Home اخبار عاجلة حين تصبح الهجرة خيارا جماعيا لدى الشباب : صرخة احتجاج وأزمة ثقة بالمؤسسات
اخبار عاجلة - 2 hours ago

حين تصبح الهجرة خيارا جماعيا لدى الشباب : صرخة احتجاج وأزمة ثقة بالمؤسسات

حين تصبح الهجرة خيارا جماعيا لدى الشباب : صرخة احتجاج وأزمة ثقة بالمؤسسات

تكشف الأحداث التي شهدتها مدينتي سبتة ومليلية مؤخرا عن استمرار هشاشة الوضعين السياسي والاجتماعي، وعن قابلية القضايا المرتبطة بها للتوتر والتصعيد . ومن ثم، لا ينبغي النظر الى هذه الوقائع باعتبارها أحداثا معزولة، بل يتعين تحليلها في ضوء السياقات والاختلالات البنيوية التي ساهمت في إنتاجها، بما يقتضي اعتماد مقاربة متأنية تتجاوز معالجة النتائج الى تفكيك الاسباب العميقة الكامنة وراءها. و على الرغم من أن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية تشكل دوافع أساسية للهجرة، فإن تفسير هذه الظاهرة لا يكتمل بالاستناد إليها وحدها؛ إذ يبدو أن تراجع الثقة في المؤسسات والسياسات العمومية يمثل عاملا عميقا في تكريس اليأس وفقدان الأمل، ومن ثم في توجيه الأفراد نحو الهجرة. وفي هذا السياق، يكتسي تنامي اللجوء إلى الهجرة، النظامية وغير النظامية، بوصفها خيارا جماعيا، ولا سيما في أوساط الشباب، دلالة بالغة الخطورة؛ فهو يعكس تراجع الإحساس بالعدالة، نتيجة تفشي الفساد واستمرار الاختلالات في قطاعات أساسية، من قبيل الصحة والتعليم والعمل. وبينما تبدو المغامرة عبر البحر، في ظاهرها، بحثا عن فرص أفضل، فإنها تعبر، في جوهرها، عن انسداد الأفق الاجتماعي وتآكل إمكانات الاندماج داخل المجتمع . لذلك، لا يمكن التصدي لهذه الظاهرة من خلال المقاربة الأمنية وحدها، ولا عبر الارتهان لـ”سردية الاستقرار” التي تختزله في مجرد ضبط الهدوء وتقييد الحريات؛ بل يقتضي الأمر بناء استقرار حقيقي ومستدام، يستند إلى مشروعية اجتماعية راسخة، ويضمن حقوق المواطنين ويصون كرامتهم. وتشكل الاختلالات الهيكلية وتراجع جودة المنظومة التعليمية في بلادنا المسبب الرئيسي لتفاقم ظاهرتي الهدر المدرسي والبطالة بين الشباب (15-25 سنة)؛ إذ يقف هذا التعثر عائقا أمام الشباب في تزويدهم بالمهارات اللازمة للاندماج الاجتماعي والمهني، ليحول وضعيتهم إلى واقع مأزوم يفتقر للمعالجة الجادة. وتتأكد هذه الانتكاسة الحقيقية لمنظومتنا من خلال التراجع الصريح في مؤشر “ليغاتوم للازدهار” الصادر عن معهد الازدهار بلندن في مطلع غشت 2026، حيث احتل المغرب المرتبة 122 من بين 161 دولة في مؤشر التعليم؛ وهو ما يعكس عمق الأزمة التي يمر بها القطاع وتأثيرها المباشر على المستقبل التنموي للبلاد. وبدلا من أن يكون التعليم أداة لتحقيق تكافؤ الفرص والترقي الاجتماعي، يغدو محركا لتكريس التهميش والإقصاء. هذا العجز البنيوي يضرب الفئات الهشة بالدرجة الأولى، حيث تضيق أمامهم فرص المنافسة في سوق الشغل، مما يوقد في نفوسهم شعورا عارما باليأس والإحباط نتيجة انسداد آفاق الاندماج داخل وطنهم، فيدفع بهم في النهاية نحو اتخاذ الهجرة مخرجا وحيدا للهروب من واقع البطالة والهشاشة. وفي هذا السياق، ينبغي التأكيد على أن تفوق عدد محدود من تلاميذ المدرسة العمومية ، لا يعكس جودة المنظومة في حد ذاتها، بل يظل استثناء فرديا يتناقض مع واقع تتحدد فيه فرص التميز والنجاح غالبا في التعليم الخصوصي، المستفيد من الإمكانات المادية والثقافية للأسر لولوج مؤسسات التكوين ذات الاستقطاب المحدود. وفي المقابل، تظل الأغلبية الساحقة من تلاميذ التعليم العمومي عرضة لإخفاقات بنيوية تجهز على مبدأ تكافؤ الفرص وتكرس التفاوت الطبقي، مما يترتب عليه هدر الطاقات الواعدة، وتحميل الدولة والمجتمع أعباء متزايدة، وتعطيل الدور التنموي المحوري للمؤسسة التعليمية. غير أن خطورة عوامل الطرد هذه لا تتوقف عند الفئات المترددة في المدارس العمومية، بل تمتد لتستنزف حتى النخبة العلمية والكفاءات العليا؛ إذ يصطدم خريجو هذه القطاعات- من مهندسين وباحثين وأطباء- ببيئة عمل طاردة تجمع بين ضعف التجهيزات والمختبرات، ومحدودية فرص التطور، وأجور لا تكافئ حجم تضحياتهم. وتجسد هجرة الأطباء على سبيل المثال هذا الواقع بشكل صارخ، حيث يدفعهم التردي المهني وضغط الاكتظاظ في المستشفيات إلى اختيار العروض الأوروبية الأكثر جاذبية؛ إذ تفيد البيانات الرسمية بأن المملكة تفقد سنويا ما بين 600 و700 طبيب، وهو ما ينطوي على استنزاف نحو ثلث الخريجين الجدد لكليات الطب. وخلاصة القول ، إن إصلاح النظام التعليمي عبر استلهام البرامج الدولية الناجحة هو المدخل الأساس لضمان تكافؤ الفرص بين المتعلمين بمختلف فئاتهم الاجتماعية، ودعم الأسر في مواكبة أبنائها، بما يعيد الاعتبار للعنصر البشري وييسر اندماجه الذاتي في محيطه الاجتماعي والمهني بعيدا عن مغامرات الهجرة غير النظامية. وبالتوازي مع ذلك، يتطلب قطاع الصحة إصلاحا هيكليا يحفظ كرامة المواطن، ويوفر بيئة عمل محفزة للأطر الطبية تغنيها عن البحث عن آفاق أفضل في الخارج؛ إذ ان بناء التنمية الحقيقية وتحريك عجلة النمو يكمن في تأهيل هذين القطاعين الحيويين وإدماجهما في رؤية اقتصادية شاملة، تبتعد عن الانطباعات الواهية والخطابات السطحية وتجعل من العائد الاقتصادي للاستثمار في الإنسان محركا أساسيا للاستقرار. ظهرت المقالة حين تصبح الهجرة خيارا جماعيا لدى الشباب : صرخة احتجاج وأزمة ثقة بالمؤسسات أولاً على مدار21.

ادريس بن العربيمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

9 − 2 =

Check Also

جامعة القاضي عياض تتصدر الجامعات المغربية في تصنيف Webometrics لسنة 2026

حققت جامعة القاضي عياض بمراكش إنجازاً جديداً بتصدرها الجامعات المغربية في تصنيف Webometric…