خوان فيفاس

خوان فيفاس

تبدو المسافة شاسعة بين خطاب المسؤولية الذي يُفترض أن يحمله أي مسؤول محلي، وبين ما دأب خوان فيفاس، رئيس ما يسمى “حكومة سبتة” المحتلة، على ترويجه من مواقف متشنجة تزيد المدينة توترا وترفع منسوب الاحتقان أكثر مما خلقته أحداث العبور نهاية يوليوز الماضي. فيفاس، الغارق في أوحال جدل لم ينته، لم يختر أن يمد جسرا للتهدئة في مدينة تعيش على وقع أزمة هجرة غير مسبوقة، بل سارع لأنْ يتصدّر مشهدا يغذي الاستقطاب، ويكرّس صورة “المسؤول” الذي يبحث عن الأضواء أكثر مما يبحث عن الحلول. في هذا الخضم، جاءت مشاركته، الأربعاء الماضي، في تظاهرة رفعت شعار “سبتة ليست للبيع”، بعد أسابيع قليلة من دخول عشرات الآلاف من المهاجرين المدينة، لم تكن سوى محطة أخرى في مسلسل خطاباته القومية المتصلبة التي ترفض حتى مجرد الحديث عن وضعية المدينة، مكتفيا بترديد أن “سبتة إسبانية وأوروبية”، في تجاهل تام لتاريخ طويل من النزاع حول سيادتها. أخطر من ذلك أن فيفاس لم يتردد في اتهام الرباط بالوقوف وراء “عمل متعمد” أفضى إلى الأزمة الحدودية، دون أن يقدّم دليلا واحدا على ادعائه، في خطاب تحريضي متطرف يُعفي مدريد من مسؤوليتها عن سياسة هجرة فاشلة، ويغذّي في المقابل مناخا عدائيا تجاه المغاربة، تجلّى في وصف بعض المشاركين في التظاهرة ذاتها المهاجرينَ بـ”الغزاة”، وسط تكتم لافت من “الحاكم” الذي احتضن المسيرة بنفسه. والمفارقة أن الرجل نفسه أقرّ، في تصريحات سابقة، بأن تدبير ملف الحدود لا يستقيم دون تعاون المغرب، قبل أن ينقلب اليوم إلى خطاب الاتهام الجاهز كلما استفحلت الأزمة؛ في ازدواجية تكشف حسابات سياسية آنية أكثر مما تعكس رؤية مسؤولة لتدبير جوار تفرضه الجغرافيا والتاريخ معا. ولم يسلم فيفاس حتى من انتقادات معسكره السياسي نفسه؛ إذ اتهمه اشتراكيون بتحويل ذكرى محلية بالمدينة إلى مناسبة لـ”التطبيل الذاتي” والتباهي الفارغ، بعيدا عن أي مشروع تنموي حقيقي أو استراتيجية جادة لاحتواء الأزمة، وهو ما يكشف عن هشاشة حكم محلي يقوم على الشعارات أكثر مما يقوم على الفعل. بهذه المواقف مجتمعة يبدو خوان فيفاس كمن يحفر بيده قبرا لمنسوب مصداقيته أكثر مما يرفع من شأنه؛ فمن يرفض الحوار، ويوزّع الاتهامات بلا سند، ويترك خطاب الكراهية يكبر في ظله، لا يستحق لقب “حاكم محلي”، بل صورة مسؤول تتقاذفه حسابات ضيقة على حساب مدينة وأزماتها. لهذا كله، يستحق فيفاس مكانه في ركن “النازلين” على هسبريس. لا لأن أحدا زجّ به فيه، بل لأنه بمواقفه المتراكمة أسقط نفسه بنفسه: من التصلب الرافض لأي حوار حول قضية سبتة، إلى الاتهامات العارية عن الدليل، إلى الازدواجية بين خطابه السابق وتصريحاته الراهنة، وصولا إلى الصمت أمام خطاب الكراهية المتصاعد في ظل مسؤوليته. مسؤول كان بإمكانه أن يكون صوت هدوء في مدينة منهكة، إلا أنه اختار بدل ذلك أن يكون “وقود” جدل يومي، فهوى بنفسه إلى حيث لا ترفعه شعارات جوفاء مهما كثُر نعيقها. The post خوان فيفاس appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

هسبريس من الرباطمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

seventeen + one =

Check Also

دراسة تكشف أسرار العودة القوية للعدالة والتنمية إلى البرلمان

لم تكن عودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة السياسية بعد انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد انتع…