“عروض رمضان” بين السماء والسوق

في درس ديني احتضنه أحد مساجد مدينة سبت أولاد النمة بإقليم الفقيه بن صالح، في فاتح شهر رمضان، قدّم بوشتى المنصوري، إمام وخطيب وباحث في الدراسات الإسلامية، قراءة تأملية في ما سماه “العروض الرمضانية” التي تتقاطع في هذا الشهر الفضيل، معتبرا أن رمضان لم يعد فقط موسما للعبادة؛ بل فضاء تتنافس فيه اختيارات متعددة على قلب الإنسان ووعيه.
وأوضح المنصوري، خلال الدرس، أن المشهد الرمضاني يتوزع بين ثلاثة عروض كبرى: عرض رباني يسمو بالروح، وعرض تجاري يستثمر في حاجات الناس، وعرض ثالث قد يجنح إلى الإسفاف ويستهلك الوقت والذوق العام. وبين هذه العروض، يظل الإنسان – حسب تعبيره – أمام امتحان الاختيار.
عرض رباني… أفق للترقي
في تفصيله للعرض الرباني، أكد بوشتى المنصوري أن رمضان “موسم استثنائي للترقي”، تتضاعف فيه الحسنات، وتُفتح فيه أبواب الرحمة، وتتهيأ فيه النفوس للمراجعة والتوبة؛ فالصيام، كما قال، ليس امتناعا عن الطعام والشراب فحسب، بل مسار تزكية يعيد ترتيب الأولويات ويقوّي الصلة بالله.
وأضاف المتحدث أن العرض الرباني في رمضان يتجلى في معالم واضحة، تجعل من الشهر فرصة عمر حقيقية لكل من أراد أن يكون “ربانيا” في سلوكه وخياراته.
رمضان يرفع الدرجات: إدراك الشهر وصيامه وقيامه يمنح العبد فرصة لبلوغ مراتب عالية عند الله. وقد ورد في السنة ما يدل على عظم أثر رمضان في رفعة المؤمن، بما يحمله من عبادات متكاملة تمتد ليلا ونهارا.
يثقل الميزان بالحسنات: الصيام عبادة اختصها الله بجزاء عظيم، حتى وُصف بأنه “لا عدل له”، لما يتضمنه من إخلاص وخفاء، وما يورثه من أثر عميق في ميزان الأعمال يوم القيامة.
حصن من النار: جاء في الحديث الشريف أن “الصيام جُنّة”، أي وقاية وحماية، بما يحمله من تهذيب للنفس وضبط للشهوات، فيتحول إلى درع معنوي يحفظ صاحبه من الانزلاق والمعصية.
شافع لصاحبه يوم القيامة: ورد أن الصيام والقرآن يشفعان للعبد، في صورة تعكس مكانة هذه العبادة في ميزان الآخرة، وتبرز أثرها المتعدي إلى ما بعد الحياة الدنيا.
موسم لتيسير الطاعات: في رمضان تُصفد الشياطين وتُفتح أبواب الجنة، ويُنادى على أهل الخير أن يُقبلوا؛ ما يجعل الإقبال على العبادة أيسر، ويمنح المؤمن دفعة إيمانية استثنائية.
ليلة القدر… فرصة العمر: ليلة واحدة خير من ألف شهر، بما تحمله من نفحات وأجور تفوق أعمارا طويلة في الطاعة؛ ما يجعلها ذروة العرض الرباني في هذا الشهر المبارك.
تكفير الذنوب: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه، وهي رسالة أمل متجددة لكل من أراد بداية جديدة وتصحيح المسار.
دعوة مستجابة كل يوم: للصائم لحظات قرب خاصة يُرجى فيها قبول الدعاء وتحقيق الرجاء؛ ما يمنح الشهر بُعدا روحيا يوميا يتجدد مع كل إفطار وسحور.
عرض تجاري… بين المشروعية والإفراط
في مقابل ذلك، توقف المنصوري عند ما سماه “العرض التجاري”، حيث تتحول الأسواق إلى فضاءات تنافسية كبرى، وتتصاعد الحملات الإعلانية بشكل ملحوظ.
وأكد الإمام والخطيب أن التجارة نشاط مشروع؛ غير أن الإشكال يبرز حين يطغى منطق الاستهلاك على روح الزهد والاعتدال التي يقوم عليها الشهر.
وأشار الباحث في الدراسات الإسلامية إلى أن الحفاظ على التوازن بين تلبية الحاجات المعيشية وصون البعد الروحي يظل مسؤولية فردية وجماعية، في انسجام مع قيم الاعتدال التي تميز التدين المغربي.
عرض ثالث… تحدي الوعي والذوق
أما العرض الثالث، فيتجلى – حسب الإمام – في بعض المضامين الرقمية والبرامج التي تركز على الإثارة أكثر من البناء القيمي؛ ما قد يحول ليالي رمضان إلى زمن استهلاك مفرط للشاشات بدل أن تكون محطة للتأمل والذكر.
واعتبر أن التحدي الحقيقي يكمن في حسن الانتقاء، وفي دعم محتوى يحترم هوية المجتمع وثوابته الدينية والوطنية، ويجمع بين الترفيه الهادف والرسالة البناءة.
بين العروض.. أي طريق نختار؟
بهذه المعاني، يتحول رمضان – كما خلص المنصوري – إلى عرض مفتوح للارتقاء، لا يُقصي أحدا، ولا يتطلب سوى صدق النية وحسن الإقبال؛ فهو شهر تتجدد فيه الفرص، وتُعاد فيه صياغة العلاقة مع الذات ومع الله ومع المجتمع.
وبين نداء السماء وإغراء الأرض، يبقى الرهان الحقيقي هو أن يُحسن الإنسان الاختيار، وأن يوازن بين حاجاته المادية وروحه الإيمانية، في إطار من الوسطية التي ميّزت التجربة الدينية المغربية عبر قرون. فالشهر الفضيل ليس مجرد زمن يمر، بل محطة سنوية لإعادة بناء الداخل، وربح العرض الأكبر.
The post "عروض رمضان" بين السماء والسوق appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
الخبير الإسباني كارلوس أوريارتي سانشيز: الخطاب الملكي يحمل رسالة استراتيجية لتعزيز الشراكة بين المغرب وإسبانيا
أكد الخبير الإسباني كارلوس أوريارتي سانشيز أن الخطاب الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد الس…





