حين مشى السلطان في أزقة طنجة وحررها من سطوة الخمور والخنازير

لم تأت الدولة إلى طنجة برسالة ولا موفد، بل دخلت من باب الفحص، ممتطية صمتًا مهيبًا، وعينًا تقرأ ما تراكم في الأزقة من فوضى الامتياز، وما انكسر في النفوس من شعور بالحماية.
فقبل أن تُسجّل المدينة في دفاتر الحماية الأجنبية، نزل إليها الحسن الأول بنفسه. أقام عشرين يومًا لا ليراقب من بعيد، بل ليسير وسطها، يسمع، ويأمر، ويعيد ميزانًا اختل بفعل تغلغل الامتيازات وارتباك السلطة.
لم تكن الدولة غائبة تمامًا، بل كانت تُزاح إلى الخلف، قليلًا قليلًا، تحت غطاء المعاهدات ورضى القناصل. ولذلك جاء السلطان لا ليستعرض موكبًا، بل ليضع حدًا لهذا التمدد الصامت، وليعيد للمدينة توازنها المؤسسي. ارتوى الناس بالماء، وظهرت إصلاحات أولى، وتراجعت بعض الأيادي التي اعتادت الأخذ دون حساب.
ولأنها لم تكن زيارة عابرة، لم تُكتب تفاصيلها كما تُكتب لحظات التحول الكبرى، ولم تُروَ كما تُروى الأحداث التأسيسية للممالك. لكن في ذاكرة طنجة، ظلت هذه اللحظة محفورة: يوم قرر فيه السلطان أن يحضر بنفسه، لا على صفحات الأوراق الرسمية، بل في شوارع المدينة وعلى أرضها.
كان ذلك في 22 شتنبر 1888. طنجة يومها لم تكن مدينة مغلقة على ذاتها، بل فضاء مفتوحًا على ما وراء البحر. القناصل أكثر نفوذًا من القواد، والمحميون يصادرون الممتلكات باسم اتفاقيات لا تُراجع، والسلطة المحلية تتفادى التصعيد.
وسط هذا الجو المتشابك، لم يكن حضور السلطان مجرد إشارة رمزية، بل قرارًا مباشرًا بالتدخل الميداني، في مدينة باتت تتصرف كما لو أنها خارج رقابة الدولة المركزية. لذلك اختار السلطان أن يقيم بها عشرين يومًا، في حضور هادئ، بعيد عن المظاهر، قاصدًا الإصغاء والمعاينة لا الاستعراض. نزل كمن يريد أن يرى بعينه، ويسمع بأذنه، ويوقع قراراته على أرض المدينة لا من فوقها.
وقد وثق المؤرخ الطنجاوي عبد الصمد العشاب هذه الزيارة في الصفحة 253 من كتابه “من أعلام طنجة في العلم والأدب والسياسة”.
ويذكر الراحل العشاب أن السلطان لم يكتف بمتابعة الأوضاع، بل اتخذ سلسلة من الإجراءات التي لمسها الناس مباشرة: فأولها تزويد المدينة بالماء الصالح للشرب، في وقت كانت قنوات السقي محدودة، والأحياء الشعبية تعاني من العطش. ثم أصدر تعليماته بتوفير المؤن الغذائية في فترات القحط، التي تكررت في تلك السنوات، حيث كانت السوق خاضعة لتقلبات التجار أكثر مما هي خاضعة لتنظيم السلط.
أما الجانب الآخر الذي اهتم به السلطان، وفق ما أورده العشاب، فهو إصلاح المستشفى العمومي الذي كان يؤوي الفئات الهشة والمرضى. وكانت ظروفه قاسية، ومرافقه شحيحة، ونظامه يفتقر إلى الانضباط. وقد اعتبر السلطان أن تأهيل هذا المرفق لا يقل أهمية عن تقوية باقي الخدمات الاجتماعية الأساسية.
لكن ما جعل هذه الزيارة تنطبع في ذاكرة طنجة، هو أن السلطان لم يتجاهل ما كان يراه الناس ويخشون الحديث عنه. إذ انتبه إلى المظاهر التي اختلت بها صورة المدينة: الحانات المفتوحة بلا ترخيص، والخمور المتداولة بلا مراقبة، والخنازير التي تُربى في أحياء مأهولة، بتغطية قنصلية لا تعبأ بالقوانين الوطنية. لم تكن هذه المظاهر مجرد تفصيل اجتماعي، بل انعكاسًا لفراغ في منظومة الضبط، ومسًا مباشرًا بسلطة الدولة. لذا أمر السلطان بوقف كل ذلك، لا باعتباره مسألة أخلاقية، بل لأنها تعبر عن فقدان فعلي للرقابة في منطقة ما زالت تُحسب على المجال السيادي الوطني.
أما القرار الذي تجاوز اليومي والعيني، فكان وضع حد لتمدد المحميين داخل النسيج العقاري للمدينة. هؤلاء – سواء أكانوا أجانب أم مغاربة يحملون الحماية القنصلية – استولوا على أراض ومنازل، ورفضوا الخضوع لمحاكم البلاد، متحصنين بامتيازات غير منسجمة مع السيادة القضائية المغربية. وقد أمر السلطان بتوقيف هذه التجاوزات، وإعادة الاعتبار للسلطات الوطنية، واسترجاع شيء من التوازن الذي اختل بين السكان وأصحاب الامتياز.
غادر السلطان طنجة بعد أن أنهى مقامه، لكن وقع الزيارة ظل حاضرًا. لم تُخلد في الصحف، ولا تحولت إلى مادة مدرسية، لكن أهل طنجة رووها جيلًا بعد جيل. لا لأنها كانت مجرد زيارة ملكية، بل لأنها لحظة ظهرت فيها الدولة وهي تمشي بين الناس، دون وسطاء ولا تبريرات.
ظهرت المقالة حين مشى السلطان في أزقة طنجة وحررها من سطوة الخمور والخنازير أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.










