Home الصحافة المغربية رُوَاةُ السنةِ تَحْتَ الْمِجْهَرِ.. عِلْمُ الْجَرْحِ وَالتعْدِيلِ وَتَمْحِيصُ الروَاةِ

رُوَاةُ السنةِ تَحْتَ الْمِجْهَرِ.. عِلْمُ الْجَرْحِ وَالتعْدِيلِ وَتَمْحِيصُ الروَاةِ

رُوَاةُ السنةِ تَحْتَ الْمِجْهَرِ.. عِلْمُ الْجَرْحِ وَالتعْدِيلِ وَتَمْحِيصُ الروَاةِ

رُوَاةُ السنةِ تَحْتَ الْمِجْهَرِ.. عِلْمُ الْجَرْحِ وَالتعْدِيلِ وَتَمْحِيصُ الروَاةِ هوية بريس-د. الحضري لطفي لم يكن تدوين السنة جمعا بلا نقد إن القضية لا تكتمل بسؤال: “متى كتب الحديث؟” فهذا سؤال سطحي يجيب عنه التاريخ بسهولة. فالمنكر للسنة، حين تُسَد عليه أبواب الطعن في التاريخ، وتُقام عليه الحجة بالصحائف المبكرة والتدوين في القرن الأول، يلجأ فورا إلى ثغرته التالية: “حسنا، لندع أنهم كتبوها في القرن الأول والثاني، لكن من يضمن أن ما كُتب كان صحيحا؟ ومن يضمن أن هؤلاء الرواة لم يضعوا أو يكذبوا أو يخطئوا؟”. وهنا بالتحديد، نصل إلى “الوجه الثاني والأخطر من تاريخ السنة: تاريخ النقد”. وهنا أيضا، نكشف عن واحدة من أعظم الثورات المنهجية في تاريخ الفكر الإنساني، والتي سبقت المناهج النقدية الحديثة بأكثر من ألف عام. فالمحدثون لم يكونوا مجرد “سُعاة بريد” ينقلون الأخبار، ولم يكونوا “جامعي حكايات” يضعون كل ما يسمعونه في دواوين. بل كان كل خبر نبوي يمر عبر “محك نقدي صارم”، نشأت حوله شبكة معقدة من الأسئلة التي لم تترك شاردة ولا واردة: 1. من الراوي؟ 2. عمن سمع؟ 3. هل لقيه؟ 4. هل عاش في زمنه؟ 5. هل عُرف بالصدق؟ 6. ما مقدار ضبطه؟ 7. هل تغير حفظه؟ 8. هل خالف الثقات؟ 9. وهل رُوي الحديث نفسه من طرق أخرى؟ ومن هذه الممارسة الشرسة، لم تخرج مجرد “كتب حديث”، بل تأسست “أول منظومة علمية نقدية موضوعية في تاريخ البشرية”، عُرفت بعلوم الرجال، والطبقات، والجرح والتعديل، والعلل. علم الرجال والجرح والتعديل: أول “محكمة علمية” في تاريخ البشرية لم يكن الإسناد ذا معنى إذا كانت أسماء رجاله مجهولة. فالإسناد بلا معرفة الرجال كقشرة بلا لب، وكجسد بلا روح. تخيل معي هذا المشهد: يأتي رجل فيقول: “أخبرني فلان، عن فلان، عن رسول الله ﷺ بكذا وكذا”. فماذا يصنع الناقد؟ 1. إن كان “فلان” مجهولا، فالخبر كله مردود. 2. وإن كان معروفا لكنه كذاب، فالخبر موضوع. 3. وإن كان صادقا لكنه سيء الحفظ، فالخبر معلول. 4. وإن كان ثقة لكنه لم يلقَ من روى عنه، فالخبر منقطع. وهكذا، لم يكن الإسناد مجرد “سلسلة أسماء” تُتلى، بل كان “معادلة رياضية صارمة لا تقبل المجهول”، ولا تُجيز القفز فوق الحلقات، ولا تُسامح في أي عنصر من عناصرها. فإذا قيل: “فلان عن فلان”، كان من الضروري أن يعرف النقاد: 1. من فلان؟ 2. ما اسمه الكامل؟ 3. ما كنيته؟ 4. ما لقبه؟ 5. من أبوه؟ 6. ما أصله؟ 7. متى وُلد؟ 8. ومتى مات؟ 9. وأين عاش؟ 10. ومن شيوخه؟ 11. ومن تلاميذه؟ 12. وهل ثبت لقاؤه بمن روى عنه؟ 13. وكيف كان حفظه؟ 14. وهل عُرف بالصدق؟ 15. أم عُرف بالكذب؟ 16. وهل اختلط في آخر عمره؟ أم بقي حافظا حتى الممات؟ وهنا، نرى واحدة من أعظم الظواهر العلمية في تاريخ البشرية:” أن أمة بأكملها خصصت آلاف العلماء، على مدى اثني عشر قرنا، لخدمة هذا المشروع الوحيد: “معرفة الرجال”. ولهذا راكم المسلمون تراثا واسعا في تراجم الرجال، لم تعرفه أي حضارة أخرى قبلهم أو بعدهم. فقد ترجموا كل من روى عن النبي ﷺ، وكل من روى عن الصحابة، وكل من روى عن التابعين، وكل من روى عن هؤلاء، إلى أن وصلنا إلى عصر التدوين. ولم يتركوا راويا إلا سجلوا اسمه، وذكروا حاله، وبينوا درجته. وبرز في هذا الميدان نقاد كبار، لا يعرفون المجاملة، ولا يخافون في الله لومة لائم: 1. “شعبة بن الحجاج” (ت 160هـ)، الذي لُقب بـ”أمير المؤمنين في الحديث”، وكان يقول: “لا آخذ الدين إلا عن عدل مأمون”. وكان يفحص الرواة فحصا دقيقا، فيقول عن الرجل: “صدوق” فيُقبل، ويقول: “كان يكذب” فيُطرح حديثه، ويقول: “لا يُكتب حديثه” فيُترك. 2. “يحيى بن سعيد القطان” (ت 198هـ)، إمام النقد في عصره، الذي كان يقول: “ما رأيت أحدا قط أحب إلي من شعبة، ولا رأيت أحدا أخطأ من شعبة”. فكان يجمع بين الحب والنقد، ولا يمنعه حبه لشعبة أن يُبين أخطاءه. 3. “عبد الرحمن بن مهدي” (ت 198هـ)، الذي كان يقول: “إذا رأيت الرجل يذكر أبا هريرة فيسند عنه، فاتهمه”. وكان يتتبع الضعفاء والمجاهيل، فيُبين حالهم. 4. “يحيى بن معين” (ت 233هـ)، الذي لُقب بـ”المعيار البشري الصارم” الذي لا يقبل الخطأ…”، وكان يقول: “أنا أعلم من يُؤخذ عنه، ومن لا يُؤخذ عنه”. وكان يُسأل عن الرجل، فيجيب بكلمة واحدة: “ثقة”، أو “صدوق”، أو “ضعيف”، أو “متروك”، أو “كذاب”. وكان إذا قال “كذاب”، فلا يُكتب حديثه أصلا. 5. “الإمام أحمد بن حنبل” (ت 241هـ)، إمام أهل السنة، الذي كان يقول: “لا يُكتب حديث رجل حتى يُعرف حاله”. وكان يتتبع الرجال في كل الأمصار، ويُسأل عن آلاف الأسماء، فيجيب عن كل واحد منها بدقة. 6. “الإمام علي بن المديني” (ت 234هـ)، إمام العلل والرجال، الذي قال عنه البخاري: “ما رأيت أحدا أعلم بالعلل منه”. وكان يتتبع العلل الخفية في الأحاديث، ويكشف الأخطاء التي لا يراها غيره. 7. “ثم الإمام البخاري” (ت 256هـ)، الذي لم يكن مجرد جامع أحاديث، بل كان إماما في الرجال والعلل والتاريخ. وهنا يجب أن نوجه صفعة للطاعنين في هذا العلم: لم يكن الجرح والتعديل شتيمة للراوي، أو حكما أخلاقيا على إنسانيته، أو تدخلا في نيته، أو غيبة له. بل كان “حكما تقنيا بحتا على أهليته للنقل”؛ كالحكم على أداة قياس في المختبر: هل هي دقيقة؟ هل صدئة؟ هل تغيرت بفعل الحرارة؟ فالراوي عندهم ليس “شخصا” يُمدح أو يُذم، بل هو “أداة نقل” تُفحص وتُختبر. فإن كانت الأداة سليمة، قُبل خبرها. وإن كانت معطوبة، رُفض خبرها. وهذا هو الفرق بين “الْجَرْحُ الْعِلْمِيُ” و”الغيبة المحرمة”: الجَرح العلمي يُقام لحفظ الدين، والغيبة تُقال لهتك الأعراض. وكانت مصطلحاتهم دقيقة لا تحتمل اللبس: – “ثقة”: من جمع بين العدالة والضبط التام. – “صدوق”: من عُرف بالصدق لكن ضبطه دون الثقة. – “صالح الحديث”: من يُقبل حديثه لكن فيه ضعف. – “ضعيف”: من فقد شرطا من شروط القبول. – “متروك”: من كثر كذبه أو غلطه حتى لا يُلتفت إليه. – “كذاب” أو “وضاع”: من يختلق الأحاديث. ثم ظهرت مؤلفات ضخمة وموسوعية في هذا العلم، تُرجم فيها مئات الآلاف من الرجال: 1. “التاريخ الكبير” للإمام البخاري (ت 256هـ): ترجمة أكثر من سبعة آلاف راوٍ. 2. “الضعفاء الكبير” للعقيلي (ت 311هـ): ترجمة الضعفاء والمتروكين. 3. “الجرح والتعديل” للإمام ابن أبي حاتم الرازي (ت 327هـ): موسوعة ضخمة في جرح الرواة وتعديلهم. 4. “الكامل في ضعفاء الرجال” لابن عدي (ت 365هـ): ترجمة الضعفاء مع بيان أخطائهم. 5. “ميزان الاعتدال” للذهبي (ت 748هـ): ترجمة أكثر من أحد عشر ألف راوٍ. 6. “تهذيب الكمال” للإمام المزي (ت 742هـ): موسوعة جامعة في الرجال، في ثلاثة وثلاثين مجلدا. 7. “تهذيب التهذيب” لابن حجر العسقلاني (ت 852هـ): اختصار تهذيب الكمال مع زيادات. وهذا الجانب هو المسمار الذي ندقه في نعش من يدعي أن البخاري مجرد “جامع حكايات” أو “مُلفق أخبار”؛ فالإمام البخاري لم يكن رجلا قرر فجأة أن يؤلف كتابا اسمه “الصحيح”، ثم بدأ يسأل بعد ذلك عمن روى الأحاديث! بل كان قبل أن يولد “الصحيح”، قد أُسِس مشروعا نقديا عملاقا في الرجال والتواريخ والأسانيد. فقد ألف البخاري: – “التاريخ الكبير” الذي ترجم فيه آلاف الرواة. – و”الضعفاء الصغير” الذي بين فيه حال الضعفاء. – و”الكُنَى” الذي جمع فيه كُنى الرواة. – و”المسند الكبير” الذي جمع فيه الأحاديث المسندة. ثم جاء “الصحيح” ليكون “قطاف هذا المشروع النقدي الهائل”، لا ابتداعا من فراغ. الرحلة في طلب الحديث: التحقق كعبادة ولم يكتفِ المحدثون بالنقد النظري، بل كانوا يقطعون آلاف الأميال للتحقق من حديث واحد. رحل البخاري من بخارى إلى مكة والمدينة والبصرة والكوفة وبغداد ومصر والشام. ورحل مسلم من نيسابور إلى العراق والحجاز والشام ومصر. ورحل أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في رحلات مشابهة. كل هذا من أجل ماذا؟ من أجل أن يسمعوا الحديث من مصدره، ويقارنوا بين رواياته، ويتأكدوا من ضبط شيوخه. فهل هذه أمة “ساذجة” تقبل كل ما يُلقى إليها؟ أم أنها أمة جعلت من التحقق عبادة، ومن النقد منهج حياة؟ عِلْمُ الْعِلَلِ: “الجراحة الدقيقة” التي تكشف التزوير خلف ستار الثقات إذا كان اكتشاف الكذاب أو الراوي شديد الضعف هو “المستوى التمهيدي” في النقد الحديثي، فإن “علم العِلل” هو “مرحلة الدكتوراه” في هذا العلم، وهو السيف الذي سله المحدثون في وجه أخطر أنواع التزوير: التزوير الذي يرتديه ثوب الثقة. فالمقصود بعلم العِلل ليس فقط كشف من عُرف بالكذب؛ فهذا أمر هين. الخطر الحقيقي يكمن عندما يكون “جميع رواة السند ثقات في الظاهر”، عدولا، حفاظا، ومع ذلك يكون الحديث باطلا أو معلولا! كيف يحدث هذا؟ هنا تكشف المقارنة العبقرية بين الطرق المتعددة للحديث الواحد عن خطأ خفي (عِلة) لا يراه إلا من أحاط بآلاف الأسانيد حفظا وتحليلا. قد يروي هذا الثقة حديثا “موصولا” (متصلا بالنبي ﷺ)، بينما تثبت المقارنة مع روايات أخرى أن الصواب أنه “مُرْسَل” (أن التابعي أسقط الصحابي من السند). وقد يرفعه الثقة إلى النبي ﷺ، والصواب أنه “موقوف” على قول الصحابي. وقد يخطئ في اسم راوٍ متشابه الاسم مع راوٍ آخر أوثق منه، أو يزيد لفظة في المتن يخالف فيها من هو أحفظ منه وأضبط. ولهذا، لم يكن علم العلل رفاهية معرفية، بل كان “منظومة تحقيقية مقارنة” تتطلب: جمع كل طرق الحديث، ومقارنة الأسانيد والمتون بعضها ببعض، ومعرفة دقائق روايات الشيوخ، وتتبع أخطائهم الخفية التي لا يخطئون فيها إلا نادرا. وبرز في هذا الميدان أعلام لا مثيل لهم في تاريخ النقد البشري، مثل: – الإمام علي بن المديني (الذي قال عنه البخاري: “ما رأيت أحدا أعلم بالعلل منه”). – والإمام أحمد بن حنبل. – والإمام البخاري. – والإمام مسلم. – والإمام الترمذي. – وصولا إلى إمام هذا الفن بلا منازع: “الإمام الدارقطني” (ت 385هـ)، الذي كانت كتبه في العلل مرجعا لا يُدحض. تفنيد أسطورة “المحدث الآلي” الذي يكتفي بقراءة الأسماء من أخطر المغالطات التي يروج لها أعداء السنة (ومقلدوهم من المستشرقين والعَلمانيين) تصويرُ المحدث وكأنه “آلة تصديق”؛ يقرأ قائمة من الأسماء، فإذا وجدها في كتاب “الثقات”، ختم على الحديث بكلمة “صحيح” دون أن ينظر إلى شيء آخر! هذه الصورة الكاريكاتورية تسقط تماما أمام الحقائق التالية: أولا: الشروط الخمسة التي لا تقبل التجزئة لم يكن الحكم على الحديث مجرد “جمع أسماء”، بل كان محصلة شبكة معقدة من العناصر تطورت إلى شروط صارمة لا يُقبل الحديث إلا باجتماعها: 1. “اتصال السند” (عدم وجود انقطاع). 2. “عدالة الرواة” (الاستقامة والدين). 3. “ضبط الرواة” (قوة الحفظ والكتابة). 4. “السلامة من الشذوذ” (ألا يخالف الثقةُ من هو أوثقَ منه). 5. “السلامة من العِلة القادحة” (ذلك الخلل الخفي الذي ذكرناه). فإذا اختل شرط واحد، سقط الحديث أو ضعف، مهما كانت الأسماء “لامعة”. ثانيا: نقد المتن قبل أن يعرفه الغرب بقرون المحدثون لم ينظروا إلى السند وحده. لقد وضعوا قاعدة ذهبية لا تتزحزح: “السند الصحيح لا يبرر المتن الباطل”. فكم من حديث بسند يبدو صحيحا للوهلة الأولى، قام النقاد برده لأن متنه: ₋ يعارض نصا قرآنيا قطعيا. ₋ يخالف سنة متواترة أو معلومة من الدين بالضرورة. ₋ يتناقض مع حقائق تاريخية أو عقلية بديهية لا تقبل التأويل. ₋ أو يحتوي على وعيد شديد على ذنب صغير، أو وعد عظيم على عمل تافه (مما ينم على وضع الحديث). “ومن الأمثلة الصارخة”: ما رواه بعض الضعفاء من أحاديث في فضائل سور القرآن، كحديث “من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين”، فهذا الحديث رغم أن بعض طرقه تبدو مقبولة، إلا أن النقاد ردوا بعض زياداته لمخالفتها الأصول، ولم يقبلوا كل ما يُروى بمجرد صحة السند الظاهري. لقد كان الإمام مالك، والبخاري، وابن الجوزي، والذهبي، وغيرهم، يرفضون أحاديث بأسانيد تبدو جيدة، لمجرد أن “المتن” يحمل رائحة الوضع والتلفيق. هذا هو النقد النصي الحقيقي، وليس مجرد التدقيق في الأسماء. ثالثا: الطيف النقدي الدقيق (دحض ثنائية الأبيض والأسود) لا يصح اختزال التراث الحديثي في ثنائية ساذجة: “إما صحيح 100% أو مكذوب 100%”. لقد أنشأ المحدثون “سلما دقيقا للموثوقية” يتدرج من اليقين القطعي إلى الانعدام التام للأصل، مرورا بمراحل متعددة تضمن عدم ضياع الحق وعدم قبول الباطل: 1. المتواتر: وهو ما رواه جَمعٌ كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب… (يولد يقينا قطعيا). 2. الصحيح لذاته: أعلى درجات الآحاد… (اتصال السند، عدالة وضبط الرواة، سلامة من الشذوذ والعلة). 3. الصحيح لغيره: ما كان فيه ضعف طفيف جدا، جُبِر بكثرة الطرق أو الشواهد. 4. الحسن لذاته: ما قصر قليلا عن الصحيح في الضبط، لكنه مقبول ويُحتج به. 5. الحسن لغيره: ما ارتقى من الضعف إلى الحسن بسبب تعدد الطرق. 6. الضعيف: وله درجات متفاوتة (من الخفيف إلى الشديد)، ويحدد العلماء سبب الضعف بدقة (انقطاع، جهالة، سوء حفظ…). 7. الموضوع (المكذوب): الرواية المختلقة المصنوعة كذبا. 8. لا أصل له (الباطل): وهي الدرجة الأخطر بعد الكذب الصريح؛ وهي الرواية التي لا تُعرف لها أيُ طريقٍ صحيحٍ أو حسنٍ أو حتى ضعيفٍ يمكن الاعتماد عليه، بل هي إما مختلقة اختلاقا محضا دون حتى محاولة لصنع سند، أو أنها سقطت منها حلقات السند كلها فلم يعد لها نسب معروف. فالمحدثون هنا لا يقولون فقط “هي ضعيفة”، بل يقولون “هذا الكلام لا أصل له في السنة النبوية”، مما يعني عزله كليا عن جسم السنة الصحيح. هذا التدرج المعقد والدقيق هو دليل قاطع على أن العملية كانت “علما رفيع المستوى” يقيس درجات الموثوقية بميزان الذهب. إنه منهج يقول لك: هذا خبر يقين، وهذا ظن غالب، وهذا محتمل، وهذا مردود، وهذا لا أصل له أصلا. فأين هذه الدقة الجراحية في أي منهج نقدي آخر عبر التاريخ؟ وقد تجلى ذكاء هذا المنهج وتوازنه في التطبيق العملي، كما قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله بكلامه الشهير الذي يلخص فلسفة التعامل مع درجات الحديث: «إذا حدثناكم في الحلال والحرام تشددنا، وإذا حدثناكم في المكارم والفضائل تساهلنا». فهذه العبارة لا تعني التساهل في قبول الكذب، بل تعني “المرونة المنهجية الذكية”: ففي العقائد والأحكام، لا نقبل إلا أعلى درجات الثبوت (الصحيح والمتواتر). أما في باب الترغيب والتخويف ومكارم الأخلاق، فنقبل ما دون ذلك من درجات (كالحسن والضعيف غير الشديد) للوعظ والعبرة، مع التنبيه على درجته. هذا هو عينُ العقلانية والإنصاف الذي افتقده خصوم السنة، الذين يريدون تطبيق قانون “الجنائية” الصارم على كل كلمة تُقال، بينما هم أنفسهم يقبلون في تراثهم أساطير لا سند لها أصلا! الاختلاف الداخلي: الدليل القاطع على حيوية المنهج لقد أنشأ المحدثون منظومة نقدية لها أدواتها ومصطلحاتها وتاريخها الداخلي. والأهم من ذلك: “لقد اختلفوا داخل هذه المنظومة”. فقد يصحح البخاري حديثا، ويضعفه مسلم. وقد يقبله الترمذي، ويرده الدارقطني. “ومن الأمثلة الواضحة:” حديث “إنما الأعمال بالنيات”، فقد أخرجه البخاري في أول صحيحه واعتبره أصح الأحاديث، بينما لم يخرجه مسلم في صحيحه، لا لأنه يراه ضعيفا، بل لأنه اشترط شروطا أخرى في الانتقاء. ومثل هذا الاختلاف في الشروط والمنهج هو ما أنتج تنوع الصحاح والسنن. وهذا الاختلاف في الترجيح والشروط ينتج عن ثراء المادة العلمية ودقة النظر، وهو ما يثبت أن العملية لم تكن مجرد “تصديق آلي” مفروض من سلطة عليا، بل كانت جهدا علميا متواصلا لوزن الأدلة وكشف أدق العلل. لو كان الأمر مجرد “نسخ ولصق” أو “تصديق أعمى”، لما اختلفوا في شيء. لكنهم اختلفوا لأنهم كانوا يزنون الأدلة، ويقارنون الطرق، ويجتهدون في كشف العلل الخفية. الخديعة الاستراتيجية الكبرى ولكن، دعونا نكشف الغطاء عن الخديعة الاستراتيجية الكبرى وراء هذا الشعار البراق. إن إنكار السنة ليس مجرد “خطأ فقهي” أو “اجتهاد خاطئ”، بل هو طريق ممهد ومقصود لإنكار القرآن لاحقا. إنه فيروس خبيث يُزرع ببطء في جسد الأمة؛ يبدأ بتشكيك الناس في نقل الصحابة للسنة، فإذا سقطت الثقة في الصحابة كـ “نقلة موثوقين”، سقطت تلقائيا الثقة في نقلهم للقرآن. فمن يضمن لنا أن القرآن الذي بين أيدينا اليوم هو نفسه الذي نزل على النبي ﷺ، إذا كنا قد حكمنا على رواته بالكذب أو الضعف أو التحيز؟ إن الذين يقودون هذه الحملة أو يسبحون في تيارها ليسوا جميعا على مستوى واحد من الإدراك والدافع: – منهم الساذج المغفل: الذي يظن أنه يتحرر بالعقل ويتقدم بالحداثة، وهو في الحقيقة يسير بسلاسة في فخ نصبه له غيره، دون أن يدري أنه أداة هدم لأصول دينه. – ومنهم القلِق الحائر: الذي يبحث عن مخرج من التكليف الشرعي وثقل الأحكام، فيجد في إنكار السنة “راحة وهمية” وهروبا من تفاصيل الشريعة التي تلزمه بالالتزام الخلقي والعبادي. – ومنهم الحاقد الكاره للإسلام: الذي يدرك جيدا أن ضرب السنة هو الضربة القاضية للإسلام كله، لأن القرآن بدون سنة مبينة يصبح نصا مغلقا قابلا للتأويلات الهدامة التي تفرغ الدين من محتواه. – ومنهم أتباع منهجية “قتلة الأنبياء”: أولئك الذين ورثوا الحقد التاريخي على كل دعوة حق، والذين لا يطيقون أن يكون هناك كتاب أصدق من كتبهم، أو نبي أفضل من أنبيائهم المزعومين. ودافعهم ليس علميا، بل هو عطش قديم للقيادة والسيطرة؛ فهم يريدون أن يقودوا الناس ويحكموا عقولهم ومصائرهم، ولا يطيقون أن يخضع البشر لشرع الله المنزل عبر نبيه ﷺ. لذا، يعملون على قطع الصلة بين الأمة ونبيها، لتمهيد الطريق لزعامة بشرية بديلة تحكم باسم “العقل” المزيف، بينما هي في الحقيقة تحكم باسم الهوى والسلطة. لقد بنى علماء الأمة أول محكمة تاريخية عليا، فحصوا فيها كل راوٍ، وشرحوا فيها كل متن، وميزوا فيها بين الغث والثمين بدقة لم تعرفها البشرية. والسنة التي وصلت إلينا لم تصل عبثا، بل وصلت بعد أن مرت عبر هذا الفرن النقدي المحمي. أما أنتم، فبدلا من بناء منهج بديل، اكتفيتم بـ “الحذف” و”الإنكار”. حذفتم التاريخ، وأنكرتم الإجماع، وقفزتم فوق آلاف العلماء الذين خدموا هذا الدين. وهذا هو الوجه الحقيقي لمنهجكم: ليس هو التحرر بالعقل، بل هو الفراغ من المنهج، وتمهيد لهدم العقيدة. فمن أراد أن ينظر في السنة بعقله، فليُعمل عقله كاملا، ومن أراد أن يحاكمها إلى التاريخ، فليقرأ التاريخ كاملا. فالسنة لا تحتاج إلى تعطيل العقل للدفاع عنها، ولا إلى إخفاء الأسئلة الصعبة، وإنما تحتاج إلى إنصاف المنهج الذي نُقلت به، والعلوم التي نشأت لتمحيص رواتها ونقد مروياتها. ومهما أُثيرت حولها من شبهات، يبقى الطريق العلمي مفتوحا: ندرس، ونفحص، ونقارن، ونميز بين الصحيح والضعيف، ونحاكم الدعوى إلى الدليل. وعندئذ لا يكون الدفاع عن السنة خوفا عليها من النقد، بل ثقة بأن الحقيقة لا يضرها النقد المنهجي، وإنما يكشفها. وهنا يلتقي العقل مع النقل، ويلتقي البحث التاريخي مع الأمانة العلمية، وتبقى السنةُ ميراثا مفتوحا للدرس والتمحيص، لا بناء هشا يخشى السؤال. The post رُوَاةُ السنةِ تَحْتَ الْمِجْهَرِ.. عِلْمُ الْجَرْحِ وَالتعْدِيلِ وَتَمْحِيصُ الروَاةِ appeared first on هوية بريس.

عبد الصمد ايشنمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

thirteen − two =

Check Also

ماذا تعرف عن أصغر برلماني في عهد حكومة المنصوري؟

يستهل عاطف التيجاني، الشاب البالغ من العمر 23 سنة فقط، مساره في أعلى مستويات المشهد السياس…