رُوادُ المَسْرح المَغربي

يقول الكاتب الألماني برتولت بريخت عن المسرح: “أعطني خبزاً ومسرحاً أعطيك شعباً مثقفاً”. صدر عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر، كتاب:” رواد المسرح المغربي”، الذي يقع في 220 صفحة من القطع المتوسط، للدكتور حسن بحراوي المترجم والروائي والباحث في المسرح والتراث الشفوي، الطبعة الأولى: 1446 هـ / 2025م/ المغرب. يشير حسن بحراوي في مستهل الكتاب، إلى أن الحركة المسرحية في المغرب لم تسر في خط بياني محدد يمكن رسم معالمه والقبض على انحناءاته وانعراجاته بكامل الدقة، وإنما عاشت فترات انقطاع ونكوص وتوقف، وأحيانا فترات مد وازدهار ولحظات انتعاش ملحوظ.. وهذا التقلب انعكس سلبا على وتيرة الإنتاج المسرحي بالمغرب. المسرح المغربي: التاريخ والتجربة ويشير الكاتب المسرحي حسن بحراوي إلى كون المسرح المغربي مر بمحطات وتحولات أساسية يجملها في: مرحلة استقبال هذا الفن الوافد عن طريق الفرق المسرحية المشرقية الزائرة، وقد تم ذلك خلال عشرينات هذا القرن واستمر إلى الخمسينات، حيث زارت المغرب عدة فرق مسرحية مثل جوق النهضة العربية برئاسة محمد عزالدين سنة 1923، وفرقة نجيب الريحاني سنة 1933، وفرقة يوسف وهبي سنة 1952 الخ…، وقد كان تأثير هذه الزيارات الفنية حاسما في توجيه المغاربة نحو هذا الفن الجديد… مرحلة استيعاب شروط العمل المسرحي والتمكن من طرائقه ومستلزماته الأدبية والفنية، وقد امتدت عبر الخمسينات والستينات وساهم في بلوغها التحاق بعض المغاربة بالمعاهد الفرنسية لاستكمال تكوينهم في المجال المسرحي مثل أحمد بن الهاشمي وعبد الله شقرون وإبراهيم الوزاني وليلى فريد وغيرهم..، أو حضور تداريب مكثفة ترشحهم لخوض غمار هذا الفن مثل فريد بنمبارك والطيب الصديقي والهاشمي بنعمر الخ…، يضاف إلى ذلك إنشاء بعض مراكز التدريب الوطنية ابتداء من الخمسينات والتي تكلفت بإعطاء دروس في تاريخ المسرح والتعبير الجسدي وفنون الإخراج والتشخيص الخ… وكانت هذه التداريب مؤطرة من طرف بعض الفنيين الأجانب كأندري فوازان وبيار ريشي والمغاربة مثل عبد الصمد الكنفاوي وعبد الله شقرون… ويضيف البحراوي أنه بالإضافة إلى ما سبق ذكره، قد تلت ذلك مرحلة ترسيخ وتأصيل الخطاب المسرحي على أيدي مجموعة من المؤلفين والمخرجين الشباب الذين سيتقدمون شوطا بعيدا بالمسرح المغربي كتابة وإعدادا وتمثيلا..، وتعتبر هذه الفترة التي امتدت عبر السبعينات والثمانينات، من أزهى فترات الحركة المسرحية ببلادنا وأكثرها إنتاجا وإبداعا، ففيها ظهر لفيف من المسرحيين الهواة، فضلا عن بعض الرواد الذين استمروا في العطاء، ستكون مهمتهم هي إحداث النقلة النوعية في مسار المسرح المغربي والتمهيد بذلك لجملة من التحولات والانعطافات الأساسية التي ستتعاقب تباعا على خريطة هذا الفن كالانتقال التدريجي والمشروع من الاقتباس إلى التأليف، والاتجاه نحو التعبير عن هموم الإنسان المغربي، والتركيز على مظاهر الصراع الاجتماعي القائم، والانفتاح على قضايا التحرر في العالم والقضية الفلسطينية بشكل خاص… ويشير الباحث حسن بحراوي إلى أن الخطوة الأولى في فهم التجربة المسرحية بالمغرب تبدأ بالتعريف برواد مسرحنا المغربي للأجيال الجديدة، ليس بقصد التمجيد والامتداح، ولكن أساسا من أجل تقديم المعطيات الثقافية والفنية المرتبطة بهم، وتأطير الظروف التي رافقت انخراطهم في الميدان وأهلتهم للعب الأدوار المشهودة التي نهضوا بها. والتركيز بالخصوص على منجزاتهم على خشبة المسرح التي عاشوا في ظلالها وحان الوقت لكي تلتفت إليهم بالاعتراف بالجميل ومزيد التقدير؛ نحو: محمد القري (1900 – 1937) ولد محمد القري سنة 1900 بقرية بني قرة (ومن هنا اسمه) بمنطقة تاونات وحفظ القرآن الكريم على يد والده الفقيه وهو دون العاشرة.. وأتبعها بالاطلاع على مختصرات اللغة كألفية ابن مالك والأجرومية والفقه كمختصر خليل وابن عاشر.. ثم بدا نبوغه الشعري في الظهور وهو يافع عند انتقاله إلى فاس للانتظام في جامعة القرويين حيث حضر حلقات علماء من أمثال أبي شعيب الدكالي وعبد الحي الكتاني ومحمد بلعربي العلوي.. وانتهى بالحصول على شهادة العالمية التي كان من شأنها أن تؤهله للعمل معلما في المدارس العصرية.. وفي نفس الفترة من بداية العشرينات ستقوده الصدف إلى التعرف على فن جديد وقليل التداول في البلاد هو فن المسرح، وسرعان ما اكتشف قوة دوره في تعبئة الطاقات وخاصة الإمكانيات التي يتيحها لمخاطبة الحشود والتأثير عليها بدرجة أقوى مما كان للشعر والخطابة وغيرهما من الوسائل التعبيرية…، من أعماله (العلم ونتائجه، الأوصياء، مجنون ليلى) عبد الصمد الكنفاوي (1928 – 1976) ولد عبد الصمد الكنفاوي في مدينة العرائش بشمال المغرب، وعاش طفولته في كنف جده أحمد الكنفاوي الذي حرص على تعليمه القرآن الكريم قبل أن يلحقه بالمدرسة الابتدائية بمدينة طنجة لكي يتلقى تعليما عصريا، وفي هذه المدينة التي كانت تحت الحماية الدولية سيتاح له شهود العروض التمثيلية التي كانت تقدم في المسارح الإسبانية (مسرح سير فاطتيس) ومنها العروض المغربية الأولى التي قدمتها فرقة الهلال الطندية… أواسط الأربعينات سينتقل للدراسة بمدينة الرباط حيث سينتظم بثانوية الليمون ثم ثانوية مولاي يوسف حيث سيحصل على شهادة البكالوريا سنة 1951 ويعمل لفترة من الوقت قيّما على خزانة الثانوية قبل أن يلتحق بوزارة الشبيبة والرياضة ويعمل كمدير فني وثقافي في مراز الشباب حيث ستتوفر له تجربة سمحت له بأن يعين إطارا في مركز الأبحاث المسرحية ومشاركا في الإشراف على التداريب التي تمت في غابة المعمورة (1952- 1953) وانتهت بإنشاء أول فرقة مسرحية احترافية بالمغرب (فرقة التمثيل المغربي) التي سوف تتفوق في المهرجان الدولي للمسرح بباريس (1956) بأعمال شارك مع زملائه في اقتباسها أو تأليفها (عمايل جحا، حلاق إشبيلية وعمي الزلط إلخ).. حوري الحسين (1946- 1986) مذنب الحسين، المعروف بحوري الحسين، قد ولد بأحد أكثر الأحياء القصديرية بؤسا وهامشية بالدار البيضاء هو كاريان سيدي عثمان، وهناك قضى طفولته… حوري اليافع كان قد قرر أن يختار اتباع الطريق الأصعب.. والأخطر.. أن يكون فنانا مسرحيا في عالم لا يقيم وزنا لمثل هذه المهن الوهمية.. فغادر صفوف المدرسة غير آسف وهو في المرحلة الإعدادية لم يتجاوزها، وبدأ رحلة طويلة في التردد على الأندية ودور الشباب مقدما خدماته، وبدأ رحلة طويلة في التردد على الأندية ودور الشباب مقدما خدماته الصغيرة لفرقها التمثيلية التي كان قد ألهبها حماس حقبة الاستقلال ودفع بها إلى خضم التجربة غير مسبوقة من المواسم والاحتفالات.. وعلى هذه الوتيرة من التصميم والإصرار، سينخرط حوري في فرق الأحياء البيضاوية لفترة من الوقت على أمل أن يحفر بأظافره مسارا له في هذا التيار الجارف. قبل أن يغادرها إلى فرقة الهواة وقد تزود بما يكفي لصقل موهبته وتأكيد حضوره كممثل من طراز خاص.. من أعماله: (الأرقام وعليلو، سمفونية الغضب، الحرباء، الزمن الأحدب، أين الرؤوس، الطوفان، مجنون المدينة، العجاج، اغتيال مرزوق، زمن الأقزام، امبراطورية الشحاذين، صرخة عبدو والكراكيز، فريفرة، الصندوق)… محمد مسكين (1951- 1991) ولد المسرحي محمد مسكين بمدينة وجدة بشرق المغرب وانخرط في الجمعيات المسرحية المحلية كجمعية المسرح البلدي والمسرح الشعبي وصولا إلى فرقة المسرح العمالي وذلك بعد تخرجه من كلية الآداب قسم الفلسفة وعمله أستاذا للمادة وتعرضه للاعتقال بسبب مواقفه السياسية.. وقد أسهمت هذه المعطيات في جعل مسرحه يكون ناطقا باسم هذه التجربة الفكرية والثقافية عمليا ونظريا. عمليا عبر اختيار مسرح واقعي وملتزم ونظريا باتجاهه إلى تبني الرؤية البريختية التي تقوم على تسييس المتفرج وحمله على اتخاذ موقف مما يعرض عليه، ثم هناك ولعه بالفرجات الشعبية والاحتفالية الذي جعله يميل إلى استلهام الفضاءات الشعبية والاحتفالية الذي جعله يميل إلى استلهام السير في اتجاه التنظير لهذا اللون من المسرح الذي يقيم وزنا للموروث الثقافي في علاقته بالواقع الاجتماعي… في سنة 1977 سيلتحق محمد مسكين بفرقة المسرح العمالي وذلك بعد إنشائها بحوالي عشرين سنة، ويشكل مع المخرج يحي وبودلال (1950- 2019) ثنائيا فنيا ستشهد معهما الفرقة انطلاقة رائدة..، من أعماله: (عاشور، نيرون السفير المتجول، اصبر يا أيوب، تراجيديا السيف الخشبي، امرأة.. قميص وزغاريد، الهجهوج، عاشور، مواويل البنادق الريفية، قاضي الفئران، تراجيديا السيف الخشبي، ومهرجلن المهابيل) محمد تيمد (1939- 1993) عاش محمد تيمد (تيمود) حياته مسرحيا هاويا بالمعنى الدرامي للكلمة، أي من أجل مسرح ناكر للجميل بحيث لم يكن ينتظر أو يتوقع من ورائه شيئا، غير أنه قد حقق عبر الثلاثة عقود التي صرفها في الميدان تراكما غير مسبوق في حظيرة المسرح الهاوي بالمغرب، ولكنه تراكم نوعي ذو خصوصية يتفق الجميع على ريادتها فكريا وفنيا وجماليا.. ومنذ محطته الأولى حيث بدأ وهو ابن العشرين مصمما للديكور في فرق فاس المسرحية حيث مارس مواهبه كمصمم ورسام في إعداد المناظر وبناء الديكورات وذلك قبل أن يتضاعف ولعه بفن المسرح ويتمرس بالكتابة فيجيئه الاعتراف عبر فوزه بجائزة مباراة التأليف التي دعت إليها مؤسسة الإذاعة الوطنية وأشر عليها المسرحي الرائد ومدير فرقة التمثيل العربي بدار الإذاعة الأستاذ عبد الله شقرون.. وكانت من حظ مسرحيته الفائزة المعنونة (المهزلة الكبرى) أن وجدت طريقها إلى التشخيص الإذاعي بأصوات القامات الهائلة لممثلي الفرقة كالعربي الدغمي وعبد الرزاق حكم وأمينة رشيد وحبيبة المذكوري.. وهو الشيء الذي ملأ تيمد الشاب بالغبطة وفتح أمامه السبل نحو تجريب مواهبه وخوض مغامرة التأليف وبعدها التشخيص والإخراج وهلم جرا.. من أعماله:( المحامي على أربعة، الزغننة، كان يا مكان، الأحذية اللامعة، حبال.. خيوط وشعر، أين العقربان، الثابوت، ما قالك حد عينك زورق، لحم أخيه، موكب السعيان، من إلى من، رحلة في خيال جدتي، الضفادع، ألف ليلة وليلة، العدو، أزمنة الأمطار المتحجرة، والدار المسكونة، كاهنة المطبخ، على ذكر الزكوم، عرس الذئب، الشمعة..) عبد القادر السميحي (1919- 2001) ولد في مدينة طنجة لأسرة محافظة وأب فقيه هو الحاج أحمد السميحي، وتلقى طفولته تعليما تقليديا في المسيد قبل أن يلتحق بمدرسة الجمعية الخيرية ثم بالمدرسة الإسلامية الحرة التي أنشأها العلامة عبد الله كنون بمدينة طنجة لتكون ندا للمدارس الفرنسية…، وخلال إقامته التي طالت بالقاهرة سوف يتاح له ارتياد المكتبات لتعميق معارفه بالأدب واللغات، كما سينعم بمشاهد الأعمال المسرحية الرائدة لفرقة المسرح الحديث والفرقة القومية، ثم سيكون لقاؤه بالزعيم الوطني علال الفاسي أوائل الخمسينات فرصة لمزيد من التعرف على الأوساط الثقافية والقومية مثل عباس محمود العقاد وأحمد أمين ومحمد مندور وآخرين…، وخلال هذين العقدين اللذين قضاهما في مصر سوف ينخرط في مجال الكتابة الأدبية ويكتب العديد من النصوص السردية والمسرحية التي سينشر العديد منها على صفحات الجرائد والمجلات الثقافية المصرية والعربية، كما سيتعرف عليه القارئ المغربي عبر ما كان ينشره بين الحين والآخر في المنابر الوطنية ويصير له اسم معروف في الأوساط الأدبية المغربية. كما ستدفعه مشاهداته وقراءته للمسرح المصري والعالمي إلى تجريب حظه في الكتابة الدرامية التي لا بد أن ذائقتها قد تطورت لديه مع مرور الوقت…، من أعماله:( من يظن نفسه هامان؟ – بائع النعوش – الإسلام تحت الشمس – عاشت الأسامي – لعبة العظمة الكاذبة – صاحب السعادة – الفرس الأسود من اسمه الموت – خروف العيد ودنيا الغرائب والعجائب – حارس المرحضة العمومية – نهاية الحلم – الحس المشترك – معجزة الأجراس….) محمد الكغاط (1948-2001) ولد محمد الكغاط في مدينة فاس سنة 1948، وانتظم في مدارسها قبل أن يلتحق بكلية الآداب ويحصل منها على دبلوم اللغة العربية في الترجمة (1965) ثم الإجازة في الأدب العربي (1979) وبعدهما على شهادة الدروس المعمقة في الأدب العربي الحديث (1979) متبوعة بدبلوم الدراسات العليا في موضوع (بنية التأليف المسرحي بالمغرب من البداية إلى الثمانينات 1984) ودكتوراه الدولة في موضوع (القالب المسرحي العربي بين النص والعرض 1993)، وقد سمحت له هذه التجربة الأكاديمية المتميزة بأن يلتحق بكلية الأداب والعلوم الإنسانية بفاس بصفته أستاذا مساعدا ثم محاضرا فأستاذا للتعليم العالي ومشرفا على الرسائل الجامعية ومؤطرا للبحوث المسرحية ومشرفا على ورشاتها. كما أتاحت له ممارسته لهذا الفن أن يشتغل بالتمثيل والإخراج ويرأس فرع النقابة الوطنية لمحترفي المسرح، كما انتسب بصفته مؤلفا مسرحيا إلى أتحاد كتاب المغرب وأتاحت له أن يصير مديرا للفنون بوزارة الشؤون الثقافية لفترة من الوقت.. من أعماله الأكاديمية: (بنية التأليف المسرحي في المغرب 1986 – المسرح وفضاءاته 1996 – الممثل وآلته – المسرح والتربية – الكتابة النقدية عند حسن المنيعي – المسرح بعد مطلق – الفرجة بين المسرح والأنتروبولوجيا) والمسرحية (بغال الطاحونة – ميت العاصر – بشار الخير – منزلة بين الهزيمتين – ذكريات من المستقبل – المرتجلة الجديدة – أساطير معاصرة – مرتجلة شميشة لالة – بروميثوس -91 – بغداديات – مرتجلة فاس) السعيد الصديقي (1928- 2007) يعود السبب في شحة المعلومات البيوغرافية المتصلة بحياة محمد السعيد الصديقي إلى طبيعة الحياة المحتجبة التي اختار الراحل العيش في نطاقها بعيدا من مساقط الضوء ومراقع الشهرة، فقلما كان يعطي حوارا أو يحرر مقالة أطوبيوغرافية تخص حياته الشخصية ومسيرته الفنية، وذلك بالرغم من أنه عمل طوال حياته في الصحافة وانغمس في محيطها إلى حد الذوبان… والنتيجة الفادحة لكل ذلك أننا اليوم لا نكاد نملك سوى هذا النزر اليسير من العموميات التي يغلب عليها الافتراض والترجيح بحيث لا تقوى على أن تشكل مرجعية كافية للإحاطة بحياة الرجل واستعراض تجربته الإنسانية والفنية… في إطارها عمل على خوض تجربته الاستثنائية الأولى في الاقتباس والإخراج والتي قدم فيها أعمالا ذائعة الصيت مثل “الوارث” لرينيار و”المفتش” لغوغول و “محجوبة” عن موليير… الخ. محمد أحمد البصري (1939- 2007) ولد محمد أحمد البصري بمدينة مكناس 1939 في أسرة متواضعة الحال تقطن بأحد الأحياء العتيقة، التحق بالكتاب على مألوف أبناء جيله ثم بالمدرسة الابتدائية التي نال شهادتها الأولى بتفوق إلا أن ظروف الأسرة الفقيرة لم تسعفه على استكمال دراسته الثانوية فانقطع مكرها عن التعليم واشتغل لفترة من الوقت في بعض تلك المهن الصغيرة ليساعد الوالدة على مجابهة تكاليف الحياة الصعبة أواخر الأربعينات… على أن العمل اليدوي البسيط، وإن كان يستنزف وقته وجهده، فإن لم يمنعه من الاستغراق في مطالعة الكتب التراثية والعصرية والنهل من المجلات والجرائد التي ظل شغوفا باقتنائها كلما أتيحت له الفرصة وتوفرت لديه النقود.. وبدون سابق تصميم سوف يبتهل أول فرصة تتاح له ويجتاز مباراة الالتحاق بالإذاعة المغربية سنة 1957 التي كان الغرض منها اختيار أحسن الممثلين لتطعيم الفرقة الوطنية للتمثيل الإذاعي. وبالفعل ستتحقق أمنيته الغالية ويدمج مباشرة في قسم التمثيل الذي كان يرعاه الأستاذ عبد الله شقرون، وهنا ستنتهي مرحلة من حياته وتبدأ أخرى. من مشاركاته المسرحية في:” الواقعة – القضية – شاشة الأثير – من أجلك وطني – بهجة ومرح – مرحبا بك أيها السائح – الساروت – الطريق رقم 10 – شباب في دوامة – ملاحم وأبطال – المسافر بيد الله – أنا ونسيبي – لو كان الخوخ يداوي – الزاز المعوقب – اللي تعلق اتفلق …” عبد السلام الحبيب (1938- 2010) عبد السلام الحبيب سليل إحدى تلك العائلات المغربية الأمازيغية (تارودانت) التي نزحت خلال الحرب العالمية الثانية إلى الدار البيضاء واستقرت في حيها الشاسع الأطراف؛ الحي المحمدي وتحديدا في جناحه المنجب للفنانين والمناضلين: درب مولاي الشريف..، انتدبه المسرحي الطيب الصديقي لمساعدته في تجربة مسرح الجيب الذي كان قد دشن عروضها بالفرنسية في خلفية المسرح البلدي متخذا منه قارئا للنصوص المسرحية ومشرفا على التداريب.. كما سيسهم في برامج جمعية الأعمال اللائكية ذات البعد الإشعاعي وفي أجندات المراكز الثقافية الأجنبية التي كانت تنشط ثقافيا في الداربيضاء خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي.. من أعماله: (موت اسمه التمرد – قاعدة بلا استثناء – الزنزانة – عفوا أيها السادة – الجثث – لعبة على الهامش – الوصايا – المتهم والإشهار..) عباس إبراهيم (1945- 2010) ولد الفنان المسرحي عباس إبراهيم بالرباط سنة 1945 وتخرج أواخر الستينات من المعهد الوطني للموسيقى والرقص والفن المسرحي بالرباط حيث تلقى دروسا ليلية في الفن المسرحي بين 1962 و1969 على يد نخبة من المتخصصين أمثال فريد بنمبارك وأحمد الطيب العلج وعبد الله شقرون.. وقد أهله دبلوم المعهد للتوظيف في وزارة الثقافة…، تأثر في بداية تكوينه بأستاذه في المعهد محمد سعيد عفيفي ومنه أخذ الولع بالتعبير الجسدي.. ومن فريد بنمبارك استلهم قوة الميم التعبيرية وعن عبد الله شقرون والطيب العلج الاهتمام بالنص تأليفا واقتباسا وإحلاله المكانة اللائقة به.. ثم أخذ عن الهاشمي بنعمرو إعطاء العناية الاستثنائية للديكور والمناظر… من أعماله: (القنبلة – السلاحف – الحكيم قنقون – قاضي الحلقة – الباب المسدود – الكروسة – جلباب الأبهة – أغنية المحكوم عليهم – الحمال – المهاجرون- الدقائق الخمس الأخيرة – صوت وضوء…) أحمد الطيب العلج (1928- 2012) ولد الفنان أحمد الطيب لعلج بحي الحمام بمدينة فاس العتيقة في شتنبر من سنة 1928 لعائلة ذات أصول أندلسية تلمسانية، وارتاد الكتاب القرآني على مألوف مجايليه واكتوى بنار الفقيه الذي حملته قسوته المفرطة على الانقطاع عن الدراسة كما يسجل ذلك في قصيدته الشهيرة التي أنشدها له الفنان الراحل أحمد العمري… وفي أعقاب ذلك ألحقه أهله بورشة النجارة ليتعلم مبادئ مهنة كانت لها قيمة رفيعة في ذلك الزمان. وخلال هذه الحقبة المبكرة سوف يتاح له وهو يافع أن يشهد لأول مرة سنة 1937 عرضا مسرحيا هو تمثيلية “قف أيها المتهم” للمسرحي الرائد عبد الواحد الشاوي مما سيفتح وعيه على هذا اللون التعبيري الجديد ويشجعه على تجريب مواهبه التمثيلية في جلساته مع أقرانه.. انتهاء بسعيه إلى الانخراط في إحدى تلك الجمعيات المسرحية التي كانت قد بدأت تتكاثر في أحياء مدينة فاس متخذة من التمثيل وسيلة لإشاعة الأفكار الوطنية وتكريس الهوية المغربية.. لم يقنع العلج بالتأليف والاقتباس المسرحيين ولا بالتشخيص التمثيلي ذي النكهة الشعبية الأصيلة. بل قدم باليد الأخرى مساهمته المشهودة في مجال الكتابة الزجلية التي حقق فيها ما نعرفه من ريادة وتميز كما فتح أعين المغاربة على كنوز تراثهم الشفوي من خلال ما دأب على تقديمه من برامج تثقيفية في الإذاعة والتلفزيون، وما ألفه من كتابات حول التقاليد والعادات التي أصبحت في حكم المنقرضة اليوم..، من أعماله: (بين الأمس واليوم – عمي صالح – الحاج بناصر – إبراهيم ابن الأدهم – الشطاب – المعلم عزوز – حلاق إشبيلية – عمايل جحا – حيل سكابان – مريض خاطرو – المريض بالوهم – المعلم رزوق – ملاك الدويرة – ولي الله – الفضوليات – النساء العالمات – جلباب الأبهة – المعطف – حليب الضياف – القاضي في الحلقة – الحكيم قنقون – كنكوك – الحاج العظمة – المثري النبيل – النشبة – ) الطيب الصديقي (1939- 2016) تشهد كل الأقلام، الوطنية والعربية، على علو كعب هذا الفنان المسرحي العريق وتشيد بالتجربة العريضة التي خاضها من أجل ترسيخ هوية مسرح عربي وربطه بتطورات المسرح العالمي. انتظم كتلميذ في القسم الفرنسي لمركز التعبير المسرحي بالدار بيضاء على يد الخبير الفرنسي أندري فوازان الذي سيتيح له المشاركة في التدريب المسرحي الأول الذي اقامته مصالح الشبيبة والرياضة في غابة المعمورة خلال سنة 1954 ونال الجائزة الأولى للتشخيص عن دوره في مسرحية (عمايل جحا) المأخوذة عن حيل سكابان لموليير.. كما مثل في مسرحية (المعلم عزوز) المقتبسة عن حلاق إشبيلية لبومارشي وتفوق في التمثيلية الهزلية (الشطاب) وجميع هذه الأعمال أعدها الثلاثي عطاء وكيل برعاية أندري فوازان.. كان هذا الأخير قد اشتهر إلى جانب إخراجاته اللامعة، بولعه الخاص باستمداد عناصر الإبداع الدرامي من أشكال الفرجات الشعبية ذات الملامح الدرامية وفي هذا السياق قدم الصديقي أعمالا درامية لافتة مثل (برلمان النساء) لأرستوفان و(الوارث) لرينيار و(المفتش) لغوغل و(بين يوم وليلة) لتوفيق الحكيم وغيرها من الأعمال الرائدة في تاريخ المسرح الكوني… في سنة 1956 سيعين الصديقي مديرا على هذه المؤسسة المسرحية العتيدة المسماة المسرح البلدي وتصير فرقته اسما على مسمى.. وينخرط في تجربة تستمد من التراث المغربي موضوعها وأشكالها في إشارة لامعة إلى ما سيؤول إليه مساره من انكباب على الموروث المحلي واستمداد ما فيه من جمالية خبيئة.. وسوف يقدم خلال هذه المرحلة العمل الرائد “سلطان الطلبة” الذي ألفه رفيقه عبد الصمد الكنفاوي اعتمادا على الفرجة الطلابية الشهيرة التي تعتبر من صميم التقاليد الكرنفالية المغربية، ومسرحية “سيدي ياسين في الطريق” التي تشخص الصراع التقليدي بين نشدان الحداثة والانشداد إلى التقاليد البالية ممثلة هنا في تقديس الأولياء… ومسرحية (مدينة النحاس) التي استلهمها أخوه السعيد الصديقي من إحدى الحكايات الفانطستيكية لألف ليلة وليلة.. من أعماله: (سيدي عبد الرحمن المجذوب – الحراز – مقامات بديع الزمان الهمداني – سلطان الطلبة – ألف حكاية وحكاية من سوق عكاظ – الشامات السبع – الفيل والسراويل – لو كانت فلة – جنان الشيبة – قفطان الحب – السحر عند المسلمين والنصارى واليهود …) عبد الله شقرون (1926- 2017) عبد الله شقرون ترك بصمة واضحة في تاريخ المسرح والإذاعة والتلفزيون بفضل جهوده في التأليف والإخراج والتدريب وتوثيق تاريخ المسرح المغربي، قضى طفولته منتظما في المسيد التقليدي ومساعدا لوالده في متجره بسلا قبل أن يكتشف بتأثير من أخيه الكبير فائدة التردد على المدارس العصرية حيث تلقى المعارف باللغتين العربية والفرنسية.. وأما عن بداية علاقته بالمسرح فقد كان قد شاهد في طفولته بعض تلك التمثيليات الأولى التي جرى عرضها مثل (الرشيد والبرامكة) و(صلاح الدين الأيوبي) و(شهداء الغرام) و(في سبيل التاج).. التي تركزت في نفسه أثر لا ينمحي وانبهر بأدبها وجماليتها وتمنى في قرارة نفسه أن تتاح له الفرصة ذات يوم أن يصير ممثلا أو كاتبا مثل هؤلاء الشباب النابهين.. وكان قد تابع دروسه الجامعية في معهد الدراسات المغربية العليا بالرباط حيث تلقى دروسا في اللغة العربية والمواد الإسلامية على يد أعلام مثل جورج كولان ولويس برينو.. والتحق بالجزائر ليتخرج من جامعتها بدرجة الليسانس في علوم اللغة العربية.. وفي صيف 1951 سيجري تعيينه على راس مصلحة المسرح في الإذاعة مما كان يعني رئاسته لقسم التمثيل العربي الذي أعاد جمع شمل فرقته وشرع مباشرة في العمل بعد أن طمعها ببعض العناصر الجديدة مثل حمادي
CAN de Futsal : Engouement massif des supporters à Rabat
À quelques heures du coup d’envoi du choc Maroc-Algérie, comptant pour l’entrée en lice de…







