“حرب المصاحف” أم حرب على الثوابت؟.. الصمدي يفنّد مغالطات الناجي
“حرب المصاحف” أم حرب على الثوابت؟.. الصمدي يفنّد مغالطات الناجي هوية بريس – متابعات أعاد الباحث السوسيولوجي محمد الناجي، من خلال حلقة برنامج “ضفاف الفنجان”، إثارة شبهات قديمة متجددة حول جمع القرآن الكريم وتوحيد المصحف في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، مقدما أطروحة تقوم على توصيف تلك المرحلة بـ”حرب المصاحف”، وربط توحيد المصحف بالسياق السياسي وبناء السلطة. غير أن هذه المقاربة، رغم ما تتوسل به من لغة أكاديمية وتاريخية، أثارت موجة من الانتقادات العلمية والمنهجية، كان أبرزها رد الدكتور خالد الصمدي الذي اعتبر أن النقاش انزلق من البحث العلمي الرصين إلى الإثارة الإعلامية والخلط المفاهيمي. الصمدي، في مقاله المعنون بـ”فك الإبهام في الحديث عن المصحف الإمام بين العلم والإعلام”، وضع يده على جوهر الإشكال، حين أكد أن القرآن الكريم لا يمكن التعامل معه باعتباره نصا بشريا خاضعا لقوانين التطور والتعديل والتفاوض التاريخي كما هو الشأن في النصوص البشرية الأخرى، لأن المسلمين يؤمنون بأنه وحي إلهي محفوظ بحفظ الله تعالى. فالقرآن الكريم، وفق العقيدة الإسلامية، لم يكن نصا مجهولا تشكل لاحقا داخل صراعات سياسية، وإنما نزل منجما على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وحفظه الصحابة في الصدور، وكتبه كتبة الوحي في حياة الرسول نفسه بإشراف مباشر منه. ولذلك فإن أي محاولة لفصل القرآن عن طبيعته الوحيِيَّة، وإخضاعه حصريا لمقاربات سوسيولوجية مادية، تجعل الباحث يصطدم بحدود المنهج نفسه، لأن أدوات التحليل الاجتماعي لا تستطيع تفسير حقيقة الوحي والنبوة وكلام الله. ومن أبرز ما أشار إليه الصمدي، وقوع خلط واضح في الحلقة بين القرآن باعتباره نصا مقدسا محفوظا، وبين القراءات والأحرف السبعة والصحف الخاصة التي كان بعض الصحابة يدونون فيها ما يحفظونه من الآيات والسور. فالحديث عن “مصحف ابن مسعود” أو “مصحف أبي بن كعب” لا يعني وجود نسخ مختلفة من القرآن تتصارع فيما بينها، كما يوحي عنوان “حرب المصاحف”، وإنما المقصود صحف شخصية دوّن فيها بعض الصحابة ما تيسر لهم من القرآن، وفق ما سمعوه مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم، قبل أن يجمع القرآن كاملا في مصحف واحد في عهد أبو بكر الصديق بعد استشهاد عدد كبير من القراء في حروب الردة. وهنا يبرز الفرق الجوهري بين “جمع القرآن” و”نسخ المصاحف”. فالجمع الأول كان توثيقا لما هو محفوظ أصلا في الصدور ومكتوب في الرقاع، أما عمل عثمان بن عفان فكان توحيد الناس على رسم واحد منعًا لوقوع الاختلاف بين الداخلين الجدد في الإسلام من غير العرب، بعد اتساع الفتوحات الإسلامية. إن تصوير هذا العمل التاريخي العظيم وكأنه “مصادرة للتعدد” أو “فرض لسلطة سياسية على النص”، فيه تجاهل لطبيعة المجتمع الإسلامي الأول، الذي كان يعتمد أساسا على الحفظ الشفهي المتواتر، وليس فقط على الوثيقة المكتوبة. ولذلك ظل القرآن محفوظا في صدور آلاف الصحابة، يستحيل عمليا التلاعب به أو تغييره. كما أن تعدد القراءات نفسه لا يمثل دليلا على اضطراب النص، بل هو من مظاهر التيسير والإعجاز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أُذن له أن يقرأ القرآن على سبعة أحرف مراعاة لاختلاف لهجات العرب. وهذا التنوع مضبوط بالنقل المتواتر، وليس تعددا متناقضا أو متصارعا كما تحاول بعض القراءات الحداثية الإيحاء به. ولعل أخطر ما في بعض الطروحات المعاصرة أنها تستورد مناهج غربية نشأت أساسا لدراسة الكتاب المقدس المحرف في السياق المسيحي، ثم تحاول إسقاطها قسرا على القرآن الكريم، مع تجاهل الفارق الجوهري بين نصوص تعرضت للضياع والتحريف عبر قرون، وبين كتاب تكفل الله بحفظه، وتناقله المسلمون بالتواتر جيلا بعد جيل. وقد أشار الصمدي أيضا إلى مغالطة أخرى حين ربط ضيف الحلقة مقتل عثمان بن عفان بقضية المصاحف والاختلاف حول القرآن. فالمصادر الإسلامية المعتمدة في التاريخ والسير لم تجعل توحيد المصحف سببا لقتله، وإنما تعود الفتنة إلى عوامل سياسية وتحريضية معروفة، استغلها أعداء الدولة الإسلامية آنذاك. إن الدفاع عن القرآن الكريم لا يعني رفض البحث العلمي الرصين، ولا الخوف من دراسة تاريخ جمع المصحف وعلوم القراءات، فهذه العلوم ناقشها علماء الإسلام منذ القرون الأولى بمنهجية دقيقة ومفتوحة. لكن الفرق كبير بين البحث العلمي المنضبط بأدوات المعرفة الشرعية، وبين تحويل القضايا العقدية إلى مادة إعلامية مثيرة تقوم على عناوين صادمة من قبيل “حرب المصاحف”. لقد حفظ الله القرآن الكريم عبر الحفظ في الصدور، والتدوين في السطور، والتلقي الجماعي المتواتر، حتى وصل إلينا كما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، دون زيادة أو نقصان. ولذلك بقي القرآن الكتاب الوحيد في العالم الذي يتعبد الملايين بحفظه كاملا كما أُنزل قبل أكثر من أربعة عشر قرنا. قال الله تعالى: ﴿إِنّا نَحنُ نَزَّلنا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ﴾ وهي حقيقة لم تهزمها الشبهات قديما، ولن تنال منها القراءات المتعجلة أو المقاربات المختزلة اليوم. The post “حرب المصاحف” أم حرب على الثوابت؟.. الصمدي يفنّد مغالطات الناجي appeared first on هوية بريس.
محاكمة ساركوزي تدخل منعطفا حاسما
بعد شهرين تقريبا على بدء محاكمة الاستئناف في فرنسا بشأن اتهامات حول تمويل ليبي لحملة الرئي…







