ديمقراطية الإرهاب.. إعدام الأسرى وإقفال الأقصى
ديمقراطية الإرهاب.. إعدام الأسرى وإقفال الأقصى
هوية بريس – إبراهيم الطالب
في صباح منتصف رمضان لسنة 1415هـ، كان اليوم يوم جمعة الموافق لـ 25 فبراير 1994، اقتحم الإرهابي غولدشتاين الحرم الإبراهيمي مرتديا بزّته العسكرية شاهرا بندقية آلية، ثم بدأ في إطلاق النار على المصلين الصائمين أثناء سجودهم، كانت الحصيلة استشهاد 29 مصليا وإصابة أكثر من 120 آخرين.
قُتل غولدشتاين أثناء محاولة المصلين منعه، لكن الكيان الصهيوني كعادته يستغل كل حدة لإحراز مزيد من الهيمنة والتهويد لممتلكات المسلمين ومقدساتهم وأماكن عبادتهم، حيث أعقب المجزرة إغلاقُ المسجد ستة أشهر ثم تقسيمه بين المسلمين والمستوطنين الصهاينة، وفرض إجراءات أمنية مشددة.
كان غولدشتاين من أتباع الحاخام مائير كاهانا، وتبنّى فكره القومي الديني المتطرف الذي يدعو لطرد العرب من “أرض إسرائيل الكبرى”. حظي بتكريم كبير داخل أوساط يمينية متطرفة بعد مقتله.
ويعتبر تيار الكاهانية من أكثر التيارات الصهيونية تطرفا، فهو أشد دموية حتى من التيارات الذي خرجت منه عصابات الهاغاناه والشتيرن والإرغون التي ارتكبت مجازر كبرى مثل مجزرة دير ياسين.
مع العلم أن أغلب قادة الكيان من زعماء هذه العصابات، انطلاقا من دافيد بن غوريون، وإسحاق شامير وموشيه دايان وإسحاق رابين، وقد حلت هذه العصابات بعد إعلان تأسيس الدولة وأصبحت هي أساس جيشها الذي استمر في ارتكاب المجازر دون انقطاع كان آخرها الإبادة الجماعية التي عشناها خلال السنتين والنصف الماضيتين، والتي أسفرت إلى حد الساعة عن 72.289 قتيلا و172.040 مصابا.
مجرم الحرب بن غفير الي احتفى بالشامبانيا بعد المصادقة على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، ينتمي إلى نفس الحركة الكاهانية لذا اشتهر برفع صور المجرم غولدشتاين داخل منزله والإشادة بعمليته الدموية.
بعد هذا العرض المختصر، نطرح أسئلة نجيب عنها بالتوالي، نتوسل من خلالها إلى تسليط الضوء على واقعنا المرير.
أولا: متى ستوقف دولة الكيان الصهيوني جرائمها في حقنا نحن المسلمين؟
حسب النبوءات والمعتقدات التي يرتكز عليها زعماء وسياسيو الكيان حتى قبل إعلان نشوء دولته، فإن “إسرائيل” حدودها لا تخضع لقانون دولي ولا لواقع ولا لتاريخ، سوى ما نص عليه التلمود وما حدده علماؤه، وهي من النيل إلى الفرات، والعجيب أن كل الناس تعرف هذا؛ وكل السياسيين العرب على يقين من هذا؛ لكنهم يثقون في الوعود الصهيونية، أو يخضعون طمعا ورهبا، المهم هو أن قادة الكيان لم يعودوا يخفون شيئا، بل حتى صهاينة الإدارة الأمريكية أصبحوا يعلنون بوضوح عن حق إسرائيل في أراضينا، وكذلك الأوروبيون الذين استنبتوا هذا الكيان في قلب الأمة الإسلامية.
لكن اللوم لا يقع على الأوربيين، فحرصهم على مصالحهم جعلهم يظنون أنها تقتضي إنشاء هذا الجسم الدخيل في منطقة العرب، حتى يحولوا دون اجتماعهم ووحدتهم، فيؤثر النفط وعائداته في تقدمهم واكتسابهم للقوة، الأمر الذي قد ينتج عنه استردادهم لمكانتهم التي كانت لهم تاريخيا.
فكان الحل بعد سايس بيكو هو وضع سرطان في قلبهم يشيطنهم يشغلهم يستدرجهم نحو الخيانة، ومن ثم يسهل استغلالهم فرادى والاستمرار في نهب ثرواتهم، وكذلك كان.
أما اليوم فقد تطور شأن الصهيونية في أوروبا من مجرد حليف إلى حاكم متحكم في القرارات السيادية، فليس هناك دولة أوروبية تستطيع أن تتخذ قرارا ضد مصالح الكيان الغاصب، وهذا ما يفسر خرجات سياسييها، ومن تلك الخرجات تصريح رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين” الذي قالت فيه بكل وضوح: “إن قيم أوروبا تتجلى في تعاليم التلمود اليهودي”. وهذا ليس إقرارا بحق إسرائيل في كل ما تقترفه فقط، بل هو إعلان عن تبني نفس المنهج ونفس القيم ونفس المعتقدات، وهل ما نراه اليوم من الدمار والقتل له أساس آخر سوى التلمود؟
بالرجوع إلى تاريخ أوروبا الدموي خلال الثلاثة قرون الأخيرة نجد فعلا أن لا فرق بين الآلة الفكرية والعقدية الأوربية المحركة للآلة العسكرية التدميرية، مع نظرتيْهما في الكيان الصهيوني التلمودي.
هنا يأتي السؤال الثاني:
فهل يمكن أن ننتظر من الغرب الصهيوأمريكي الذي بلعته الصهيونية أن يقف بجانب المسلمين؟
في بيان ألماني فرنسي بريطاني إيطالي صرحت هذه الدول مجتمعة بالتالي:
“نحن قلقون بشكل خاص بشأن الطبيعة التمييزية الفعلية لمشروع القانون (يقصدون قانون إعدام الأسرى)، إن اعتماد هذا المشروع من شأنه أن يخاطر بتقويض التزامات إسرائيل بالمبادئ الديمقراطية”.
هذا هو الغرب الأوروبي، الديمقراطية عنده مقدسة، لكن تقديسه لها هو جزء من حوسلتها، أي يقدسها لتصبح وسيلة فعالة لتبرير القتل والاحتلال، فجلب الديمقراطية للبلدان غير الأوربية كان دوما المسوغ الأخلاقي للقتل والنهب، وهذا ما رأيناه وعشناه، فدول الغرب تجعل مطلب الديمقراطية مثلا يبيح غزو العراق حتى يحرر الأمريكي والأوربي المتحضر العراقيين المظلومين من استبداد صدام، ويساعدهم على بناء نظام ديمقراطي.
“قداسة الديمقراطي” تجعلهم يرون أن دولة الكيان رغم التقتيل والدمار هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في وسط لا يعترف إلا بالاستبداد. وكانت تبرر الجرائم على الدوام بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
لكن البيان المذكور آنفا اعتبرت الدول التي أصدرته أن الكيان الغاصب إذا لم يتراجع عن قانون إعدام الأسرى فإن ذلك من شأنه أن يخاطر “بتقويض التزامات إسرائيل بالمبادئ الديمقراطية”، أي المبادئ التي تبيح لك قتل نفس البشر لكن ليس بسن قانون يخالف مبادئ الديمقراطية المتعارف عليها بينهم والتي تحفظ حق الأسرى في العالم بناء على اتفاقيات دولية تم سنّها منذ زمن.
فالساسة الغربيون يحسون بالحرج لأن تطرف بن غفير ونتنياهو وإصرارهم على بناء إسرائيل الكبرى بدم وبدون لف أو دوران يجعلهم في حرج شديد، قد يجعلهم في نفس موقف ترامب الذي أصبح شريكا مباشرا وفعالا في سفك الدماء الأطفال والنساء.
فهل بعد كل ما جرى من مجازر في بلدان المسلمين يقبل عقلا وشرعا الثقة في الأوروبين ومؤسساتهم؟؟
قلنا العيب واللوم لا يقعان على الغرب الصهيوني سواء كان أوربيا أم أمريكيا، بل يقعان على المسلمين، لأن قادتهم ونخبهم يجرونهم إلى التحاكم والارتهان إلى الغرب، ولا يزالون يؤدون هذا الدور حتى بعد عقود طويلة من الاحتلال لبلدانهم، فالدول الإسلامية بعد أن تم احتلالها تم تفكيكها وإعادة تركيبها لتصبح عربة وليس قاطرة، تُجر ولا تقود، تتبع ولا تترأس، تتأثر ولا تؤثر.
والدارس للتاريخ يستوعب هذا جيدا، ويجد بسهولة تفسيرات لما يجري الآن، المسلمون اليوم لهم ثلاث مشاريع مختلفة كل واحد منها يحاول أن ينعتق من ذلك الارتهان وتلك التبعية، وهي:
المشروع الأفغاني الذي تقوده الإمارة الإسلامية الأفغانية، هكذا هو اسمها رسميا، هذا المشروع الذي تَطلّب استئنافه 20 سنة من القتال والدمار والتشريد، وقامت له الدولة الأمريكية لتجتثه من الأرض، وسخرت كل آلاتها التدميرية وشبكاتها الاستخباراتية وجهزت له غوانتنامو والكثير من السجون حيث مورس القتل والتعذيب،
وأشركت فيه شبكات من العملاء ليس الجواسيس فقط بل الإعلاميين العلمانيين في كل العالم، ودفعت النخب الفكرية للتصدي للأفكار الجهادية فكتبت مئات الرسائل وآلاف المقالات والكتب، وعقدت الندوات، كل هذا حتى تجتث فكرة بناء الدولة عن طريق الجهاد من نفوس كل المسلمين، لكن بعزيمة الأفغان وإصرارهم على استقلالهم ورفضهم أن تحتل بلادهم ويسامون الذل الذي يعيشه أغلب المسلمين، وببذلهم للنفوس والأبناء استطاعوا أن يحرزوا استقلالهم، ويبدأوا في بناء دولتهم بعد طردهم للغزاة الذين رأى العالم خزيهم وخزي العملاء الخونة الذين تعلقوا بعجلات الطائرات ليخرجوا من بلادهم.
واليوم العرب تحاصر أفغانستان لأنها تريد بناء عدالتها و”ديمقراطيتها الخاصة” المنسجمة مع هويتها، وكينونتها وتاريخها، ومن أنواع الحصار: الحصار الاقتصادي، حيث يمنعها من الاستفادة من نظام السويفت الذي تتحكم فيه أمريكا، الأمر الذي يعقد نمو اقتصاد الأفغان رغم تطوره السريع، وارتهان العالم لنظام السويفت قصة أخرى لا تهم قصية الأفغان وحدهم.
المشروع الثاني هو مشروع سوريا، الذي تبنت المعارضة السورية الإسلامية فيه نفس المنهج وهو المقاومة بعد أن دكت روسيا وإيران البيوت بالبراميل المتفجرة وصار في كل بيت سوري قتيل أو أكثر، وبعد سنوات من العمل سقط عش الفساد الذي كان يمانع الكيان الصهيوني من جهة الظاهر، أما من جهة الباطن فكان يحرصه ويمنع وصول السنة إلى الحكم بل حتى المشاركة فيه، والذي تطلب إقامة مجزرة حماة وغيرها وبناء سجون مثل صيدانيا وغيره. لكن بعد سنوات طوال من العناء والصبر سقط الجدار ودخل الأحرار، واليوم نفس القصة تتكرر مع الشرع وحكومته حصار ومراقبة وضبط ورغبة في التركيع حتى لا تصبح العربة قاطرة.
المشروع الثالث وهو مشروع تركيا ما بعد الكمالية، فبعد قرابة القرن من إسقاط الخلافة الإسلامية العثمانية وانتصار المشروع الإمبريالي على المشروع السني، تبنى العلمانيون سياسة العداء لكل التاريخ العثماني، وتم القطع مع اللغة العربية والآذان والشريعة والحجاب وكل مظاهر الإسلام في بلاد قامت أصلا على أساس رفع راية الجهاد، حتى تم فتح القسطنطينية مملكة روما البيزنطية، والتي لا تزال تربك المخيال الغربي إلى اليوم، بعد قرون ستة ويزيد، انقلب الحكم من الإسلام إلى العلمانية، وفي مسيرة جديرة بالدراسة في إطار الصراع الحضاري، استطاع الذئب أردوغان أن يلتف على الآلة الاستراتيجية الغربية وتفلت من عقاله، لينشئ من دولة كانت عاصمتها تضم أكبر مطرح للنفايات إلى دولة متقدمة في صناعة كل الشيء من الطائرة إلى قمع البلاستيك. دولة تصد المشاريع الصهيونية التي تدار بالواجهة الإماراتية في ليبيا واليمن والسودان وغيرها من بلاد الإسلام.
ورغم الانقلابات المختلفة طبيعة وقوة، استطاع أردوغان أن يفلت من المصائد الصهيوغربية التي وصلت للإجهاز على مشروعه السياسي في إعادة بناء الأمة التركية، وهو الآن في آخر تلك المصائد المتمثلة في مصيدة الحرب الصهيوفوية. في مضيف هرمز وعلى مشارف الخليج وبالقرب من سوريا العمق الاستراتيجي التركي بعد اندحار إيران وروسيا منها.
المهم، هو أن إغلاق الأقصى وإعدام الأسرى هما علامتان كبيرتان عن تطور قضية “الشرق الأوسط”، ويتزامن هذا التطور مع نهاية نظام الأحادية القطبية، فالعالم اليوم يبحث عن نفسه وقواه الكبرى تتربص وتتحين سقوط غرمائها في هذه الحرب القائمة.
لكن للأسف كلما جاءت فرصة لنهوض الأمة، وجدت نفسها، بيد زعماء ونخب امتهنوا الخضوع والخنوع، وامتلكت نفوسهم الدنيا، لذا فالأقصى لا يفتحه إلا الأحرار والأسرى لن يفتكهم سوى الأبطال.
أما الشعوب والنخب الحرة فلا عذر لها في ترك الكلام والتنديد ومدّ العون والدعم والتأييد بكل أنواعه، فـ”لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها”، وكل مسلم مطالب بالقيام بما استطاع لنصرة قضايا أمته.
أما الدول التي لا تزال تبحث عن مستقبل في ركاب أعدائها، فلن تلق سوى مصير التوزيع بين المتنافسين والتاريخ أعلم من كل غبي وجاهل، والسنن الكونية لا تحابي أحد.
وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
The post ديمقراطية الإرهاب.. إعدام الأسرى وإقفال الأقصى appeared first on هوية بريس.
المنتدى البرلماني الدولي: السياسات المنصفة رهان بناء مجتمعات أكثر صمودا
زنقة20ا الرباط تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس انطلقت يوم الإثنين 09 ف…











