Home الصحافة المغربية غُنْيَةُ الخَطِيب، وَتحُفَةُ الأَديب، وَمُنْيَةُ الأَرِيب

غُنْيَةُ الخَطِيب، وَتحُفَةُ الأَديب، وَمُنْيَةُ الأَرِيب

غُنْيَةُ الخَطِيب، وَتحُفَةُ الأَديب، وَمُنْيَةُ الأَرِيب

غُنْيَةُ الخَطِيب، وَتحُفَةُ الأَديب، وَمُنْيَةُ الأَرِيب سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سِلْسِلَةً تَوْجِيهِيَّةً مُتَنَوِّعَةً فِي عِشْرِينَ جُزْءًا (الجزء: الثالث) سلسلة: مَكَارِم اْلأَخلاَقِ (القسم الثالث) هوية بريس – د.محمد ويلالي 1448هـ ـــــ 2026م (1) )اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ( (1) حُسْنُ الظَّنِّ بِاللهِ لا شك أن المسلمين محاطون بمراقبة الله العليم الحكيم، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ فهو حفيظ عليهم، عليم بسرهم وعلانيتهم، يحصي عليهم أعمالهم، وقد أقام عليهم الحجة، وقطع لسانهم بالمعذرة، فقال لهم: “إنَّما هِيَ أَعمالُكُم أُحْصِيها لَكُمْ، ثمَّ أُوفِّيكُم إيَّاها. فَمَنْ وجَدَ خَيرا فليَحْمَدِ اللهَ، ومَنْ وَجَد غيرَ ذلكَ، فَلا يَلومَنَّ إلاَّ نَفسَه”[1]. غير أن من رحمة الله ـ تعالى ـ أنه يقبل التوبة عن عباده، ويجعل آمالهم في عفوه وكرمه معقودة، وتشوفاتِهم لما عنده من خير مرصودة. ولذلك سيكون موضوعنا ـ ضمن “سلسلة مكارم الأخلاق“ ـ من الأهمية بمكان، فَطِنَ له أذكياء الناس فتعلقوا به، واستشرف له نُبهاؤهم فاطمأنوا إليه. إنه “حسن الظن” بالله وبالمؤمنين، الذي ما دخل قلبا إلا ملأه سعادة، ولا غزا نفسا إلا آنسَها من الله حسنَ الوِفادة، وما مَكَّن له المسلمون فيما بينهم إلا أذهب الله من قلوبهم البغضاء، وطهر نفوسهم من الشحناء، وخَلَّصَ العلائق بينهم من الضغائن والأهواء، وسد عليهم منافذ الشيطان، فَمُنِعَ من الإيقاع بينهم، فقل خصامهم، وامتنع تهاجرهم، وانتفى تدابرهم، وحسنت ـ بفضل الله ـ أحوالهم. وإن الداعي لمثل هذا الموضوع، ما نراه يجري بين الناس من الظنون، التي لا تحمل الأقوال والأفعال على محامل الخير، بل تفترض فيها عكس قصدها من غير بينة، وتتهم فيها النوايا دونما حجة. ولهذا سنقسم الموضوع إلى قسمين: حسن الظن بالله، وحسن الظن بعباد الله. ونبدأ ـ إن شاء الله تعالى ـ بالقسم الأول. قال التَّهَانَوِيُّ ـ رحمه الله ـ: “الظن عند الفقهاء: التردد بين أمرين استويا، أو ترجح أحدهما على الآخر”. فإذا رُجِّحَ جانب الخير سمي حُسنَ ظن، وإذا رُجِّحَ جانب الشر، سمي سوءَ ظن. ولذلك يقال: رجل ظَنون: إذا كان سيء الظن. والظن غالبا ما يكون مذموما. قال ـ تعالى ـ: )وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ([2]. وقال ـ تعالى ـ: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ([3]. والله ـ تعالى ـ أحقُّ مَن حَسُن ظنُّ المؤمن به، ولا يسيء به الظن إلا كافر، أو مشرك، أو منافق. قال ـ تعالى ـ: )يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ([4]. وقال ـ تعالى ـ: )وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ([5]. فَلَا تظنَّنْ بربكَ ظَنَّ سَوْءٍ فـإنَّ اللهَ أَوْلَــى بالجَمِيــلِ أما المؤمنون، فقد أمروا بأن تكون آمالهم في عفو الله عظيمة، ورغبتهم في رحمة الله جسيمة، وتطلعاتهم لنصر الله كبيرة. قال ـ تعالى ـ في الحديث القدسي: “أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ”[6]. وأعظم ما ينفع حسنُ الظن بالله ـ تعالى ـ عند الموت: فعن أبي النضر قال: خرجت عائدا ليزيدَ بنِ الأسود، فلقيت واثلة بنَ الأسقع وهو يريد عيادته، فدخلنا عليه، فلما رأى واثلةَ، بسط يده، وجعل يشير إليه، فأقبل واثلةُ حتى جلس، فأخذ يزيدُ بكفَّيْ واثلة، فجعلهما على وجهه. فقال له واثلة: “كيف ظنك بالله؟”. قال: “ظني بالله ـ واللهِ ـ حَسَنٌ”. قال: “فأبشر، فإني سمعت رسول الله r يقول: “قال اللهُ ـ جلَّ وعلا ـ: (أنا عند ظنِّ عبدِي بي: إنْ ظنَّ خيرًا فلهُ، وإنْ ظنَّ شرًّا فلهُ)“[7]. وعن جابر بن عبد الله الأنصاري t قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ r قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلاَثٍ يَقُولُ: “لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ”[8]. ولقد كان على الزبير دَيْنٌ كبير، فأوصى ابنه عبد الله قبل مقتله قائلا: “إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتُرَى يُبْقِي دَيْنُنَا مِنْ مَالِنَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، بِعْ مَالَنَا، فَاقْضِ دَيْنِي. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ، فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلاَيَ. فَوَاللهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَتِ، مَنْ مَوْلاَكَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَوَاللهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلاَّ قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ، اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ“[9]. إِنِّـي لَأَرْجُـو اللهَ حَتَّـى كَأننِـي أَرَى بِجَمِيلِ الظَّنِّ مَا اللهُ صَانِعُ وكان على هَدْيِ حُسن الظن بالله سلفُ الأمة: هذا سعيد بن جبير يدعو ربه ويقول: “اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك”. وكان عبد الله بن مسعود t يقول: “والذي لا إله غيره، ما أُعطيَ عبدٌ مؤمنٌ شيئا خيرا من حسن الظن بالله ـ عز وجل ـ. والذي لا إله غيره، لا يُحسن عبدٌ بالله ـ عز وجل ـ الظن إلا أعطاه الله ـ عز وجل ـ ظنه، ذلك بأن الخير في يده”. وكان سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ يقول: “ما أحب أن حسابي جُعل إلى والدي، فربي خير لي من والدي”. ونقل ابن أبي الدنيا في كتابه: “حسن الظن بالله ـ تعالى ـ” قول سَهْلٍ القُطَعِيِّ: “رأيت مالك بن دينار ـ رحمه الله ـ في منامي، فقلت: يا أبا يحيى، ليت شعري، ماذا قَدِمْتَ به على الله ـ عز وجل ـ؟ قال: قدمت بذنوب كثيرة، فمحاها عني حسنُ الظن بالله”. وإني لآتي الذنـبَ أعرفُ قدرَهُ لئن عَظَّمَ الناسُ الذنوبَ فإنها وأعلــمُ أن اللهَ يعفــو ويغفــرُ ـ وإن عَظُمت ـ في رحمة الله تصغرُ وإذا كنتَ في شدة، فأحسن ظنك بالله ـ تعالى ـ يأتك الفرج بإذنه. فعن أبي بكر t قال: قلت للنبي r وأنا في الغار: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا. فَقَالَ: “مَا ظَنُّكَ ـ يَا أَبَا بَكْرٍ ـ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا”[10]. وإن أصحاب الغار الثلاثة قد انطبقت على غارهم الصخرة، فكان الموتُ المحقق، لولا أن حُسْنَ ظنهم بالله ـ تعالى ـ غلبَ يأسَهم وقنوطَهم، فَدَعَوا الله ـ تعالى ـ، وتوسلوا إليه بصالح أعمالهم، ففرج عنهم ما كانوا فيه. فلا تحزن وإن عظمت ذنوبك، ولا تيأس وإن كثرت زلاتك، فإنك قادم على كريم. قُل لِلَّذي مَلأ التَّشاؤُمُ قلبَهُ ومَضَى يُضَيِّقُ حَولَنا الآفَاقَا سِرُّ السَّعَادَةِ حُسنُ ظَنِّكَ بالذي خَلَقَ الحياةَ وقَسَّمَ الأَرْزَاقا قال ـ تعالى ـ: )قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ([11]. ويقول ـ عز وجل ـ في الحديث القدسي: “مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ”[12]. ويقول الرب الرحيم في الحديث القدسي: “يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ (ما يقارب مَلأها) خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً“[13]. تَعاظَمَني ذَنبِــي فَلمَّـا قَرنتُــهُ بعفـوكَ ربي كانَ عفوُكَ أعظَمَـا غير أن حسن الظن بالله يستوجب العمل الصالح، وترك المعاصي، ولا يدعو إلى التواكل، والتعويل على مجرد رحمة الله وعفوه. قال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ: “إن قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم حسنة، يقولون: نحن نحسن الظن بربنا.. ثم قال: “ولو أحسنوا الظن بالله، لأحسنوا العمل”. وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: “وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل، ثم قال: أستغفر الله، زال الذنب، وراح هذا بهذا.. وهذا الضرب من الناس قد تعلق بنصوص من الرجاء واتكل عليها، وإذا عُوتِب على الخطايا والانهماك فيها، سردَ لك ما يحفظه من سَعة رحمة الله ومغفرته، ونصوص الرجاء. وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب، كقول بعضهم: تَكَثَّرْ ما استطعتَ من الخطايَا إذا كانَ القدومُ على كريـمِ وقول الآخر: التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله. وقال الآخر: ترك الذنوب جراءة على مغفرة الله واستصغار“. ويقول ابن القيم ـ أيضا ـ: “ولا ريب أن حسن الظن بالله إنما يكون مع الإحسان، فإن المحسن حَسَنُ الظن بربه أنه يجازيه على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته”. فعن أبي أمامة بن سهل قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير يوما على عائشة فقالت: لَوْ رَأَيْتُمَا نَبِيَّ اللهِ r ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَرَضٍ مَرِضَهُ، وَكَانَ لَهُ عِنْدِي سِتَّةُ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةٌ، فَأَمَرَنِي نَبِيُّ اللهِ r أَنْ أُفَرِّقَهَا، فَشَغَلَنِي وَجَعُ نَبِيِّ اللهِ r حَتَّى عَافَاهُ اللهُ، ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْهَا فَقَالَ: مَا فَعَلَتِ السِّتَّةُ أَوِ السَّبْعَةُ؟ قُلْتُ: لاَ وَاللهِ، لَقَدْ كَانَ شَغَلَنيِ وَجَعُكَ. فَدَعَا بِهَا، ثُمَّ صَفَّهَا فِي كَفِّهِ فَقَالَ: “مَا ظَنُّ نَبِيِّ اللهِ لَوْ لَقِيَ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَهَذِهِ عِنْدَهُ“[14]. وإنِّي لَأَدعُـــو اللهَ حتى كَــأنَّني أَمُـدُّ يَــدِي في غير يأسٍ لعلَّـــهُ وَأُقْـرَعُ أبـوابَ السَّماواتِ راجيًا ومَنْ لي سِوى الرحمنِ ربًّا وَسيِّدًا؟ إذا سُدَّتِ الأبوابُ أَلْقَيتُ حَاجَتِي فَيَا ليتَ شِعْرِي كيفَ يَنساهُ عاقلٌ؟ أَرى بِجَميلِ الظنِّ ما اللهُ فاعلُهْ يَجُودُ على عاصٍ كمثلي يواصلُهْ عطاءَ كريمٍ ـ قطُّ ـ ما خَابَ سائلُهْ وَمَنْ غيرُه أُبديهِ مَا الغَيرُ جَاهِلُهْ؟ إِلى مَالِكِ الحاجَاتِ غُرٌّ نَوَائِلُهْ وَنَعْماؤُهُ تَتْرَى وَتَتْرَى جَمَائِلُهْ (2) )اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ( (2) حُسْنُ الظَّنِّ بِعبَادِ اللهِ &&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& تحدثنا ـ ضمن المطلب الأول من موضوع: “حسن الظن”، عن حسن الظن بالله ـ تعالى ـ. ونُثَني بالمطلب الثاني المتعلق بـ“حسن الظن بعباد الله“. ولا شك أنه موضوع جليل النفع، عظيم الوقع، بسبب ما انتشر بين كثير من الناس من البغضاء والشحناء، مرجعهما إلى سوء الظن، وبناء الأحكام الجاهزة على ظنيات قد لا تكون صحيحة. فكم من رجل طلق امرأته دون أن يتثبت من خبر سيء ورده عنها؟ وكم من صديق خاصم صديقه بسبب إشاعات مغرضة، فرقت بينهما، ونشرت بينهما العداوة والكراهية؟ وكم من جار قَطع سبل الود مع جاره، بسبب ما تناهى إليه من خبر مكذوب عنه، صدقه من غير روية، فانقلب الجوار تنافرا وتباعدا؟<

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

twelve + one =

Check Also

تنسيق نقابي بورزازات يستنكر اختلالات التدبير بمستشفى سيدي حساين بناصر

أصدر التنسيق النقابي المكون من المكتب الإقليمي للجامعة الوطنية للصحة، التابعة للاتحاد المغ…