صَوَّتَ وسَوَّطَ

في موسم الانتخابات، تستيقظ اللُّغة من قيْلولتها، ترتدي أحسن مَجازاتها، وتخرج إلى الشوارع لتُراقب أعجبَ مسرحيّة سياسية: مواطنٌ يضع صوته في صندوق صغير، ومرشّحٌ يضعُ أحلام وطن كامل في جيبه الكبير. عندئذ تقف العربية مبتسمةً أمام فِعْلَين مُتَجاورين: صَوَّتَ وسوَّطَ. تفصل بينهما تاء رقيقة وطاء غليظة، غير أن المسافة بينهما تمتد من حرية الاختيار إلى قسْوَة السَّوْط. يصوّت المواطن مرة، وقد يصوّطهُ اختيارُه سَنوات مَديدة. يبدأ المشهَدُ مع انطلاق الحملة الانتخابية. يخرج المرشّح من صمته الطويل، يكتشف فجأةً أن للناس أسماءً ووجوهًا ومشكلات. يصافح العامل، يعانق الفلاح، يقبّل رأس الشيخ، يحمل طفلًا لا يعرف اسمه، ويسأل امرأةً عجوزًا عن صحتها كأنه طبيب الحي منذ ثلاثين عامًا. يوزّع ابتساماته بسخاء، فالابتسامة في أيام الحملة لا تحتاج إلى ميزانية، والوعد لا يخضع للمُحاسبة. أما المواطن، فيقف أمام المرشّح وفي رأسه سؤال صغير: هل يُريد هذا الرّجل صوتي؟ أم يريد أن يسمع صوتي؟ يتشابه السؤالان في اللفظ، وتختلف الإجابتان في المصير. يريدُ المرشّح الصوْت الذي يدخل الصندوقَ، أما الصوتُ الذي يخرج من الُحنجرة فيزعجه، خصوصًا حين يطلب طريقًا أو مدرسةً أو مستشفى أو تفسيرًا لوعْدٍ قديم. يرفعُ المرشّح خلال الحملة شعار “صوتُكَ أمانةٌ”. يهزُّ المواطن رأسه إعجابًا، ثم يكتشف بعد الاقتراع أن المرشّح فهم الأمانة على طريقته؛ أخذها معه ولم يُعدها إلى صاحبها. يحفظها داخل مكتبه، ويغلق الباب عليها، ويتركُ النّاخب في الخارج يشرح للحارس أنه صاحب الأمانة الأصْلي. هكذا تتحوَّلُ التّاء إلى طَاء. يصوّتُ المواطن للمرشّح، ثم يصوّط المرشّح ذاكرة المواطن بالتأجيل والتَّبْرير والغِياب. لا يحملُ سوْطًا من جِلْد، فهو يستعملُ سوْطًا عصريًّا: حفرة في الطريق، إدارة بطيئة، مستشفى يفتقد الدواء، مدرسة تختنق داخل قسم مزدحم، وهاتف لا يجيب. لكل زمن أدواته، ولكل سَوْط أناقته الإدارية. المشاركةُ والعِقابُ يحمل فعل صوّت معنى المشاركة، ويحمل فعل سوّط معنى العقاب. يفتحُ الأول باب الأمل، ويفتح الثاني ملف النّدم. يحتاجُ الأول إلى إصبع وحبر، ويحتاجُ الثّاني إلى ظهر طويل وصبر أطوَل. يدخل المواطن إلى مكتب الاقْتراع سيِّدًا لمدَّة دقيقة، ثم يخرجُ منه متدرّبًا في فن الانتظار؛ حتى مخارجُ الحروف تشارك في السخرية. تُنْطَق التَّاء خفيفةً من طرف اللِّسان، كأنها ورقة تنزلق داخل الصندوق. تَخرجُ الطاء مُفخّمةً ثقيلةً، كأنها ختْمٌ يقعُ فوق طلب مواطن أنهكه الصُّعود والنزُول بين المكاتب. تحملُ التّاء رِقة الوَعد، وتحملُ الطّاء صَلابة الوَاقع. ما أسرع ما ينتقل الخطاب من “سنخدمكم” إلى “اصبروا علينا”، ومن “بابُنا مفتوح” إلى “خُذوا موعدًا”، ومن “أنتم قوّتنا” إلى ” أَخرِجُوا هذا المُحتج”. يعرفُ المرشّح لعبة الأصوات جيِّدًا. يرفع صوته كي يجمع الأصوات، ويخفضه حين يطالبه أصحابها بالحساب. يقترب من المواطن قبل الاقتراع حتى تكاد أنفاسهما تختلط، ثم يبتعد عنه بعد الفوز حتى يحتاج المواطنُ إلى منظار. يأكل الكسكس مع السكان أمام الكاميرا، ثم يهضم الوجبة والمطالب والوعود في جلسة واحدة. أما الملصقات، فتمنح المرشّح وجهًا لا يشيخ ولا يعبس. يبتسم فوق الجدران بثقة رجل حلّ مُشكلات الكَوْن؛ يضع تحت وجهه عبارة “معًا نحو المستقبل”، ولا يُحدد أي مستقبل، ولا يشرح من سيصل إليه أولًا. غالبًا يصل هو إلى المقعد، ويظل الناخب واقفًا عند محطة “معًا”. عدالةُ المصادفة: صوتٌ أم سَوْطٌ؟ لا تخلو المصادفة اللُّغوية من عدالة ساخرة. المواطن الذي يبيع صوته بثمن وجبة قد يشتري بالسَّوط أربع سنوات من الغلاء. والمرشّح الذي يشتري الأصوات قد يدفع لاحقًا من راحته، لأن كل صفقة انتخابية تلد مطالب تشبهها. من يزرع منفعةً صغيرةً يحصد جيشًا من المنتفعين، ومن يُطعم الناس كذبةً في الحَملة يحتاج إلى أكاذيب كثيرة كي يحافظ على شهيَّتهم. مع ذلك، لا تحمل المفارقة دعوة إلى الصمت، من يترك صندوقَ الاقتراع فارغًا يمنح الآخرين حقَّ الكتابة باسمه. لا يصير الصّوت الواعي سوطًا بسهولة، لأن صاحبه يسأل قبل أن يختار، ويراقب بعد أن يختار، ويحاسب حين يكتشف الخداع. لا يصنعُ الصندوق المعجزة وحده؛ المواطن اليقظ يمنحه المعنى، والذاكرة تمنع المهرّج من إعادة العرض نفسه كل مَوسم. التاء للانتخاب… والطاء للحساب يعودُ المرشّحُ إلى الناس بعد سنوات، يحمل الابتسامة ذاتها، والشعار ذاته، والطفل ذاته وقد صار أطول قليلًا. يمد يده طالبًا أصواتًا جديدة، فيتلمّس المواطن ظهره ويتذكّر آثار الطاء القديمة. عندها تفهم اللغة أن حرفًا واحدًا قد يلخّص تاريخ ولاية كاملة: صَوَّتَ المواطن حين صدّق، وسَوَّطَه اختياره حين نسيَ أنَّ الصَّوت مسؤولية وذاكرة ومُحاسبة. بين التاء والطاء يقفُ الوطنُ منتظرًا ناخبًا يعرفُ متى يضعُ صوتَه في الصندوق، وكيف ينتزعُ السَّوْطَ مِنْ يَدِ مَنْ خَان الصّوتَ. لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر. The post صَوَّتَ وسَوَّطَ appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
أول عطلة بينية بالموسم الدراسي تنطلق في 18 أكتوبر وتمتد لثمانية أيام
يستعد التلاميذ بمختلف المؤسسات التعليمية بالمغرب للاستفادة من أول عطلة بينية برسم الموسم ا…




