Home اخبار عاجلة “ذاكرة 11 شتنبر” تتآكل في أمريكا
اخبار عاجلة - September 6, 2026

“ذاكرة 11 شتنبر” تتآكل في أمريكا

“ذاكرة 11 شتنبر” تتآكل في أمريكا

غادر الطالب الأميركي ماكس أفينا موقع مركز التجارة العالمي في نيويورك وهو يكاد يعجز عن وصف ما شاهده، بعدما وقف للمرة الأولى في المكان الذي انهار فيه البرجان قبل خمسة وعشرين عاما، وقرأ شهادات تركها أقارب أشخاص قتلوا في هجمات 11 شتنبر 2001، وهي تجربة جعلت الحدث الذي عرفه من الروايات والصور أقرب إليه من أي درس مدرسي أو تسجيل مصور. يبلغ ماكس 17 عاما، ما يعني أنه ولد بعد سنوات طويلة من الهجمات، وحتى الصلة التي تربط عائلته بالحدث لم تكن كافية، في رأيه، لتمنحه الإحساس نفسه الذي شعر به عندما زار النصب التذكاري في مانهاتن، إذ كان أصدقاء للعائلة من بين عناصر الاستجابة الذين توجهوا إلى المكان يوم وقوع الهجمات. ويقول الطالب إن معرفة أن أشخاصا قريبين من أسرته شاركوا في عمليات التدخل شيء، والوقوف بنفسه أمام موقع الحدث شيء مختلف تماما، لأن زيارة المكان تمنح الوقائع بعدا يصعب الحصول عليه من الصور والمقاطع الموجودة على الإنترنت. وبعد ربع قرن على الهجمات التي أوقعت 2977 قتيلا، أصبحت تجربة ماكس واحدة من الأمثلة التي يستند إليها مدرسون ومؤسسات أميركية لمحاولة مواجهة مشكلة تتسع عاما بعد عام، وهي أن ملايين التلاميذ باتوا يتعلمون عن 11 شتنبر بوصفه حدثا تاريخيا لم يعيشوه، مثل الحرب العالمية الثانية أو الهجوم على بيرل هاربر. ومع مرور السنوات، تتسع المسافة الزمنية بين الحدث والأجيال الموجودة اليوم في الفصول الدراسية، في وقت لا توجد فيه مادة تعليمية موحدة على المستوى الوطني تفرض على المدارس الأميركية طريقة واحدة لتدريس الهجمات، كما أن عددا محدودا فقط من الولايات يضع تناولها ضمن المناهج الإلزامية. هذا الواقع يجعل طريقة تقديم 11 شتنبر مختلفة من ولاية إلى أخرى ومن مدرسة إلى أخرى، ويترك جزءا كبيرا من مهمة حفظ ذاكرة الهجمات لاجتهاد المدرسين والمؤسسات الأهلية والمراكز التذكارية. حدث يتحول إلى تاريخ في مدرسة “وانتاغ” الثانوية في لونغ آيلاند، يتعامل المدير بول غوزون مع هذه المشكلة من خلال إخراج التلاميذ من الفصول الدراسية ونقلهم إلى المكان الذي جرت فيه الأحداث. ويقول غوزون إن طلاب اليوم يتعاملون مع هجمات 11 شتنبر كما يتعاملون مع الحرب العالمية الثانية أو بيرل هاربر، لأنهم لم يكونوا موجودين عند وقوعها، ولم يشاهدوا الأخبار العاجلة أو صور البرجين وهما يحترقان في الوقت الحقيقي. ولهذا ينظم رحلات إلى النصب التذكاري في مانهاتن، مقتنعا بأن زيارة المكان تمنح التلاميذ ما لا تستطيع شاشة الحاسوب توفيره، خصوصا عندما يقرأون شهادات أسر الضحايا ويشاهدون الموقع الذي شهد واحدة من أكثر لحظات التاريخ الأميركي الحديث تأثيرا. ويقول إن الفرق كبير بين مشاهدة مقاطع مصورة عبر الإنترنت وبين أن يسير الطالب داخل الموقع نفسه ويستمع إلى حكايات أشخاص ارتبطت حياتهم مباشرة بما جرى. وتساعد مؤسسة خيرية أسسها الممثل الأميركي غاري سينيز في تمويل بعض هذه الرحلات، وهو ممثل يعرف على نطاق واسع بدور الملازم دان في فيلم “فورست غامب”. وكانت المؤسسة قد ركزت في السابق على برامج مرتبطة بالحرب العالمية الثانية، قبل أن توسع اهتمامها تدريجيا ليشمل هجمات 11 شتنبر، بعدما بدأت تلاحظ أن المسافة الزمنية تؤثر في مقدار المعرفة الموجودة لدى الأجيال الجديدة. ولا تقتصر المسألة على التلاميذ. يقول جيمس رافيلا، من مؤسسة غاري سينيز، إن مدرسين يدخلون اليوم إلى الجامعات والمدارس من دون أن تكون لديهم هم أنفسهم ذاكرة شخصية عن الهجمات، وهو تطور يجعل السؤال أكثر إلحاحا: من سينقل التجربة عندما يصبح حتى من يقوم بالتدريس مولودا بعد وقوعها أو كان صغيرا جدا وقتها؟ ويختصر رافيلا المشكلة بالقول إن “المعرفة تتراجع عاما بعد عام”، وهو ما يدفع المؤسسة إلى توسيع البرامج التي تتيح للطلاب والمدرسين الاقتراب من مواقع الأحداث مباشرة. وتشمل الرحلات التي تدعمها المؤسسة موقع مركز التجارة العالمي في نيويورك، ومقر وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” قرب واشنطن، إضافة إلى النصب التذكاري للرحلة 93 التابعة لشركة “يونايتد إيرلاينز” في بنسلفانيا. وتعيد هذه الزيارات تقديم الصورة الكاملة للهجمات أمام جيل قد يعرف البرجين أكثر من بقية التفاصيل. ففي صباح 11 شتنبر 2001 اختطف منفذو الهجمات أربع طائرات، اصطدمت اثنتان منها ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، فيما ضربت ثالثة مقر وزارة الدفاع الأميركية، أما الرابعة فسقطت في حقل ببنسلفانيا. وكان يرجح أن الطائرة الأخيرة كانت متجهة إلى هدف في واشنطن، ربما البيت الأبيض أو مبنى الكونغرس. وبالنسبة إلى المدرسين الذين يشاركون في هذه البرامج، فإن إعادة سرد هذه التفاصيل لا تستهدف حفظ تسلسل زمني فقط، وإنما مساعدة الطلاب على فهم لماذا بقي ذلك اليوم حاضرا في ذاكرة الولايات المتحدة بعد مرور ربع قرن. تعليم يبدأ من سن الخامسة ولا تعتمد جهود حفظ الذاكرة على الرحلات الميدانية وحدها، فقد ظهرت أيضا أدوات تعليمية رقمية تحاول تقديم الحدث إلى الأطفال بلغات وأساليب تناسب أعمارهم. ومن بين هذه الأدوات سلسلة أفلام متاحة على الإنترنت موجهة إلى الأطفال ابتداء من سن الخامسة، وتشرح مفاهيم مرتبطة بالحدث مثل “الذاكرة” و”الطوارئ” و”الذكرى السنوية”، من دون دفع الأطفال مباشرة إلى تفاصيل قد تكون أكبر من قدرتهم على الاستيعاب. وتضم المقاطع شهادات لأشخاص تأثروا بالهجمات، في محاولة لربط المفاهيم العامة بحكايات بشرية حقيقية، حتى لا يتحول 11 شتنبر بالنسبة إلى الأطفال إلى مجرد تاريخ مكتوب في كتاب. وتقول المعلمة روبا ميهتا إن الدافع إلى إعداد هذه المواد جاء من طفلة شعرت بالحزن لأن مدرستها لم تتناول الهجمات. كانت ملاحظة بسيطة، لكنها كشفت بالنسبة إلى القائمين على المشروع أن هناك أطفالا يريدون معرفة ما جرى، بينما لا تملك مدارسهم بالضرورة برنامجا جاهزا أو طريقة مناسبة لشرح الحدث. وأنتجت المقاطع بالتعاون مع مؤسسة مرتبطة برجال الإطفاء الذين قتلوا أثناء أداء مهامهم، وهو ما أتاح إدخال شهادات عناصر الإنقاذ وعائلاتهم إلى المواد التعليمية. ويقول فيكتور ستاغنارو، المدير التنفيذي للمؤسسة، إن عناصر الإنقاذ الذين ما يزالون على قيد الحياة يشعرون بالامتنان لأنهم ما زالوا قادرين على نقل ما عاشوه إلى أحفادهم بأنفسهم. وهذه النقطة تحديدا تزداد أهمية مع مرور الوقت، لأن الشهادة المباشرة تصبح أقل توافرا كل عام، مع تقدم أعمار الذين كانوا في موقع الحدث من عناصر الإطفاء والشرطة والمسعفين والمدرسين والصحافيين وأقارب الضحايا. بعد خمسة وعشرين عاما، تغير التحدي المرتبط بذاكرة 11 شتنبر، فالأجيال التي شاهدت الهجمات لم تكن تحتاج إلى من يقنعها بأن الحدث كان حقيقيا أو شديد التأثير، لأنها تابعت تفاصيله مباشرة وعاشت الأسابيع والأشهر التي أعقبته. أما تلاميذ اليوم فيجدون أمامهم تاريخا سبق ولادتهم، وصورا التقطت قبل سنوات من ظهورهم إلى العالم، وشهادات لأشخاص ينتمون في نظر بعضهم إلى جيل الآباء والأجداد. لهذا تكتسب المواقع التذكارية أهمية تعليمية متزايدة. في “غراوند زيرو”، لا يقف الطالب أمام فقرة من كتاب، وإنما أمام المكان نفسه الذي شهد انهيار البرجين، وإلى جواره أسماء وحكايات وصور تجعل المسافة بين الحاضر وصباح 11 شتنبر أقل اتساعا. وهذا ما حدث مع ماكس أفينا. كان يعرف القصة قبل الزيارة، وسمع عن أشخاص من محيط عائلته كانوا في المكان، لكنه خرج من الموقع وهو يشعر بأنه فهم للمرة الأولى أن ما يدرسه لم يكن مجرد فصل من التاريخ. وبالنسبة إلى المدرسين والمؤسسات التي تنظم هذه الرحلات، فإن هذه اللحظة هي الهدف الأساسي: أن يبقى 11 شتنبر مفهوما لدى جيل لم يشاهده، قبل أن تصبح ذاكرته بالكامل معتمدة على الأرشيف والكتب بعد رحيل من عاشوه. The post “ذاكرة 11 شتنبر” تتآكل في أمريكا appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

هسبريس – أ.ف.بمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

1 × 3 =

Check Also

التقدم والاشتراكية يحسم موقفه ويقرر المشاركة في الحكومة المقبلة

قرر المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية المشاركة في الحكومة المقبلة، عقب اجتماعه صباح ا…