تصميم تهيئة الحي المحمدي فوق صفيح ساخن.. احتقان الساكنة يتصاعد قبل اجتماع الحسم
عاد ملف تصاميم التهيئة بمدينة الدار البيضاء إلى واجهة النقاش العمومي من جديد، في سياق يتسم بتجدد الجدل حول سبل تدبير المجال الحضري وضمان التوازن بين متطلبات التنمية وحماية حقوق الساكنة، وذلك على خلفية مشروع تصميم التهيئة الخاص بمقاطعة الحي المحمدي، الذي فجّر موجة من التفاعلات السياسية والمدنية، وأعاد طرح تساؤلات جوهرية بشأن منهجية إعداد وثائق التعمير وحدود المقاربة التشاركية المعتمدة في بلورة الرؤى المستقبلية للعاصمة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يرتقب أن تشهد الدورة الاستثنائية لمقاطعة الحي المحمدي، يوم غد الجمعة، حضورا لافتا لعشرات المواطنين القادمين من أحياء درب مولاي الشريف ودرب السعد وبلوك الرياض، في إطار تنسيقية مدنية حضرية مستقلة، تؤكد أنها لا ترتبط بأي انتماء سياسي، بل تنطلق من إحساس جماعي بالمسؤولية تجاه الأحياء التي يقطنون بها، ومن رغبة واضحة في الاطلاع على مضامين المشروع والمساهمة في النقاش العمومي المرتبط به، خاصة وأن هذه الدورة خُصصت لنقطة فريدة تتعلق بإبداء الرأي حول مشروع تصميم التهيئة الجديد.
وتعكس هذه التعبئة المدنية حجم القلق الذي يسود بين الساكنة، في ظل ما تعتبره غياباً كافياً للمعلومة وتراجعاً في إشراك المواطنين بشكل فعلي في إعداد المشروع، حيث يرى عدد من الفاعلين أن الوكالة الحضرية وضعت تصوراً للتجديد الحضري دون فتح نقاش عمومي واسع، ودون تفعيل حقيقي لمقتضيات المقاربة التشاركية التي ينص عليها الدستور، وهو ما يطرح، بحسبهم، إشكالاً يتعلق بمدى تمثيلية هذه المشاريع لانتظارات الساكنة.
وفي خضم هذا النقاش، برز بلاغ صادر عن التنسيقية المدنية، أكد أن مشروع تصميم التهيئة يندرج ضمن برنامج للتجديد الحضري تشرف عليه الوكالة الحضرية للدار البيضاء في إطار مشاريع إعادة هيكلة النسيج العمراني، غير أن التنسيقية شددت على أن أي تدخل عمراني يجب أن يقوم على مقاربة إعادة التأهيل الحضري بدل الهدم الشامل، حفاظاً على الذاكرة الجماعية والرصيد المعماري للأحياء المعنية.
وأوضح البلاغ أن التنسيقية عقدت سلسلة من الاجتماعات والاستشارات بمشاركة فاعلين سياسيين وخبراء قانونيين ومختصين في التراث المعماري، إلى جانب منابر إعلامية، من أجل بلورة موقف متكامل يستند إلى المعطيات القانونية والتقنية، ويهدف إلى الدفاع عن حقوق الساكنة وضمان إشراكها في اتخاذ القرار، مبرزاً أن النقاش أفضى إلى مجموعة من الخلاصات، في مقدمتها ضرورة احترام الخصوصيات المعمارية والاجتماعية للأحياء، وتفادي أي خيارات قد تمس بالاستقرار الاجتماعي.
كما شدد المصدر ذاته على أن الحفاظ على التراث العمراني والذاكرة الجماعية يشكلان عنصراً أساسياً في أي مشروع تهيئة، خاصة في أحياء ذات حمولة تاريخية مثل درب مولاي الشريف ودرب السعد وبلوك الرياض، مع التحذير من مخاطر الهدم الكلي أو نزع الملكية أو اعتماد مقاربات تقنية صماء قد تفضي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي القائم.
وفي السياق نفسه، أبرزت الوثائق المرتبطة بمشروع تصميم التهيئة عدداً من المقتضيات القانونية والتنظيمية التي تؤطر عمليات التدخل داخل المجال الحضري، من بينها مقتضيات تتعلق بالحفاظ على البنية المعمارية للأحياء، وضبط شروط البناء والتجديد، مع التأكيد على ضرورة احترام ما يعرف بالنسق الحضري العام، والحفاظ على الطابع المعماري الأصلي، بما يشمل الواجهات والارتفاعات والتناسق العمراني.
كما تنص هذه المقتضيات على إمكانية إدخال تعديلات محدودة في إطار الترميم أو إعادة التأهيل، دون المساس بجوهر النسيج العمراني، وهو ما يعزز، وفق متابعين، الطرح الداعي إلى اعتماد مقاربة تدريجية تقوم على الإصلاح بدل الهدم، وتوازن بين متطلبات التحديث والحفاظ على الهوية المحلية.
وفي هذا الإطار، أكد كريم الكلايبي، عضو جماعة الدار البيضاء، في تصريح صحفي توصلت به “الجريدة 24″، تثمينه للمجهودات التي تبذلها السلطات المحلية والوكالة الحضرية من أجل تحديث العاصمة الاقتصادية والارتقاء بجماليتها العمرانية، مشدداً في الوقت ذاته على أن الغاية الأساسية من أي تصميم للتهيئة يجب أن تظل خدمة المواطن وتحسين جودة عيشه.
وأشار المتحدث ذاته إلى أهمية تعزيز قنوات التواصل بين الوكالة الحضرية والساكنة، لتبديد المخاوف المرتبطة بنقص المعلومة، وتوضيح المفاهيم التقنية المرتبطة بالتجديد الحضري، بما يضمن طمأنة الملاك والأسر، مؤكدا أن الحي المحمدي يمثل إرثا معماريا واجتماعيا فريدا، يستوجب أن تكون إعادة التأهيل المدخل الرئيسي لأي تدخل عمراني، حفاظاً على هوية المكان واستقرار ساكنته.
وأضاف أن المنتخبين مطالبون بلعب دور الوسيط بين الساكنة والمؤسسات المعنية، عبر نقل مقترحات وملاحظات المواطنين والتنسيقيات المدنية بكل أمانة، بهدف تجويد المشروع وتحقيق توازن بين التخطيط العمراني العصري والحقوق المكتسبة للسكان، معتبراً أن التشاركية تظل السبيل الأمثل لإنجاح مثل هذه الأوراش الكبرى.
من جهة أخرى، سبق أن انتقل هذا الملف إلى المؤسسة التشريعية، حيث وجهت عثيقة جبرو، عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، سؤالاً كتابياً إلى وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، دعت فيه إلى توضيح التدابير الكفيلة بضمان استقرار الضوابط التعميرية بالمناطق المعنية، بما يحفظ الأمن السكني للساكنة ويجنبها حالة عدم اليقين التي قد تعيق قدرتها على التصرف في ممتلكاتها.
وأثارت النائبة البرلمانية ذاتها إشكالية احترام المقتضيات التنظيمية المؤطرة لمشروع تصميم التهيئة، خاصة ما يتعلق بضرورة اعتماد مقاربة إعادة التأهيل الحضري والترميم التدريجي للنسيج العمراني، بدل اللجوء إلى خيارات قد تمس بالتوازن الاجتماعي والعمراني، من قبيل الهدم الشامل أو نزع الملكية أو تفويت العقارات لمشاريع استثمارية.
وتستند هذه التخوفات إلى ما تزخر به أحياء درب مولاي الشريف ودرب السعد وبلوك الرياض من رصيد تاريخي وإنساني، يجعلها جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الحضرية لمدينة الدار البيضاء، وهو ما يفرض، بحسب الفعاليات المدنية، مقاربة دقيقة تراعي خصوصية هذه المجالات وتوازن بين ضرورات التحديث والحفاظ على الهوية.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مشروع تصميم التهيئة بالحي المحمدي يتجاوز كونه وثيقة تقنية، ليصبح موضوع نقاش مجتمعي واسع يختبر قدرة مختلف المتدخلين على بناء توافق حقيقي، يضمن تنمية حضرية منصفة ومستدامة، دون المساس بحقوق الساكنة أو التفريط في الذاكرة الجماعية للمدينة.
Comediablanca : les humoristes marocains donnent le coup d’envoi de la 3e édition
La troisième édition de Comediablanca s’est ouverte ce jeudi 4 juin au Complexe Mohammed V…









