العروي؟ وجدتُ النقاش يحتدم لأكثر من مرَّةٍ بيني وبين الصديق محمد جاتم أثناء فترة استمتاعي بمراجعة ترجمته الرّصينة. هل اتّفقنا في النهاية؟ ليس تماما؛ لكننا قرّبنا وجهتي النظر وتفاوَضْنا بمُرونة لم تَخْلُ من احتدام. وحصيلةُ هذا التفاوضِ المجموعةُ التي بين أيديكم. ثم إنّه يُسعدني بشكل خاصّ أن أقدّم ترجمة هذه المجموعة بالذات؛ لأنَّ لي مع إحدى قصصها حكاية تستحقُّ أن تُروى. حين طلبت مني دار النشر الأمريكية أكاشيك إعداد وتحرير أنطولوجيا “مراكش نوار”، لم أكن راضيا عن الغلَّة القصصية التي اجتمعَتْ لديّ، خصوصا أنّ كُتّابنا المغاربة ليسوا متمرّسين بأدب الجريمة والقصص البوليسية. لذا، التجأتُ إلى فؤاد العروي كما يلتجئ فريق محلّي ينوي المشاركة في بطولة دولية إلى خدمات لاعب محترف. وكان فؤاد في الموعد. ساعَدْتُهُ ببعض المعطيات الصغيرة عن مراكش وعن أحياء باب دكالة والرميلة ورياض العروس، وكانت الحصيلة قصّته البديعة “اللوحة الغامضة” التي جاءت بحبكة بوليسية مشوّقة، عرف العروي كيف يُثريها بعناصر الفن التشكيلي والأسطورة وبإحالات ذكية على “ألف ليلة وليلة”؛ ما جعل القصة تنجح في تقمُّص روح مراكش بقدر توفُّقها في سرد جزء من تاريخ المدينة الأسود أيام سلطة الباشوات ورجال السلطة خلال سنوات الرّصاص. في نصٍّ قديم للمفكر المغربي عبد الله العروي حول فن “الأقصوصة”، انتقد هذا الأخير “الأقاصيص العربية” وخلص إلى أنها “تتماثلُ”، إذ “تواجِهُ من قصَّةٍ إلى أخرى نفس النساء يتخاصمن باليد واللسان، نفس الحرّاس والبوّابين يعجبون لعبث الأقدار ويتساءلون عن لغز الحياة وسرّ الموت، نفس الأطفال ينضجون مبكّرا ويسارعون إلى التلف والضياع، نفس السوّاقين والمعلّمين يخطّطون لمجتمع مثالي. نفس الأسى. نفس الكآبة، نفس النحيب على الزمن الضائع والقسمة الجائرة”. لستُ متأكِّدا من أنّ فؤاد قد سبق له الاطّلاع على مقالة عمِّه؛ لكنني أدعو مفكّرنا الكبير إلى قراءة قصص ابن أخيه. سيجد فيها عالما مختلفا عن العوالم القصصية التي استفزّتْه. خصوصا الكآبة. مع فؤاد العروي، لا كآبة هناك ولا أسى. بل النقد المرِحُ الذّكي، والقبض النّبيه على المفارقات الفَكِهة، وغبطةُ خيالٍ مُجنَّح. وَلَكُم أن تتأكّدوا بأنفسكم. The post ترجمة “الزفاف الخرافي للبولندي” .. استرداد السرد المغربي لفؤاد العروي appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
ترامب يرفض رد إيران بشأن إنهاء الحرب: “غير مقبول بتاتا” وسط توتر بمضيق هرمز
رفض الرئيس الأميركي ترامب، اليوم الأحد، الرد الإيراني على المقترح الأميركي الرامي إلى إطلا…







