دموع السياسة

ثمة ظواهرٌ لا تحتاجُ إلى كثيرِ بحثٍ كي تفرضَ نفسها على العَين. لا تتطلّب مُختبراً، ولا جدَاول مُقارنة، ولا سفرًا بين القارّات لتتبّع أصولها وفروعها. تظهرُ أمامكَ كاملةَ الهيئةِ، واضحة الملامح، حتى تكادُ تظن أنها نشأت في الحيّ نفسه الذي نشأتَ فيه أنتَ. لم أبحثْ هل توجد الظاهرة عند أقوام آخرين في جهات أخرى من العالم، ولم أشغل بالي بمَنْ سبق إليها، ولا بمَنِ طوّر أساليبها، ولا بما إذا كانت لها مدارس عابرة للحُدود. وجدتها عندنا حاضرة بكامل أناقتها، فخِلتها تنتمي إلى أفُقنا، إلى مزاجنا، إلى شيء خفي في طريقتنا في ممارسة السياسة وفهم الخسارة والاحتفاظ بالكراسي والوداع الطويل لها. إنها، إذا جاز وضع اسم على هذا الطقس الغريب لقُلْتُ: سياسة البكاء أو دموعُ السياسة. وليس المقصود هنا الدموع وحدها، فالسياسي المحترف أقدر من أن يَستهلكَ ماءَ عينيْه في كلِّ مناسبة. قد يأتي البكاء السياسي في خطاب متخم بالعتاب، أو في حكاية طويلة عن الغدر، أو في استرجاع حزين لأيام المجد، أو في شكوى من زمن تبدَّلت فيه القُلوب واختلّت فيه الموازين. وقد يظهر في نبرة الرجل الذي يروي لكَ قصتَه كأنهُ كان ضيفاً عابراً على الأحداث، مع أنه كان في قلبها، يوقّع ويقرر ويعيّن ويستبعد، ثم يخرج بعد سنوات ليتحدث ببراءة شاهدٍ وجد نفسه، لسبب غامض، قربَ مسرح السياسية. حين يكونُ الزعيمُ صاعداً، يبدو العالمُ من حوله منسجِماً إلى درجة مُدهشة. الرّفاق أوفياء، الجماهير واعية، الحزب بخير، المؤسّسات تشتغلُ، والتاريخ يسير في الاتجاه الصّحيح. وحين يبدأ المقعد في الابتعاد، يحدث شيء قريب من المعجزة: يتغير تفسير الكون كله دفعة واحدة. الرفاق يتبدلون، الجماهير تنسى، الإعلام يجور، الخصوم يتآمرون، الزمن يخذل، والمحيط القريب يتضح أنه لم يكن قريباً كما كان يعتقد. وحده صاحب الحكاية يبقى في مركزها نقيّ اليدين، كثير النوايا الحسنة، قليل الحظ، محاطاً بمن أساءوا الفهم. بكائيات ومراثي ما يلفتُ في هذه البكائيات أنها نادراً ما تتوقّف عند السؤالِ البَسيط: ماذا لو كان الخللُ هنا؟ ماذا لو كان الرجل قد أخطأ في التقدير، أو طال به المقام، أو أحبّ التّصفيق أكثر مما أحبّ الحقيقة؟ غير أن هذا النوع من الأسئلة مُزعج، وربّما غيرُ لائق ببروتوكولِ الحُزن السّياسي. الأسهل أن يبحث الإنسان عن خصمه في الخارج، أن يفتح دفتر الخيانات، أن يعيد ترتيب الماضي بما يسمح له بأن يخرج منه ضحية لا طرفاً. فالذاكرة السياسية، حين تُترك لصاحبها وحده، تمتلك موهبة عجيبة في التنظيف والترميم وإزالة البقع. ثم تبدأ المراثي الكبرى. يُقال إن الناس لم تفهم، وإن الظروف لم تساعد، وإن الحزب انحرف، وإن المقربين تغيّروا، وإن الأصوات التي كانت تهتف بالأمس صارت اليوم قاسية. ولا أحد يسأل متى تحوّلت السّياسة من مسؤولية إلى قصة عاطفية، ولا في أي فصل من فصولها صار الجمهور مطالباً بأن يعتذر للزعيم لأنه لم يحبه إلى الأبد. كأن بعض السياسيين ينسون أن المحبة في السياسة مؤقتة، وأن التصفيق عَقْدٌ قصير الأجل، وأن صندوق الاقتراع لا يعرف الوفاء الشخصي ولا يحمل صور الزعماء في محفظته. لِسِيَاسة البُكاء قاموسٌ أيضا لهذا تبدو لحظة الابتعاد عن الكُرسي كاشفةً على نحو لا تُخطئهُ العيْن. أثناءَ الصّعود، يصعبُ سماع النصيحة. أثناء الهبوط، يصبح الجميعُ مطالبين بسَماع الشّكوى. أثناء القوة، يبدو النقد تشويشاً. بعد انحسار القوة، يصير النقد فضيلة وشجاعة وموقفاً تاريخياً. لا يتمّ اكتشافُ بعض القيم عندنا إلا بعد مغادرة المكتب، وكأن أبواب الحكمة تُفتح آلياً حين يغلق باب السلطة. عندها نتلقى دروساً متأخرة في الديمقراطية والتواضع وتداول المسؤولية، من أشخاص كان يمكنهم، في زمن قريب، أن يطبِّقوا شيئاً من هذه الدروس بدلاً من إلقائها. لذلك، لسياسة البكاء قاموسٌ خاصّ، تتكرَّر كلماته وإن اختلفت الأسْماء. هناك حديثٌ عن النّكران، وعمَّن “أداروا ظهورهم”، وعمّن “استفادوا ثم تنكروا”، وعن الحقيقة التي “«ستظهر يوماً”. والحقيقة، في هذه الخطب، كائن شديد البُطء؛ لا يظهر غالباً إلا بعدَ فقدان النّفوذ. ولا تنقص المشهد طرافة حين نلاحظ أن بعض الزعماء يتعاملون مع الحزب بوصفه مِلْكية وجدانية، مع أنه مؤسسة يفترض أن تتجاوز الأشخاص. إذا اختلف معهم الحزب، بدا كأنه خانهم. إذا تقدَّم وجه جديد، عُدّ الأمر عُقوقاً. إذا أراد الناس تغيير الوُجوه، سُمّيت الرغبة جُحوداً. هكذا تتحول السِّياسة، شيئاً فشيئاً، من تداولٍ إلى قِصّة عائلية، ومن مسؤولية عامّة إلى دراما شَخصية، ومن مؤسَّسة إلى ألبوم ذِكريات. عيونٌ رطبة في مآثم سياسية لم أبحث، كما قلت، عن النسخ الأخرى من هذه الظاهرة، ولا أعلم هل لها نظائر بين الأقوام في أماكن أخرى، ولا يشغلني كثيراً أن أعرف. ما يهمُّني أنني وجدْتها عندنا قريبة، متكررة، مألوفة إلى الحد الذي يجعل المرء يخشى أن تصبح جزءاً من التراث غير المادي. ربما يأتي يوم تُنشأ لها مهرجانات، وتُمنح فيها جوائز لأطول خطاب في العتاب، وأجمل مرثية في كرسي غادر صاحبه، وأفضل أداء لزعيم يروي سنوات رئاسته كأنه كان سجيناً فيها لا صاحب قرار. وفي آخر المشهد يبقى المواطن واقفاً خارج هذه المآتم السِّياسية، يراقب العيون الرطبة والخطب المتعبة، ويسأل سؤالاً أقل شاعرية: ماذا فعلتم حين كانت لديكم القدرة على الفعل؟ فالوطن لا يحتاج إلى من يرثي نفسه بعد انقضاء الدَّور، ولا إلى من يُحوّل الخسارة إلى قصيدة طويلة عن قسوة الآخرين. يحتاجُ الوطن إلى من يفهم منذ البداية أن الكرسي مؤقّت، وأن الجمهور ليس قبيلة مُبايَعة، وأن السّياسة ليست مسابقة في حُسن البُكاء. ربما تكون هذه هي الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى دراسة مقارنة: من يعرف أن الرّحيل جزء من السّلطة، لا يحتاجُ إلى مأتمٍ حين يرحلُ. ومن يفهمُ أن الكرسيّ لا يحبُّ أحداً، لا يتّهمه بالخِيانة حين ينتقلُ إلى غيره. أمّا منْ عاشَ سنواتٍ يظنُّ أن السّياسة بدأت به، فلاَ غرابة أن يكتشفَ في نهايتها أنَّ لديْه أسْباباً أخرى كثيرة للبُكاء. لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر. The post دموع السياسة appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
الخيمة الصحراوية تتألق بكوبنهاغن
فرضت الخيمة الصحراوية، رمز الثقافة الحسانية، التي أقيمت في قلب معرض الصناعة التقليدية المغ…










