Home الصحافة المغربية حين نهجر القرآن إلى الخرافة

حين نهجر القرآن إلى الخرافة

حين نهجر القرآن إلى الخرافة

هناك حقيقة مؤلمة ينبغي أن نقولها بوضوح: نحن لا نواجه مجرد انتشار لبعض المعتقدات الشعبية البريئة، بل نواجه صناعة واسعة للخوف والخرافة، يشارك في إنتاجها من يروجون لها، ويشارك في استمرارها جمهور يصدق قبل أن يسأل. والمفارقة أن كل ذلك يحدث باسم الدين. يقول الإنسان إنه يؤمن بالقرآن، ثم يترك ما قاله القرآن فعلاً، ويجري خلف ما قاله راقٍ دجال في بث مباشر أو جلسة رقية. يقول إن الله وحده يعلم الغيب، ثم يصدق من يخبره بأن سحره مدفون في مكان معين، وأن فلانة هي التي حسدته، وأن جناً عاشقاً يسكن جسده، وأن تأخر زواجه أو اضطراب حياته سببه سحر أو مس. وهنا يصبح السؤال ضرورياً: من نصدق، القرآن أم من يتحدث باسم القرآن؟ القرآن أخبرنا بوجود الجن والشيطان والسحر والعين والحسد، لكننا بنينا حول هذه المفاهيم عالماً هائلاً من التفاصيل التي لم يقلها القرآن. أصبحنا نسمع عن الجن العاشق، والجن الطيار، والجن الوراثي، والجن الساكن في الرحم، والجن الذي يمنع الزواج ويعطل الدراسة ويفسد العلاقات ويمنع الرزق. وأصبح كل تأخر في الزواج قابلاً لأن يسمى «سحر تعطيل»، وكل خلاف زوجي «سحر تفريق»، وكل صداع أو ألم في البطن «سحراً مأكولاً»، وكل تعثر في الحياة «عيناً وحسداً». لكن أين قال القرآن كل هذا؟ ولعل قضية الجن والشيطان والمس أوضح مثال على انتقالنا من النص إلى الخرافة. فالقرآن، حين يتحدث عن الشيطان، يصفه في مواضع كثيرة بأنه يوسوس ويزين ويدعو ويغوي. يقول تعالى: «إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ»، ويقول الشيطان نفسه يوم القيامة: «وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي». وحين يحاول القرين أن يدفع عن نفسه مسؤولية إضلال الإنسان يقول: «رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ». هذه الآيات تقدم صورة واضحة عن مسؤولية الإنسان وعن حدود سلطان الشيطان في الوسوسة والإغواء والدعوة. لكن الخطاب الخرافي نقل الشيطان والجن إلى مكان آخر تماماً: الجني يدخل الجسد، ويتحكم في الشخصية، ويمنع الزواج، ويخلق الكراهية، ويعطل العمل والدراسة، ويتحدث على لسان الإنسان، ويكشف أسماء السحرة، ويشرح للراقي اسمه ودينه وعمره ومكان السحر وسبب دخوله. ثم تتحول كل هذه التفاصيل إلى «حقائق دينية» لا يجوز الاعتراض عليها. حتى لفظ المس، الذي يستند إليه كثيرون، لم يقدم لنا القرآن من خلاله هذه الموسوعة التشخيصية. قوله تعالى: «الذِينَ يَأكُلُونُ الربَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ» لا يقول إن الصداع دليل على مس، ولا إن الاكتئاب مس، ولا إن تأخر الزواج مس، ولا إن كل هلوسة جني، ولا يقدم جدولاً للأعراض يستطيع به شخص أن يحدد نوع الجني ومكانه وسبب دخوله. الانتقال من النص إلى هذه التفاصيل الواسعة ليس أمراً بسيطاً؛ إنه إضافة بشرية جرى مع الزمن التعامل معها كأنها من الدين. وهنا يظهر معنى هجر القرآن بصورة مختلفة. هجر القرآن ليس فقط أن نترك تلاوته، بل قد نهجر منطقه وتصوراته ونحن نظن أننا ندافع عنه. نقرأ في القرآن أن الشيطان يقول: «فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ»، ثم نذهب إلى من يفسر لنا السلوك والمشكلات والقرارات كلها بالجن والقرين. القرآن يعيد المسؤولية إلى الإنسان، بينما الخرافة تمنحه شماعة يعلق عليها أفعاله ومشكلاته. وهنا تقع المسؤولية الأكبر على من يروجون لهذه الادعاءات. حين تقول لإنسان إن به جناً عاشقاً، فمن أين عرفت؟ حين تقول لامرأة إن تأخر زواجها سببه السحر، ما دليلك؟ حين تخبر مريضاً بأن أحد أقاربه حسده أو سحره، كيف وصلت إلى هذه المعلومة؟ وحين تزعم أن جناً تكلم على لسان المريض وأخبرك بمكان السحر أو باسم الساحر، لماذا صدقت هذا الكلام أصلاً؟ القرآن يقول: «قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ». ومع ذلك نرى من يحدد نوع السحر، ومكانه، وزمنه، وهوية من قام به، وعدد الجن وسبب دخولهم، ثم يقول إنه لا يدعي علم الغيب. وهذه مفارقة لا يمكن القفز عليها. الأخطر أن هذه المنظومة مصممة غالباً بحيث يصعب جداً إثبات خطئها. إذا تحسن المريض، قيل إن الرقية نجحت. وإذا لم يتحسن، قيل إن السحر قوي. وإذا ساءت حالته، قيل إن الجن يقاوم. وإذا صرخ، قيل إن الجن حضر. وإذا لم يصرخ، قيل إنه مختبئ. وإذا تكلم، قيل إن الجني نطق، وإذا صمت، قيل إنه يرفض الكلام. وهكذا تتحول كل نتيجة ممكنة إلى دليل يؤكد الفكرة نفسها. وهذا ليس منهجاً في المعرفة، لأن المعرفة الحقيقية تقبل احتمال الخطأ. ولا يمكن تجاهل المال والشهرة في هذه الظاهرة. كلما توسعت دائرة الأمراض والمشكلات التي تنسب إلى السحر والمس والعين، اتسعت سوق الرقية. وكلما زاد خوف الناس من عالم خفي لا يستطيعون التحقق منه، ازدادت سلطة من يدعي القدرة على تفسيره. ومن يأخذ أموال الناس مقابل تشخيصات لا يستطيع إثباتها، ويزرع في نفوسهم الخوف من الجن والسحرة والحساد، يتحمل مسؤولية أخلاقية ودينية كبيرة. لكن سيكون من السهل، وغير المنصف، أن نحمل المسؤولية كلها للراقي ونُعفي المجتمع. الدجال لا يعيش في فراغ. الخرافة تحتاج إلى جمهور يمنحها الحياة. ليس المريض أو الخائف أو الإنسان في لحظة هشاشة كمن يستغل خوفه، لكن ماذا عن الذي يسمع قصة بلا دليل ثم ينشرها؟ وماذا عن الذي يرى امرأة تصرخ فيقرر فوراً أن جناً يتكلم؟ وماذا عن الذي يسمع أن «الجني اعترف باسم الساحر» فيتعامل مع الكلام كأنه حقيقة؟ العجيب أننا نطلب الدليل في كل شيء، ثم نتخلى عنه أمام الخرافة. إذا أخبرك الطبيب بأنك مصاب بمرض خطير، تطلب التحاليل وربما رأياً طبياً ثانياً. وإذا اتهم شخص جارك بسرقة مالك، تطلب منه الدليل. لكن إذا قال لك راقٍ: «عندك جن عاشق»، يبدأ بعض الناس مباشرة بالسؤال عن العلاج بدل أن يسألوا السؤال الأهم: كيف عرفت؟ إذا كان الطبيب مطالباً بالدليل، فلماذا يُعفى الراقي منه؟ وهناك وهم خطير آخر: أن تصديق كل قصة عن الجن والسحر دليل على قوة الإيمان. الإيمان بالغيب شيء، والتصديق بلا دليل شيء آخر. أن تؤمن بما أخبر الله به شيء، وأن تصدق كل من يتحدث باسم الغيب شيء مختلف تماماً. القرآن نفسه يعلمنا التثبت: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ»، ويدعونا مراراً إلى التعقل والتفكر والتدبر. كما تمنح الخرافة أحياناً تفسيراً مريحاً لمشكلاتنا. لديك خلافات زوجية؟ سحر تفريق. فشلت في مشروع؟ عين. تعاني قلقاً أو اضطراباً نفسياً؟ مس. تتكرر أخطاؤك؟ القرين. وهكذا تنتقل المسؤولية دائماً إلى الخارج: الساحر، الحاسد، الجني، القرين. أما نحن فلا نراجع سلوكنا ولا قراراتنا ولا صحتنا النفسية والجسدية. والتفسير المريح قد يكون جذاباً، لكنه لا يصبح صحيحاً لأنه يريحنا. والأسوأ أن هذه المعتقدات قد تدمر العلاقات بين الناس. كم من امرأة اتهمت حماتها بالسحر؟ وكم من أخ قطع أخاه لأن راقياً أخبره بأن الحسد جاء من داخل الأسرة؟ وكم من بريء أصبح متهماً في خيال الآخرين بلا بينة؟ الغريب أن الإنسان قد يرفض أن تتهمه بسرقة مبلغ صغير بلا دليل، ثم يقبل أن يتهم إنساناً بالسحر بناء على حكاية. ما نحتاجه ليس إنكار ما أثبته القرآن، بل العودة إليه. نعم، الجن موجود. نعم، القرآن ذكر السحر والحسد. نعم، جاءت نصوص في العين. لكن الاعتراف بوجود شيء لا يعطينا الحق في اختراع آلاف التفاصيل حوله. ينبغي أن نعيد الاعتبار لجملة بسيطة أصبحت نادرة :« لا أعلم». لا أعلم هل هذا الشخص مسحور. لا أعلم هل هذا المرض سببه العين. لا أعلم أن هذا الصوت صادر عن جني. هذه الجملة أكثر صدقاً وتقوى من ادعاء معرفة ما لا نملك عليه دليلاً. المسؤولية إذن مشتركة، لكنها ليست متساوية. من يصنع الخرافة ويتكسب منها ويتحدث بثقة عن أشياء لا يعلمها يتحمل المسؤولية الأكبر. لكن المجتمع يتحمل مسؤوليته أيضاً عندما يرفض السؤال، ويعيد نشر الدجل، ويمنح ثقته لمن لا يقدم دليلاً. الدجال يصنع الوهم، لكن الجمهور يمنحه السلطة. ختاما، قبل أن تصدق أي ادعاء عن السحر، أو المس، أو العين، أو الجن، اسأل ثلاثة أسئلة بسيطة: أين قال الله هذا؟ هل ثبت عن رسول الله ﷺ؟ وما الدليل على أن هذا الإنسان يعرف ما يدعي معرفته؟ لا تخف من السؤال، لأن الله لم يطلب منك أن تسلم عقلك لكل من يتحدث باسمه. وربما أخطر ما حدث لنا ليس أننا ابتعدنا عن الدين، بل أننا في بعض الأحيان ابتعدنا عن القرآن ونحن نظن أننا ندافع عنه. استبدلنا النص بالقصة، والدليل بالتجربة الشخصية، والعقل بالخوف، ثم أطلقنا على كل ذلك اسم الإيمان. ولذلك يبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه به كل واحد منا نفسه: هل أنا أصدق ما قاله الله فعلاً، أم أصدق ما يقوله الناس لي عن الله؟ بين السؤالين مسافة هائلة، وفي تلك المسافة تحديداً تنمو الخرافة ويعيش الدجل. The post حين نهجر القرآن إلى الخرافة appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

عبدالاله الرضوانيمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

thirteen − twelve =

Check Also

دراسة تكشف أسرار العودة القوية للعدالة والتنمية إلى البرلمان

لم تكن عودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة السياسية بعد انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد انتع…