حياد منبر المسجد أم تحييد الخطيب خارج المسجد؟

هوية بريس – د.رشيد بن كيران ■ لا خلاف في مشروعية حماية المسجد من التوظيف الحزبي، ولا في وجوب صيانة المنبر من أن يتحول إلى أداة للدعاية الانتخابية أو تصفية الخصومات السياسية. فالمسجد فضاء جامع للمسلمين، لا مقر لحزب ولا منصة لمرشح، والخطيب مؤتمن على مخاطبة مصلين تختلف اختياراتهم السياسية. ومن ثم كان من الواجب منعه شرعًا وعقلًا من الدعوة فوق المنبر إلى حزب أو مرشح، أو استغلال صفته الدينية لإضفاء شرعية دينية على اجتهاد سياسي بشري. إنما يقع الإشكال حين ينتقل المنع من ضبط استعمال المنبر إلى تقييد شخص الخطيب في جميع أحواله، ومن حماية حياد المسجد إلى حرمان القيم الديني من إبداء موقف سياسي أو نقابي طوال مدة مزاولته لمهمته، ولو تكلم خارج المسجد وفي وسائل الإعلام بصفته مواطنًا. وهنا يتحول التنظيم الوظيفي إلى ضرب من الحجر المستمر على القيم الديني إمامًا وخطيبًا. ● وهذا للأسف ما جسدته المادة السابعة من الباب الثالث من القانون المنظم لمهام القيمين الدينيين، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 26 يونيو 2014. ونص محل الشاهد منها: “يتعين على كل قيم ديني، في جميع الأحوال، وطيلة مدة مزاولته لمهامه، التحلي بصفات الوقار والاستقامة والمروءة التي تقتضيها المهام الموكولة إليه. ويمنع عليه، خلال هذه المدة، ممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي، أو اتخاذ أي موقف يكتسي صبغة سياسية أو نقابية…”. ■ والمتأمل في هذه المادة القانونية يلاحظ أمرين: ◆ أولا، استعملت المادة عبارتين بالغتي الاتساع، “في جميع الأحوال” و”طيلة مدة مزاولته لمهامه”، ثم منعت “أي نشاط سياسي أو نقابي” و”أي موقف يكتسي صبغة سياسية أو نقابية”، دون تمييز بين وقت أداء المهمة للقيم الديني وخارجه، ولا بين استعمال منبر المسجد واستعمال فضاءات أخرى لا صلة لها به كصفحته الشخصية على فيسبوك مثلا، ولا بين الدعاية الحزبية وإبداء الرأي في قضية عامة، ولا بين توظيف الصفة الدينية والتعبير المستقل عنها. وفي هذا التعميم جور بيّن؛ إذ يُمنع المشروع والممنوع معا بحكم واحد بدعوى سد باب الاستغلال السياسي للمسجد، والعدل يقتضي ضبط الفعل الضار نفسه لا مصادرة دائرة واسعة من الحقوق لمجرد احتمال إساءة استعمال بعضها. يضاف إلى ذلك اتساع مفهوم “الموقف السياسي” نفسه: فهل يدخل فيه الحديث عن التعليم والصحة والفساد والعدالة الاجتماعية وقضايا الأسرة والقضية الفلسطينية!!؟ إن معظم القضايا الكبرى المتصلة بالشأن العام تتقاطع مع السياسة بصورة أو بأخرى، وترك هذا المفهوم دون تحديد يمنح الإدارة سلطة تقديرية واسعة، قد تسمح بمعاقبة شخص على رأي يُتسامح مع مثله عند آخر. وهذا جور ناشئ عن غموض المعيار وما يترتب عليه من تفاوت وانتقائية في التطبيق. وقد بيّنت وزارة الأوقاف، في معرض شرحها لهذه المادة، أن الغاية منها تجنيب المسجد والمنبر المعارك الشخصية والسياسية والإعلامية، وهذا حق. لكن هذا التعليل نفسه يدين الوزارة ويكشف أن الغاية الأصلية أضيق من الصياغة القانونية المعتمدة؛ فالمراد المعلن هو حياد المسجد والمنبر، بينما شمل المنع الخطيب خارج المسجد وطوال مدة تكليفه. فهذا المنع المطلق الممتد إلى جميع الأحوال لا يكتفي بمنع الخطيب من استغلال المنبر، بل ينتقص من أهليته السياسية لمجرد حمله صفة دينية. وهنا يظهر الجور في الخلط بين الصفة والشخص؛ فالخطيب لا يبقى فوق المنبر أربعا وعشرين ساعة، ولا تزول عنه صفة المواطن بمجرد تكليفه بخطبة الجمعة. وإذا كانت الخشية من تأثير صفته الدينية في الناس، فإن المعالجة العادلة تكون بمنعه من الادعاء أن اختياره الحزبي أو موقفه السياسي حكم شرعي ملزم، ومن توظيف لقب الخطيب أو مرافق المسجد في الدعاية، لا بإلغاء حقه في إبداء الرأي أصلًا. ◆ ثانيا، بالنظر إلى الأثر الموضوعي للمادة، يمكن القول إن المستفيد الفكري والسياسي الأكبر هو التيار العلماني، من جهتين: ▪︎ الجهة الأولى: أن المنع الشامل لرجل الدين -بالمعنى الإسلامي لا الكنسي- ينسجم عمليا مع فلسفة هذا التيار في حصر الدين داخل المسجد وفصله عن النقاش العام. فيسمح للخطيب بالكلام في العبادات والأخلاق الفردية داخل المسجد، ثم يطلب منه الصمت متى اتصلت القيم الدينية بالتعليم والأسرة والاقتصاد والعدل وقضايا الأمة، ولو كان ذلك خارج المسجد. وبهذا لا يبقى المقصود حياد المسجد فحسب، بل ينتهي الأمر إلى تحييد الصوت الديني عن تأطير المجتمع في قضاياه العامة. ▪︎ الجهة الثانية: أن المادة تزيح من المجال العام خصما فكريا مؤثرا. فالمثقف العلماني والفنان والصحفي والنقابي يستطيعون استثمار مكانتهم الاجتماعية في التأثير السياسي، بينما يطلب من الخطيب أن يتخلى عن حق مماثل لمجرد صفته الدينية، حتى وهو يتحدث خارج المسجد. وبذلك تختل المنافسة الفكرية؛ إذ يحتفظ طرف بأدواته في التأثير بينما يجرد الطرف الآخر منها قانونا. وفي هذا جور بـيّـن؛ فالخطيب، وإن خرج من المسجد، يبقى مواطنا متدينا لا يؤمن بانفصال القيم الدينية عن الحياة العامة، ومن حقه أن ينظر إلى قضايا وطنه من مرجعيته الإسلامية كما يعطى غيره الحق في النظر إليها من مرجعية ليبرالية أو يسارية أو علمانية. والحياد الحقيقي للدولة الحديثة ليس إسكات المرجعية الدينية، بل ضمان حرية المرجعيات المختلفة ومنع أي طرف من احتكار مؤسسات الدولة أو دور العبادة. ■ وختاما، فحياد منبر المسجد عدل ومصلحة لا يماري فيها عاقل، أما إخراج الخطيب من المجال العام طوال مدة تكليفه فليس حيادا، بل ظلم له، وتقييد غير متناسب لمواطنته، ينتهي في أثره إلى تفريغ المرجعية الدينية من حضورها في النقاش العمومي لصالح مرجعيات أخرى تحتفظ بكامل أدواتها. والإصلاح العادل لا يكون بإسكات الخطيب، بل بتحصين المنبر من التوظيف، مع رد الاعتبار لحقه في المواطنة الكاملة خارج جدران المسجد. The post حياد منبر المسجد أم تحييد الخطيب خارج المسجد؟ appeared first on هوية بريس.
الـCGT تطالب بإطلاق سراح معتقلي الرأي والتراجع عن قانون الإضراب وتندد بتضييق الداخلية
طالبت الكونفدرالية العامة للشغل (CGT) بإطلاق سراح جميع معتقلي الرأي، ورفع القيود المفروضة …










