Home الصحافة المغربية دروسُ التّاريخ…؟

دروسُ التّاريخ…؟

دروسُ التّاريخ…؟

لا يمنح إدغار موران التاريخ مقام المعلم الهادئ الذي يوزع الحكم على البشر من علٍ، ولا يحوله إلى سجلّ مطمئن للأسباب والنتائج، ذلك أنه يضعه أمامنا بوصفه قوة قلقة، مراوغة، قاسية، قادرة على فضح الإنسان أكثر مما تقدر على تهذيبه. ومن هنا تأتي القيمة الفكرية لكتابه هل توجد دروس للتاريخ؟ Y a-t-il des leçons de l’Histoire ? (2025) فهو لا يبحث عن “درس” جاهز نستخرجه من الماضي كما نستخرج نتيجة من تجربة مخبرية، أفترض أنه يكشف أن الدرس الحقيقي يكمن في تعقيد التاريخ نفسه، في مقاومته للاختزال، وفي قدرته على إفشال النّيات، وقلب الاحتمالات، وتعرية أوهام التقدم والعقل والسيطرة. ينطلق موران من تصور واسع للتاريخ، لا يحصره في السياسة ولا في الحروب ولا في تعاقب الدول، بقدر ما يربطه بكل ما يصنع التجربة الإنسانية: الاقتصاد، الدين، الأسطورة، المناخ، الخيال، التقنية، السلطة، الأفكار، الانفعالات الجماعية. لذلك يستحضر قول فيكتور هوغو: “التاريخ الحقيقي مختلط بكل شيء، والمؤرخ الحقيقي ينشغل بكل شيء”، ليؤسس منذ البداية لفكرة حاسمة: لا يفهم الإنسان التاريخ إذا اقترب منه بعين واحدة. لذلك، يبدو أعمق ما في هذا الكتاب أن موران لا يطمئن إلى الوضوح المباشر. فكلما ظن القارئ أن الحدث صار مفهوماً، عاد موران إليه من الداخل، وكشف ما يسكنه من تعقيد، وتناقض، واحتمالات لم ينتبه إليها أحد، أو لم تجد طريقها إلى التحقق. بهذا المنطق يقرأ موران الثورة الفرنسية قراءة تتجاوز معناها السياسي المباشر. فهي لا تمثل عنده مجرد انتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد؛ إنها تكشف مفارقة جوهرية: قد يعمل الفاعل السياسي ضد مصلحته وهو يظن أنه يخدمها. فالأرستقراطية التي سعت إلى استعادة قوتها أسهمت في إطلاق المسار الذي أنهى عالمها. هنا تظهر فكرة “إيكولوجيا الفعل”، وهي من أقوى مفاتيح الكتاب. فالفعل لا يبقى مِلكاً لمن أطلقه. حين يدخل الواقع، تتلقَّفُه القوى الاجتماعية، والمصالح المتضاربة، والصدف، وردود الفعل، فتدفعه إلى مسار لم يُرده صاحبه. لذلك يكشف موران هشاشة الوهم السياسي الحديث من جذوره: فحسن النية لا يضمن سلامة الفعل، وإحكام الخطة لا يضمن السيطرة على النتائج، لأن الواقع يتحرك داخل شبكة أعقد من إرادة من يحاول توجيهه. يفضي هذا التصور إلى مساءلة وهْم السَّيطرة. فالسياسي، والثوري، والقائد، والمصلح، وصاحب المشروع التاريخي، يفترضون جميعاً أن الفعل يبقى وفياً للمسار الذي أرادوه له. لكن التاريخ يكشف عكس ذلك؛ إذ إن كلَّ فعل، ما إن يدخل عالماً معقداً، حتى ينخرط في شبكة من العلاقات والتفاعلات التي تتجاوز إرادة صاحبه. لذلك لا يدعو موران إلى الامتناع عن الفعل، وإنما إلى وعي أكثر تواضعاً ونضجاً: أن يفعل الإنسان وهو يعلم أن فعله قد يرتدّ عليه، وأن النتائج قد تنحرف عن النِّيات، وأن التاريخ لا يستجيب دائماً لمن يعتقد أنه يمتلك الوعي الأصفى أو الرؤية الأصحّ. تظهر هذه اليقظة أيضاً في موقف موران من المعرفة التاريخية نفسها. فالمؤرخ لا يقف خارج الزمن، ولا يمتلك نظرة تعلو على الأحداث. إنه ابنُ عصره؛ يحمل مشكلاته، ولغته، ومخاوفه، وأوهامه. تتحول دراسة التاريخ، بهذا المعنى، إلى تمرين مزدوج: أن نلاحظ الحدث، وأن نلاحظ أنفسنا ونحن نفسّره. تمنح هذه الفكرة الكتابَ بُعْداً معرفياً وأخلاقياً في آن واحد. كل تفسير للتاريخ يحمل أثراً من صاحبه، وكل مؤرخ يحتاج إلى مساءلة موقعه قبل مساءلة الماضي. التاريخ بين الحتمية والاحتمال ينقض موران الثقة الساذجة في الاحتمال. فالتاريخ لا يطيع دائماً ما يبدو راجحاً أو منطقياً. كانت أثينا الصغيرة مهددة بالزوال أمام الإمبراطورية الفارسية، لكنها انتصرت، وانفتح من هذا الانتصار أفق الديمقراطية والفلسفة والثقافة الأوروبية. كما لا يقدّس موران المصادفة، ولا يلغي شروط القوة، لكنه يرفض أن يتحول الاحتمال إلى قدر. وفي مقابل ذلك، ليس اللاَّمُتوقع تفصيلاً عابراً في التاريخ، إنه جزء من بنيته العميقة. بهذا المعنى، يغدو التاريخ، وفق هذا التصور، مجالاً مفتوحاً للاحتمالات لا خطاً مستقيماً. إمبراطوريات تبدو أبدية ثم تنهار؛ أقليات هامشية تتحول إلى قوى كونية؛ هزائم تفتح مسالك جديدة للانتشار الحضاري؛ كوارث تحمل في داخلها بذوراً لم تكن مرئية. لا تجعل هذه النظرة التاريخ عبثاً، لكنها تمنع تحويله إلى قانون مغلق؛ فالتاريخ عند موران عقل وفوضى، سبب ومصادفة، بنية وانفجار. من هنا، يرفض موران كذلك وهْمَ السّبب الواحد؛ فسقوط روما، وصعود النازية، واندلاع الحروب، وانهيار الاتحاد السوفييتي، لا تُفسرها عِلَّة منفردة. الحدث التاريخي الكبير يولد من تشابك الاقتصاد والسياسة والخيال والخوف والقيادة والحرب والدين والتقنية وسوء التّقدير. ذلك أن كل خطاب يختزل التاريخ في مفتاح واحد يُفقره. من يفسر كل شيء بالاقتصاد يعمى عن الأسطورة، ومن يفسر كل شيء بالدين يعمى عن المصالح، ومن يفسر كل شيء بالقائد يعمى عن البنى العميقة. من هذا المنطلق، تحتل الأسطورة مكاناً مركزياً في فهم موران للتاريخ. فهي لا تقف فوق الواقع كزينة فكرية، بل سأحذفها في الصياغة النهائية: من هذا المنطلق، تحتل الأسطورة مكاناً مركزياً في فهم موران للتاريخ؛ فهي لا تقف خارج الواقع كزينة فكرية، إنها قوة تدخل في صميم تشكيله. فالأديان، والأمم، والأيديولوجيات، والثورات، والوعود الكبرى، صور صنعها الإنسان ثم خضع لسلطتها. هنا تكمن جرأة موران: العقل البشري يبتكر أفكاراً تملك القدرة على امتلاكه. فالناس يخلقون الآلهة والرايات والمذاهب، ثم يموتون من أجلها، ويقتلون باسمها، ويعيدون تشكيل العالم على صورتها. لا يحصر موران الدين في الإيمان الروحي؛ فهو يعتبره طاقة تاريخية قادرة على تغيير مصائر الشعوب. فالمسيحية والإسلام واليهودية تكشف كيف تستطيع بداية صغيرة، هامشية، تتعرض أحياناً للاضطهاد، أن تتحول إلى قوة كبرى تعيد تشكيل العالم. هنا تظهر المفارقة: ديانات الخلاص قد تحمل العنف، وديانات المحبة قد تنتج الاضطهاد، والجماعات التي عانت القهر قد تمارس القهر حين تمتلك القوة. لا يسعى موران إلى إدانة دين أو شعب بعينه، إنه يكشف آلية أعمق: الضحية لا تحصل على براءة أبدية لمجرد أنها كانت ضحية. فالذاكرة الجريحة قد تلد أخلاق التعاطف، وقد ينتج عنها أيضاً رغبة في السّيطرة. وتتجلى هذه الآلية نفسها في الثورة الروسية، بوصفها مثالاً قاسياً على المسافة بين الحلم والنتيجة. فالمشروع الذي رفع شعار تحرير الإنسان انتهى إلى جهاز قمعي واسع. وفكرة العدالة تحولت إلى حزب يحتكر الحقيقة. ووعد المساواة أنشأ سلطة جديدة، فأعاد الاستبداد إنتاج نفسه في صورة أخرى. لا يهاجم موران حلم التحرر، إنه يهاجم انغلاقه داخل عقيدة صلبة. فحين تصير الفكرة ديناً سياسياً، تفقد قدرتها على تحرير الإنسان، وتبدأ في امتلاكه. لذلك لا تكمن المأساة في فشل الحلم وحده، وإنما في قدرته هو نفسه على إنتاج الكابوس حين ينفصل عن النقد. لعل أشد ما ينتقده موران هو العقلنة اللاحقة للتاريخ. يقع الحدث أولاً، ثم يأتي العقل فيجعله ضرورياً. نرتب الأسباب بعد النهاية، فنظن أن النهاية كانت محتومة منذ البداية. هذه خدعة معرفية كبرى. الماضي يبدو منظماً حين ننظر إليه من بعيد، لكنه كان في لحظة حدوثه مليئاً بالارتباك والمفاجأة والجهل وسوء التقدير والخيارات المفتوحة. المؤرخ الذي يجعل الحدث يبدو قدراً لا مهرب منه يمنح العقل راحة زائفة، لكنه يفقد التاريخ حقيقته الحية: التردد، والاحتمال، والمفاجأة. تكشف الحرب هذه الحقيقة في أقصى صورها. فلا شيء يعرّي الإنسان مثل الحرب، ولا شيء يفضح هشاشة الحضارة كما تفعل. فيها يجتمع التنظيم العقلاني بالاندفاع الجنوني، والشجاعة بالجبن، والبطولة بالمجزرة، والتقنية بالهمجية. فالإنسان الذي يتحدث عن الشرف هو نفسه الذي يرسل الجموع إلى الموت. من هنا تبدو الحرب عند موران ظاهرة إنسانية ولا إنسانية في وقت واحد؛ فهي لا تأتي من خارج الإنسان، إنها تنبع من عمقه المزدوج: عقل وجنون. التاريخ لا يعلّم إلا من يقبل تعقيده لا يمنح موران القائد سلطة مطلقة على التاريخ، ولا يختزله في نتيجة صامتة للبنية. فالقائد لا يصنع التاريخ وحده، لكنه يستطيع، في لحظة الأزمة، أن يمنحه اتجاهاً حاسماً. الأزمة تفتح له المجال، وهو يعود فيعيد ترتيب عناصرها. لا تكفي البنية وحدها لفهم التحول، ولا يكفي الفرد وحده لتفسيره. التاريخ يستدعي شخصياته في المنعطفات الكبرى، وهذه الشخصيات تترك أثرها في مساره. يكشف التاريخ البربرية، ويكشف معها البطولة والرحمة والنبل. البطل عنده ليس المنتصر في الحرب فقط، إنه الإنسان الذي يقاوم الخوف حين تبلغ اللحظة أقصاها. وتظهر الازدواجية نفسها في الجماعات. فالشعوب لا تملك مزاجاً ثابتاً؛ قد تنتقل من الحماس إلى التمرد، ومن السلم إلى الحرب، ومن الأمل إلى الكراهية. لذلك، لا تنتج الأزمات نتائج آلية، بيد أنها تفتح المجال لتحولات نفسية جماعية. الخوف يصنع الحاجة إلى منقذ، والهزيمة توقظ رغبة الانتقام، والخطاب القومي قد يبتلع الحس الإنساني. هكذا لا تبدو الجماهير بريئة دائماً، ولا مذنبة دائماً؛ إنها قوة قابلة للتوجيه، والاشتعال، والانحراف. آمن القرن التاسع عشر بأن التاريخ يسير نحو الأفضل، وأن العلم والتقنية والاقتصاد ستقود الإنسان إلى حياة أرقى. جاء القرن العشرون فمزق هذه الطمأنينة. العلم صنع الطب والرفاه، وصنع أيضاً “أوشفيتز” و”هيروشيما” و”الحروب الصناعية”. المعرفة قد تخدم الحياة، وقد تخدم الإبادة. الذكاء قد يقترن بالحكمة، وقد يقترن بالجنون. التقدم المادي لا يضمن التقدم الأخلاقي. العالم يعرف أكثر، لكنه لا يفهم بالضرورة أكثر، والمعارف تتراكم في تخصصات منفصلة، والإنسان يعجز عن ربطها أمام أزماته الكبرى. البيئة، والحروب، والذكاء الاصطناعي، وتفكك الديمقراطية، وصعود التعصب، تكشف فجوة خطرة بين قوة الأدوات وضعف الوعي. من هذا المنظور، لا يرفض موران العلم، يرفض غُروره؛ لا يرفض التقنية، يرفض تحويلها إلى قدَرٍ جديد. مفارقات التاريخ ومحنة العقل الحديث من هذا المسار، تتشكل عند موران دعوة واضحة إلى التواضع المعرفي والسياسي. فالتاريخ لا يمنح الإنسان وصفات جاهزة، ولا يضع بين يديه مفتاحاً نهائياً لفهم الأحداث. إنه يعلّمه أن يحذر من أوهام تتكرّر: اختزال السبب، وتمجيد القوة، والثقة العمياء في التقدم، وتقديس الأمة، وتحويل الفكرة إلى عقيدة، ونسيان النتائج غير المقصودة، وإقصاء اللامحتمل من التفكير. من يتعلم من التاريخ لا يصير قادراً على توقع كل شيء، لكنه يصير أكثر وعياً بحدود الفهم والسيطرة. فالقيمة الأعمق لا تكمن في اليقين، وإنما في القدرة على العيش داخل اللايقين من غير سذاجة. بهذا المعنى، لا يقرأ موران الماضي لذاته، وإنما يقرأ فيه صورة الإنسان. فالتاريخ يكشف كائناً يجمع العقل والجنون، الخلق والتدمير، الرحمة والقسوة، بناء الحضارة وتهديدها في الوقت نفسه. لا توجد براءة تاريخية كاملة، ولا تقدم يخلو من عتمته، ولا قوة تخلو من خطرها، ولا فكرة تخلو من احتمال انحرافها. لذلك لا يمنح سؤال “هل توجد دروس للتاريخ؟” جواباً بسيطاً. نعم، تُوجد دروس، لكنَّها دروس في الحَذر، والتعقيد، ونقد الذات، ومقاومة العمى، وإدراك هشاشة العالم. تتجلى قيمة هذا التصور في أنه لا يدعو إلى حفظ التاريخ؛ يدعو إلى اكتساب يقظة منه. لا يريد قارئاً يكدّس الأحداث، يريد عقلاً يربط بينها من غير أن يسجنها في تفسير واحد. وفي زمن تتكاثر فيه الحروب، وتعود الأساطير القومية والدينية والسياسية، ويتقدم العلم أسرع مما يتقدم الضمير، تصبح قراءته ضرورة فكرية لا ترفاً ثقافياً. فالتاريخ لا ينقذ من يقرؤه بعين مطمئنة، قد ينقذ من يتعلم منه أن الخطر يبدأ حين يظن الإنسان أنه فهم كل شيء. لنتأمل؛ وإلى حديث آخر. The post دروسُ التّاريخ…؟ appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

عبد الفتاح لحجمريمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

4 × 5 =

Check Also

صلاة الجمعة ومباريات الكرة والمهرجانات.. لمن يُسمح بقطع الطريق في المغرب؟

صلاة الجمعة ومباريات الكرة والمهرجانات.. لمن يُسمح بقطع الطريق في المغرب؟ هوية بريس – عابد…