Home الصحافة المغربية حين تصبح السيرة حياة

حين تصبح السيرة حياة

حين تصبح السيرة حياة

حين تصبح السيرة حياة هوية بريس- د. البقالي أمل ليست كل أحداث الماضي قادرة على البقاء حية في وجدان الأجيال، كم من ملوك حكموا، وإمبراطوريات قامت، وحروب اشتعلت، ومدن ازدهرت ثم اختفت، وشخصيات ملأت الدنيا في زمانها ثم أصبحت أسماء في صفحات التاريخ. من السيرة إلى الأسوة أما سيرة محمد ﷺ، فقد بقيت تقرأ جيلا بعد جيل، لا باعتبارها وثيقة عن زمن مضى فحسب، وإنما باعتبارها سيرة نبي جعل الله في حياته أسوة. قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ والتعبير القرآني هنا بالغ الدلالة، فالأسوة ليست مجرد قصة نعرفها، ولا شخصية نعجب بها من بعيد، وإنما نموذج يفتح أمام الإنسان إمكانية الاقتداء، فالرسول ﷺ لم يكن نموذجا في العبادة وحدها، بل في الصبر حين تشتد المحن، والحكمة حين تتعقد المواقف، والرحمة حين يملك القدرة، والشجاعة حين يستدعي الحق موقفا، والتواضع حين تفتح له ابواب المجد. نعم سندرس السيرة لنكتشف كيف تتحول القيم الى سلوك، والمبادئ الى مواقف، والايمان الى حياة. سندرسها لنرى كيف كان يتصرف الانسان حين يبتلى، وكيف يقود حين تتعدد التحديات، وكيف يعفو حين يقدر، وكيف يثبت حين يتراجع الآخرون. حين تصنع الأسوة إنسانا وهنا تتجلى عظمة التحول الذي صنعته السيرة؛ لقد وجد قومه في ظلمات الجاهلية؛ تتنازعهم العصبية، ويضيع بينهم الضعيف، وتوؤد البنات، ويعبد بعضهم ما لا ينفع ولا يضر، فصنع منهم إنسانا آخر: يرحم بعد قسوة، ويؤثر بعد أنانية، ويصدق حين تختلط الموازين، ويؤتمن حين يشيع الغدر، ويضحي من أجل الحق. هكذا لم تكن السيرة صناعة أحداث، بل صناعة إنسان؛ وهكذا صنع محمد ﷺ جيلا غير الإنسان، فغير وجه التاريخ. لم يكن الطريق خاليا من الخوف أو الفقد أو الاختلاف، كان هناك أناس يؤمنون ثم يخطئون، وأشخاص يغيرون مواقفهم، ومجتمع يتعلم ويتدرج، فالسيرة لا تقدم لنا عالما مثاليا خاليا من المشكلات، وإنما تكشف لنا كيف تتحرك القيم داخل واقع بشري حقيقي، بكل ما فيه من تحديات وتحولات. حين تتغير الأزمنة… تبقى السيرة حاجة لقد تغير العالم بصورة يصعب معها أن نتخيل تفاصيل الحياة في القرن السابع، تغيرت المدن، ووسائل السفر، وأنماط العمل، ووسائل الاتصال، وتضاعفت المعرفة، وتقدمت العلوم، وأصبح الإنسان قادرا على الوصول إلى معلومات هائلة في ثوان. لكن، رغم كل هذا التغير، بقي الإنسان في جوهره يواجه أسئلة عميقة لا تتغير بسهولة: كيف يواجه ضعفه؟ كيف يتصرف عندما تضيق به السبل؟ كيف يعيش مع الآخرين؟ كيف يحمل مسؤولية أكبر من مصلحته الشخصية؟ وكيف يبقى وفيا لما يؤمن به حين تتغير الظروف من حوله؟ كيف يتعامل مع القوة حين يمتلكها، ومع الضعف حين يمر به؟ كيف يبني مجتمعا دون أن يفقد الإنسان داخله؟ كيف يكون الاختلاف سببا للفهم، لا ذريعة للظلم؟ وكيف يتحول الإيمان من فكرة في القلب إلى سلوك يظهر في التفاصيل؟ فالظروف تتغير، والمجتمعات تتغير، وأشكال العلاقات والدول والعمل تتغير، لكن أسئلة الإنسان الكبرى تبقى حاضرة. وعند تناول محطات من السيرة لن نكتفي بترتيب الأحداث من سنة إلى سنة، ولا بتحويل السيرة إلى قائمة من التواريخ والأسماء، بل سنرى محمد ﷺ قبل البعثة وبعدها، في مكة والمدينة، في الخلوة والمجتمع، في البيت وبين أصحابه، في زمن الشدة وفي زمن القوة، هذه التعددية ليست تفصيلا عابرا، فالإنسان قد يبدو عظيما في موقف واحد، لكن الشخصية الحقيقية تظهر عبر الزمن، عندما تتغير الظروف ويبقى الأصل ثابتا. لهذا لن تكون رحلتنا مع السيرة مجرد استعادة متتابعة للأحداث من المولد إلى الوفاة، بل سنبدأ من البدايات، ثم نقترب شيئا فشيئا من سنوات الدعوة، ومن الإنسان الذي حمل الرسالة، ومن المجتمع الذي تشكل حولها، ومن المحطات التي غيرت مسار التاريخ. سنقرأها لنفهم كيف عاش صاحب الرسالة تلك الأحداث، وكيف صنعت المواقف ملامح المرحلة، وكيف انتقلت القيم من الوحي إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى المجتمع. خاتمة كيف سيصبح حالنا لو درسنا السيرة لا لنحفظ أحداثها فحسب، بل لنتخذها مرآة كلما التبس علينا الطريق، ونسأل أنفسنا: كيف كان رسول الله ﷺ سيتعامل مع هذا الموقف؟ لعلنا عندها لن نكتفي بأن نعرف الطريق، بل نحسن السير فيه؛ فيلتقي في الإنسان العلم بالخلق، والإيمان بالعمل، والقيم بالإنجاز في دين كانت لفتة الوحي الأولى فيه بالغة الدلالة: “اقرأ ” . The post حين تصبح السيرة حياة appeared first on هوية بريس.

عبد الصمد ايشنمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

8 + 2 =

Check Also

انهيار منزل على سيارة مواطن بدرب السلطان

للتوصل بأخبار و فديوهات حصرية يرجى تحميل تطبيق هبة بريس من البلاي سطور و ذلك بالضغط على ال…