غُنْيَةُ الخَطِيب، وَتحُفَةُ الأَديب، وَمُنْيَةُ الأَرِيب سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سِلْسِلَةً تَوْجِيهِيَّةً مُتَنَوِّعَةً

غُنْيَةُ الخَطِيب، وَتحُفَةُ الأَديب، وَمُنْيَةُ الأَرِيب سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سِلْسِلَةً تَوْجِيهِيَّةً مُتَنَوِّعَةً فِي عِشْرِينَ جُزْءًا (الجزء: الثاني) سلسلة: مَكَارِم اْلأَخلاَقِ (القسم الثاني) هوية بريس – د. محمد ويلالي 1448هـ ـــــ 2026م (1) الرِّضَا: بَابُ الله الأَعظَمُ تتمةً لسلسلة مكارم الأخلاق، ومحاولةً في علاج ظاهرة العنف، واستفحال الخصومات، وكثرة الاعتداءات، سنشرع ـ إن شاء الله تعالى ـ في معرفة بعض الصفات التي أُمرنا بالتحلي بها، والعمل على تربية نفوسنا عليها، لما لها من فوائد عظمى في ضبط العلاقات بين الناس، ونشر روح الود والصفح والتجاوز بينهم. وموعدنا مع أولى هذه الصفات، وهي: صفة: “الرضا”. والرضا منزلة عظيمة، ومكانة رفيعة عزيزة، من تحلى بها، فقد أوتي خيري الدنيا والآخرة. قال عبد الواحد بن زيد ـ رحمه الله ـ: “الرضا: باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، وسراج العابدين”. وقال أبو عبد الله البَرَاثي ـ رحمه الله ـ: “من وُهب له الرضا، فقد بلغ أقصى الدرجات”. وقال الراغب ـ رحمه الله ـ: “رضا العبد عن الله: ألا يَكره ما يجري به قضاؤه. ورضا الله عن العبد هو: أن يراه مؤتمِرا لأمره، ومنتهيا عن نهيه. قال الله ـ تعالى ـ:رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ “. وقيل: الرضا هو: “استقبال الأحكام بالفرح”. وقيل: “الرضا: سرور القلب بمُرِّ القضاء”. وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في “مدارج السالكين”: “الرضا بالقضاء الديني الشرعي واجب، وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان. فيجب على العبد أن يكون راضيا به بلا حرج، ولا منازعة، ولا معارضة، ولا اعتراض. قال ـ تعالى ـ: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا “. وقال النبي : “ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً” . والرضا الحقيقي هو: أن ينشرح صدرك ـ مسرورا ـ لما ارتضاه الله لك، قبلته نفسك أو لم تقبله. قال الحسين بن علي : “من اتكل على حسن اختيار الله ـ تعالى ـ، لم يتمن غير ما اختار الله له”. وقال أبو عثمان الحِيري ـ رحمه الله ـ: “منذ أربعين سنة، ما أقامني الله في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته”. وقال أبو الدرداء : “إن الله ـ عز وجل ـ إذا قضى قضاء، أحب أن يُرضَى به”. وقال علقمة ـ رحمه الله ـ في قوله ـ تعالى ـ: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ : “هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله ـ عز وجل ـ، فيسلم لها ويرضى”. وقال عمر بن الخطاب : “ما أبالي على أي حال أصبحت وأمسيت من شدة أو رخاء”. وقال عامر بن قيس ـ رحمه الله ـ: “أحببتُ الله حبًّا هوَّن عليَّ كلَّ مصيبة، ورضَّاني بكل بليَّة، فلا أُبالي ـ مع حبي إياه ـ عَلامَ أصبحت، وعلام أمسيت”. ومن وصايا لقمان ـ عليه السلام ـ لابنه: “أوصيك بخصال تقربك من الله، وتباعدك من سخطه: أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأن ترضى بقدر الله فيما أحببت وكرهت”. وإنما عظمت الخصومات بين الناس، لبعدهم عن الرضا بما قسم الله لهم، ولاعتراضهم عن جريان القدر بتفضيل الله ـ تعالى ـ بعض عباده على بعض، لما يعلمه ـ سبحانه ـ من صلاحهم في ذلك. قال السفاريني ـ رحمه الله ـ: “فمن عباده من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغناه لفسد عليه دينُه. ومنهم من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقره لفسد عليه دينُه.. فمهما قسمه لك من ذلك، فكن به راضيا مطمئنا، لا ساخطا ولا متلونا، فإنه ـ جل شأنه ـ أشفقُ من الوالدة على ولدها”. ألم تعلم أن ما بك من نعمة فمن الله، وما بك من بلاء فهو ـ أيضا ـ من الله؟ فعلام الجزع والتسخط؟ قال النبي من حديث أنس : “عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ. وَإِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ. فَمَنْ رَضِيَ، فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ، فَلَهُ السَّخَطُ” . إن الأرزاق مكفولة، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فكيف تبغي الزيادة بالطرق الحرام، أو بالاعتداء على الأبرياء بسرقة أموالهم، أو ظلمهم في ممتلكاتهم، وإشهار السلاح في وجوههم، أو قَطْع طريقهم، مما أصبحنا نسمع به في الصباح والمساء؟ يقول النبي : “فَاتَّقُوا اللهَ وأَجْمِلوا في الطَلَبِ، ولا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ، فإنَّ اللهَ لا يُدْرَكُ ما عندَهُ إِلَّا بِطَاعَتِه” . وقال ابن عون ـ رحمه الله ـ: “لن يصيب العبدُ حقيقة الرضا، حتى يكون رضاه عند الفقر، كرضاه عند الغنى”. وفي الحديث الشريف: “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ الله بِمَا آتَاهُ” . اِقنَعْ برزق يســـير أنت نائلُــهُ فما صَفَا البحر إلا وَهْوَ منتقصٌ واحذَرْ ولا تَتَعرضْ للإراداتِ ولا تَكــدَّر إلا بالزيـــاداتِ كيف يذهل الواحد منا عن نعم الله الكثيرة علينا، ثم تراه جزعا من قلة المال، أو عدم الحصول على وظيفة، أو عدم التمكن من الزواج، أو تعسر الحصول على بيت للسكن، أو التوافر على سيارة..؟ مع أن أمثال هؤلاء من بني البشر يكثرون عددا، بل هناك أزيد من مليار شخص في العالم يعيشون تحت خط الفقر، نصفهم من المسلمين، ومليار آخرون يعيشون دون الحد الكافي من الطعام والحاجات الأساس، ويموت قرابة 30 ألف طفل يوميًّا بسبب الفقر، وربع الإنسانية يعيشون بلا كهرباء، ومليار شخص في البلدان النامية لا يحصلون على كمية كافية من المياه؟ قال ـ تعالى ـ: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . فإن سخطتَ شيئا من أقداره، أهلكت نفسك، وقطَّعْتَها حسرات على الدنيا، ولم تنل منها إلا ما قسمه لك جل شأنه. يقول النبي : “اُنْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله” . وأُثر عن عمر بن الخطاب أنه قال: “ما ابتُليتُ ببلية إلا كان لله عليَّ فيها أربعُ نِعم: إذْ لم تكن في ديني، وإذْ لم أُحرَم الرضا، وإذْ لم تكن أعظمُ منها، وإذْ رجوت الثواب عليها”. يا من يجزع لحوادث الدنيا، ويقتل نفسه كمدا على ضياع مال، أو فقد حبيب.. استمع إلى قصة عروة بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ، لتر كيف يرضى الراضون، وكيف يصبر الصابرون؟ كان عروة في سفر، حتى إذا كان بوادي القرى، وجد في رجله شيئا، فظهرت به قرحة، فجيء بالطبيب، فأمر بقطع رجله من نصف ساقه، وإلا سرى المرض الخبيث في سائرها، فرضي بذلك، وقال له الطبيب: اِشرَب المُرْقِد (سائل مخدر منوم). قال: لا أشرب مرقدا أبدا، ولكن إذا دخلتُ في الصلاة، فافعل ما شئت. فأخذ الطبيب المنشار، فقطعها، فلم يتكلم عروة. فقال الطبيب: ما رأيت شيخا قط أصبر من هذا. وبينما هو كذلك، إذ مات له ابن في ذلك السفر، وكان من أحب أبنائه. فلما رجع قال: “اللهم كان لي بنونَ سبعة، فأخذتَ منهم واحدا، وأبقيتَ منهم ستة. وكانت لي أطراف أربعة، فأخذت مني طرفا، وأبقيت لي ثلاثة. ولئن ابتليتَ، فلقد عافيتَ، ولئن أخذتَ، فلقد أبقيتَ”. قال ـ تعالى ـ: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ . وقيل ليحيى بن معاذ ـ رحمه الله ـ: “متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة فصول فيما يعامل به ربَّه، فيقول: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت”. ولا شك أن الدنيا مجبولة على الأكدار والابتلاءات، وابتغاءُ صفوها ضربٌ من المستحيلات. جُبِلَتْ على كدرٍ وأنتَ تُريدها ومكلِّفُ الأيامِ ضدَّ طباعـــها صفوًا مـن الأقذاء والأكــدارِ مُتطلِّبٌ في الماء جَـــذْوَةَ نـارِ ولقد عَلَّمنا رَسُولُ اللهِ كيف نواجه أحزانها وتقلباتها، وأن لا سبيل إلى ذلك إلا باكتساب خصلة الرضا، فقال: “اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ” . وقال ـ تعالى ـ: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا . فقد ترى حالك سيئا، وعيشك ضَنْكا، وحياتك بئيسة، ولربما كان ذلك عينَ سعادتك، وسبيلَ فوزك. فِــي كُــلِّ بَيْــتٍ مِحْنَــةٌ وَبَلِيَّــةٌ ولعلك بيتَك ـ إن شكرتَ ـ أقلُّها تأمل فيما رواه لنا رَسُولُ اللهِ ، في قصة أحد السبعة الذين تكلموا في المهد. قال : “بَيْنَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ، وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا. فَتَرَكَ (الابنُ) الثَّدْيَ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ، فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ.. وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ. وَهِيَ تَقُولُ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا. فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيثَ.. قَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارًا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا: زَنَيْتِ وَلَمْ تَزْنِ، وَسَرَقْتِ وَلَمْ تَسْرِقْ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا” . فانظر كيف كان صلاحُه في التشبه بهذه المسكينة المنبوذة، وخسارتُه في التشبه بهذا الجبار المتكبر؟ فهل تملك ـ بعد هذا ـ إلا أن ترضى بما قضاه لك مَن خَلَقك، ودبره لك مَن يَعلم ما يصلحك؟ وَلَـرُبَّ أمـرٍ مُســخَــطٍ اللــهُ يفــعـلُ مَــا يَشَــا لـكَ فــي عـواقبـه رضا ءُ فــلا تكـنْ مُتـعــرِّضا ومن استعصى عليه الرضا، فليستمسك بالصبر، فإنه خير معين عليه. كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى : “أما بعد، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر”. وقال عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ: “أما الرضا، فمنزلة عزيزة أو منيعة، ولكن قد جعل اللهُ في الصبر مُعَوَّلًا حسنا”. اللهم إنا نسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين. (2) فَاصْفَحِ الصَّفحَ الجَمِيلَ عرفنا أن خصلة “الرضا” من أعظم الأدوية الناجعة لشفاء النفوس من الاضطرابات العارضة، وسلامة القلوب من التعلق بالبهارج الزائفة، وأنه طريق السعادة، وسبيل الطمأنينة. ونحن على موعد ـ إن شاء اللهُ تعالى ـ مع وصفة جديدة من وصفات تطهير النفوس، وخصلة من خصال القضاء المبرم على اضطراباتها وتقلباتها. إنها خصلة “العفو”. وأصل العفو: المحو والطمس، أي: محو الذنب، والتغاضي عنه. قال الكَفَوي ـ رحمه الله ـ: “العفو: كف الضرر مع القدرة عليه”. وقد دارت كلمة العفو مع مشتقاتها في القرآن الكريم أكثر من ثلاثين مرة. وهي صفة لله ـ تعالى ـ، يحب أن يرى حُلاها على عباده. قال ـ تعالى ـ: إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا . وقال ـ تعالى ـ: عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ . وقال النبي : “مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ الله تَعَالَى؛ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ نِدًّا، وَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهُوَ ـ مَعَ ذَلِكَ ـ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ وَيُعْطِيهِمْ” . سبحانَ من نهفُو ويعفُو دائما يعطي الذي يُخطي وَلَا يَمنعُهُ وَلَم يَزل مهـمَا هفَا العبدُ عفَـا جَلالُهُ من العَطَا لذي الخَطَا وأوصى ـ تعالى ـ عباده بالعفو فقال: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى . وقال ـ عز وجل ـ: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ . وقال ـ سبحانه ـ: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . كما أوصى رسولَه بالعفو فقال: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ . ووصف ـ سبحانه ـ الصفحَ بالجميل، فقال: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ، وهو الذي لا عتاب معه. وكذلك كان نبينا ؛ فقد ذكر عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي اللهُ عنهما ـ أن من صفات رسول الله في التوراة، أنه: “لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ، وَلاَ صَخَّابٍ بِالأَسْوَاقِ، وَلاَ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَتَجَاوَزُ” . وكان يوصي أمته بنشر خصلة العفو بينهم ويقول: “تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ” . وكان النبي يقول: “ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ اللهُ لَكُمْ. وَيْلٌ لأَقْمَاعِ الْقَوْلِ ، وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ” . وعن أبي الأحوص عن أبيه قال: قلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرجلُ أمُرُّ به فلا يَقريني ولا يُضيِّفُني، فيمُرُّ بي، أَفأَجْزيه ؟ قال: “لا، أَقْرِه” . ويتجاوز رَسُولُ اللهِ العَفْوَ إلى الحِلم، والصفح، ومقابلة السيئة بالحسنة. فعن أبي هريرة أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ يَتَقَاضَاهُ (يطلب منه قضاءَ الدين)، فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : “دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً”. ثُمَّ قَالَ: “أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لاَ نَجِدُ إِلاَّ أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ. فَقَالَ: “أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ، أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً” . قال ـ تعالى ـ: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ . لا يبلُغُ المَجـدَ أقوامٌ وإن كَرُمُـوا ويُشتَمـوا فترَى الألوانَ مُسفـرةً حتى يذِلُّــوا وإن عَـزُّوا لأقـوامِ لا صَفْحَ ذُلٍّ ولكن صفحُ أحلامِ ولقي رَسُولُ اللهِ من قومه ما لقي من الأذى: لقي التكذيب والتسفيه، التعذيب والتنكيل، التشريد والطرد والإبعاد عن الأهل والأقارب ما يقرب من ثمان سنوات. أخرجوه من بلده مكة، فخرج يودعها بحزن عميق قائلا: “عَلِمْتُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ الله، وَأَحَبُّ الأَرْضِ إِلَى الله، وَلَوْلاَ أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ، مَا خَرَجْتُ” . ولما أظفره اللهُ عليهم، وتمكن من رقابهم في فتح مكة، لم يقابل الشدة بمثلها، ولا العنف بعنف مضاد. بل لما تودد إليه أبو سفيان بمثل ما قال إخوة يوسف ليوسف: تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ، قال له: “لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ” . وقال قولته الشهيرة: “مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلاَحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ” . وعند أبي داود : “وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ” . قال إبراهيم النخعيُّ ـ رحمه الله ـ: “كانوا يكرَهون أن يُستَذَلُّوا، فإذا قَدَروا عَفَوا”. وعن أبي هريرة أَنَّ رَجُلاَ شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ جَالِسٌ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ يُعْجَبُ وَيَتَبَسَّمُ. فَلَمَّا أَكْثَرَ، رَدَّ عَلَيْهِ (أبو بكر) بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ وَقَامَ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، غَضِبْتَ وَقُمْتَ. قَالَ: “إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ”. ثُمَّ قَالَ: “يَا أَبَا بَكْرٍ، ثَلاَثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلِمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِله ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ، إِلاَّ أَعَزَّ اللهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً، إِلاَّ زَادَهُ اللهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً، إِلاَّ زَادَهُ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ بِهَا قِلَّةً” . ولقد سئل أبو الدرداء عن أعز الناس فقال: “الذي يعفو إذا قدر. فاعفوا يعزَّكم اللهُ”. وقال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ: “أفضل أخلاق المؤمن: العفو”. وكان عمر بن الخطاب يبدأ بنفسه ويقول: “كل الناس مني في حل”. وقال إبراهيم التيمي ـ رحمه الله ـ: “إن الرجل ليظلمني فأرحمه”. قال الغزالي: “وهذا إحسان وراء العفو”. ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ، فجعل يشكو إليه رجلا ظلمه ويقع فيه. فقال له عمر: “إنك أَنْ تلقى اللهَ ومظلِمتُك كما هي، خير لك من أن تلقاه وقد اقتصصتَها”. وقال النووي ـ رحمه الله ـ في “الأذكار”: “جاء أن رجلًا ذَكَرَ لِعمرَ بن عبد العزيز رجلًا بشيء. فقال عمر: إن شئتَ نظرنَا في أمرك، فإن كنتَ كاذبًا، فأنتَ من أهل هذه الآية: إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبإ فَتَبَيَّنُوا ، وإن كنتَ صادقًا، فأنتَ من أهل هذه الآية: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بنَمِيمٍ ، وإن شئتَ عفونا عنك. قال: العفو يا أميرَ المؤمنين، لا أعودُ إليه أبدا”. وروي أن راهبا دخل على هشام بن عبد الملك، فقال هشام للراهب: “أرأيتَ ذا القرنين، أكان نبيا؟” فقال: “لا، ولكنه إنما أعطي ما أعطي بأربع خصال كُنَّ فيه: كان إذا قَدَرَ عفا، وإذا وَعَدَ وَفَى، وإذا حَدَّثَ صدق، ولا يجمع شغل اليوم لغد”. ليستِ الأحلامُ في حَالِ الرِّضا إنما الأحلامُ في حَالِ الغضبْ وليس العفو أن تتجاوز عن الكُبَراء وأصحاب المكانة والشرف، بل يشمل ـ أيضا ـ من كان تحت يدك من خدم وغيرهم. فعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمْ أَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللهِ . ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمْ أَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَقَالَ: “كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً ” . وروى أبو يعلى بإسناد جيد عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ فقال: إنَّ خادمي يسيءُ ويَظلِمُ، أفأضرِبُه؟ قال: تعفُو عنه كلَّ يومٍ وليلةٍ سبعينَ مرَّةً” . ما كان ضَرَّكَ لو مَنَنْتَ وربما مَنَّ الفتى وَهْو المَغيظ المُحْنَقُ وعند البخاري عن الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ. فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلاً ، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ، فَقَالَ ليَ النَّبِيُّ : “أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ ثُمَّ قَالَ: “إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَن
الصحراء المغربية.. الغابون تجدد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي من نيويورك
هوية بريس- متابعة جددت جمهورية الغابون تأكيد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغ…





