حتى لا نسقط في وهم الإصلاح: لا اختزال في باب ولا هجر الأبواب

هوية بريس – د.رشيد بن كيران ♦️ إلى المصلحين… عبرة وذكرى 1◆ من هدايات القصص القرآني أن إصلاح المجتمعات لا يُختزل في معالجة جزئية، ولا يقوم على باب واحد من أبواب التدافع، بل ينطلق من أصل جامع، ثم يتوجه إلى مواضع الخلل الأشد أثرا في حياة الناس. فأصل دعوة الأنبياء والرسل جميعا هو توحيد الله وعبادته واجتناب الطاغوت؛ {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَۖ}. غير أن كل رسول واجه –إلى جانب ذلك– الفساد الغالب في قومه، وربط إصلاح الاعتقاد بإصلاح واقع الإنسان والمجتمع. 2◆ فقد واجه شعيب عليه السلام في مدين فساد المعاملات الاقتصادية، من تطفيف المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم. وواجه لوط عليه السلام الانحراف الأخلاقي الذي استعلن في قومه. بينما واجه موسى عليه السلام نموذجا مركبا من الاستبداد السياسي والاستعلاء واستعباد الناس. وتظهر قصة يوسف عليه السلام بابا آخر من الإصلاح؛ وهو الإصلاح من الداخل إذ طلب تولي خزائن الأرض في حكومة على غير دين الله بل على دين الملك، وجعل من موقع المسؤولية والسلطة سبيلا إلى الدعوة إلى الله وحسن تدبير الموارد ورعاية مصالح الناس. وهكذا يكشف المنهاج القرآني عن وحدة المرجعية وتنوع ميادين الإصلاح بحسب طبيعة الداء وشدة أثره. 3◆ ومركزية الدعوة إلى التوحيد “لا إله إلا الله” مركزية مرجعية حاكمة؛ فهو الذي يحرر الإنسان من عبودية الهوى والطاغوت، ويربط السلطة والمال والعلم والأخلاق بمقتضيات التوحيد وبمعاني الأمانة والعدل والمسؤولية. غير أن هذه المركزية لا تعني تعطيل مجالات الإصلاح الأخرى، بل تقتضي توجيهها وربطها بمقاصد الشرع في إقامة العدل، وحفظ الحقوق، ودفع الفساد. 4◆ والواقع المغربي -بما تراكم فيه من اختلالات سياسية واقتصادية وتعليمية وإعلامية وأخلاقية…- أعقد من أن يصلحه مسار واحد. فالفساد ليس قرارا سياسيا مجردا، بل شبكة تتداخل فيها بنية الاستبداد، واقتصاد الريع، وضعف الوعي، وهشاشة المجتمع المدني، واختلال التربية… ولذلك فإن اختزال الإصلاح في التصويت أو في المشاركة في البرلمان -لمن يرى مشروعية ذلك- خلط بين الجزء والكل، وبين الوسيلة المؤثرة والسبب الكافي. 5◆ غير أن نقد هذا الاختزال لا يعني التقليل من شأن المدافعة السياسية، ولا تسويغ العزوف عن اختيار الأصلح والأقدر على تقليل الفساد وحماية هوية المجتمع وقيمه. كما أن الدعوة إلى المشاركة في التصويت لا تعني تجميد سائر مجالات الإصلاح، ولا تعطيل الدعوة إلى مرجعية شرع الله وحاكميته؛ إذ لا تقابل بين الأمرين؛ فالدعوة إلى تحكيم الشريعة تحدد المرجعية والغاية، أما التصويت للأصلح فهو وسيلة جزئية للتعامل مع الواقع القائم، وتقريب الممكن من المطلوب، وتحصيل ما يمكن من المصالح، ودفع ما يمكن من المفاسد. 6◆ ومن الخطأ الكبير أن يُجعل العجز عن تحقيق المقصد كاملا مسوغا لترك المقدور عليه منه؛ فالميسور لا يترك بالمعسور، واختيار أصلح المتاح لا يعني الرضا بكل ما في الواقع، والانتفاع بوسيلة سياسية لا يقتضي تحويلها إلى مرجعية عقدية أو بديل عن شرع الله. وإنما توزن الوسائل بمقاصدها وشروطها ومآلاتها، ويُوازن فيها بين المصالح والمفاسد. 7◆ إن المشروع الإصلاحي الراشد هو الذي تتكامل فيه -بعد الدعوة الى توحيد الله- السياسة مع الأخلاق، والعمل المدني مع العمل التربوي، الاقتصاد مع التعليم، والأمن مع الصحة، والإعلام مع الفكر والعمل الخيري. أما من يجعل المدافعة السياسية وحدها كفيلة برفع الفساد والانحراف، فإنه يبني الأمل على تصور ناقص؛ لأن المجتمع لا يستقيم بباب واحد، كما أن تعدد أبواب الإصلاح لا يبرر إغلاق باب السياسة وتركه للمفسدين. وخصوصا أن الفساد أصبح اليوم منظما ومؤسساتيا، ولم يعد فرديا ولا عشوائيا. ولا نحمل السياسي المصلح ثقل المسؤولية لوحده، بل يجب أن ينخرط الجميع؛ الفقيه والداعية والمفكر والاقتصادي والحقوقي والمعلم والمربي والإعلامي… كلً في ثغره، وكلً بحسبه، وبتنسيق ومد يد العون؛ ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُوا۟ فَسَیَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلۡغَیۡبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 105﴾. نسأل الله التوفيق والسداد. اللهم ردنا إلى دينك ردا جميلا. لا لإغلاق باب السياسة وتركه للوبي الفساد. The post حتى لا نسقط في وهم الإصلاح: لا اختزال في باب ولا هجر الأبواب appeared first on هوية بريس.
سرداب حي السدري بالدار البيضاء.. حل مبتكر لمواجهة الفيضانات
زنقة 20 | متابعة في إطار تعزيز مقاومة الدار البيضاء لمخاطر الفيضانات، تم إنشاء سرداب تخزين…





