Home الصحافة المغربية فحصٌ لدعوى العلمية في مقدمة كتاب (أوثان السلفية التاريخية)

فحصٌ لدعوى العلمية في مقدمة كتاب (أوثان السلفية التاريخية)

فحصٌ لدعوى العلمية في مقدمة كتاب (أوثان السلفية التاريخية)

فحصٌ لدعوى العلمية في مقدمة كتاب (أوثان السلفية التاريخية) هوية بريس – ذ. أمين ابحيحي يقولون إن الإنسانَ كائنٌ اجتماعيّ. أحسَبُ أنَّ أحدَ منافعِ هذه الفطرةِ الاجتماعية، تذكيرُها كلَّ فردٍ بأنَّه ذرَّةٌ ضئيلةٌ في مجتمعٍ يفوقُه حجمًا وأثرًا، ولذلك يجدرُ بمَن يرومُ الاختلاءَ بنفسِه لعلةٍ من العلل أنْ يحذر. يجدرُ به أن يحذرَ أن تُنسِيه خلوتُه منزلتَه في دنيا الله الفسيحة، فيظن أنه يتحققُ في نفسِه قولُ الشاعر: وَلَيسَ على اللَهِ بِمُستَنكَرٍ أَن يَجمَعَ العالَمَ في واحِدِ وليسَ ذلك لقُبحٍ في الخلوة بالنفس، ولكن لانجرافِ بعضِ الناسِ فيها، حتى إنهم ينسونَ أنَّ الواقعَ ليسَ خاضعًا لما يعتملُ في أذهانِهم. رجوتُ أن يسمعَ الدكتور عبد الخالق كُلَّاب هذا الكلام قبلَ أن يكتب مقدمة كتابه (أوثان السلفية التاريخية)، التي أعلنَ لنا فيها أنَّه دخلَ في خلوةٍ مباركةٍ انقطعَ عنه فيها التأثيرُ الخارجيّ، وخلُصَ فيها إلى أنَّ المغربَ كان ينقصُهُ بطلٌ يُخرِجُه من شَرنقَةِ الاستلاب، ويُلَقِّنُه هويته الحقَّةَ التي أخفاها عنه الشرقُ والغرب، واستخرجَها الدكتورُ من بواطنِ هذه الأرض، حاملًا منها ما حسبَه غيرُه رُفاتًا ذاهبًا، فبعثَها جسمًا وروحًا، حتى سوَّى منها البَنانَ! مضى الدكتور في مقدمتِه يُرغي ويُزبِد، ويزعمُ من المزاعمِ لنفسِه ما إن كلماتِه لتنوءُ بالعصبةِ أولي القوة، وغرضُنا في هذا المقال أن نكشفَ له منها بعضَ ما بلغَه النظر ومَسَّتهُ الأنامل، وليحتَمِل الدكتورُ منَّا بعض ما قد يجدُ فيه قسوةً، فإنَّ “التنوير” عندنا – والله – أعزُّ من رِضا الدكتورِ وسخطِه، فلا نحجمُ عن ذلك رغبةً في الأول أو خوفًا من الثاني. يبدأ عبد الخالق كُلَّاب منذ أسطرِ مقدمته الأولى في استعمال كلمة “المورية”، وإلصاقِها بكلِّ شيءٍ يستطيعُه، لكننا – كما قال – قومٌ نسينا “هويتنا المورية” لما رضخنا للتعريب والتشريق وغير ذلك من مذموماته، فَلِمَ لا يزعجُ نفسَه بأن يشرح لنا: ما المورية؟ أهي عرق؟ أهي وطنية؟ أهي اسمٌ لا تأثير له في البحث؟ وما الفرق بينها وبين المغربية والأمازيغية؟ ولماذا يوظفها دونَ غيرِها هذا التوظيف؟ عجيبٌ ممن يجعلُ الموريةَ محورَ بحثِه أنه يستعملها في مقدمته هذا الاستعمالَ الواسع وهو لم يشرحها بعد، إنَّ الدكتورَ يتعاملُ مع مصطلح “المورية” كأنَّه حقيقةٌ ثابتة، ومفهوم راسخٌ، ومُسلَّمَةٌ لا شِيَةَ فيها عند القارئ، وإلا كيفَ يستكثرُ منها هذا الاستكثار؟ فإن كانَت مُسلَّمةً كما يُوهِمُ استعمالُه فقد ارتفعَت حاجتُنا إلى كتابِه ومشروعِه ابتداءً، أجدني مضطرًا إلى الظنِّ بأن خلوة الدكتور المباركة لم تُفِدْهُ ضبطًا لمنهج، بقدر ما أفادته قدرةً على التهويل! يَظَلُّ – مع هذا الارتباك – من حقِّ الدكتورِ أن يصفَ خلوتَه وتقريراتِه وكلامه وسائر شؤونِه في هذا الباب بأنها “علمية”، لكن يحقُّ لنا أيضًا أن نسأله: ما أماراتُ “العلمية” في مقدمتك؟ يقول الدكتورُ في البداية: “نحن الآن في حاجة إلى قراءة جديدة للروايات الإخبارية المتداولة، قراءة بمركزية وطنية تبرز فاعلية أمتنا المورية.” اهـ، ما المركزية الوطنية والفاعلية المورية؟ إنَّ العلمية تقتضي من الباحثِ أن يُعلِنَ – ولو حِفظًا لماء وجهه – أنَّ غايتَه من البحثِ أن يصلَ إلى الحقيقة التاريخية، أو ما تجعلُه أدلتُه يظنُّه حقيقةً، وهو مُغمِضٌ عينيه عن مركزية المشرق والمغرب، لكن يبدو أنَّ كلَّ ما جناهُ الدكتور من خلوته المباركة أنه استبدلَ بالتحيُّزِ الذي يتهمُ به خصومَه تحيُّزًا آخر، كأنَّه يطبقُ قانون الحركة الثالث عند نيوتن، ولسانُ مقالِه – لا حالِه -: قد تحيَّزَ الناس للمشرق، أو للعروبة، فسأتحيز للمورية، وهذا حقُّه لا نمنعُه إيَّاه، لكننا لا نقبلُ أن يبيعَنا إيَّاه زاعمًا له العلمية. يزيدُ من مخالفةِ مقدمة الكتاب للمنهج العلميّ أنَّها لا تُنبِئُنا بمسلكِ الكاتبِ وأدواتِه، نحن لا نتلقى فكرةً عن منهجه في انتقاء الروايات وانتقادِها، ولا عن معيار ردِّ الأخبارِ وقبولها عنده، ولا عن المفاهيم والمصطلحات التي يُؤسِّسُ عليها مشروعَه، ولا عن الفرضيات التي ينطلق منها. والحقُّ في رأينا أنَّ الدكتور فشِلَ فشلًا ذريعا في بيانِ منهجه، فهو يُعلِمُنا بأنَّ له أهدافًا، إذ يذكر قراءة التاريخ بمركزية مورية، وحماية مؤسسات الدولة، وترسيخ الوطنية، وتنقية البرامج، ونحو ذلك، ونحن لا نمنعُه شيئا من هذا، لكن هذه الأهدافَ ليسَت أهدافَ بحثٍ علميّ، إنما هي أركانٌ لمشروعٍ في السياسة، ونحنُ لا نمنعُه هذا أيضا، ولكننا لا نقبلُ أن يُوهِمَ القارئ بأنها أهدافٌ علمية، فقراءة التاريخ بمركزية ما، وترسيخ هوية ما، ونحو ذلك، قد تُبلَغُ بالخرافاتِ كما قد تُبلَغُ بالحقائق، وقد تُخدَمُ بالعلم كما قد تُخدَم بالهراء، فالمشاريع السياسية – بغضِّنا النظر عن اتفاقنا معها – لا تستلزِمُ صحة المنهج وثبوتَ العلمية، والدكتور نفسُه يتهم “المستلبين” بأنهم يخدمون مشاريعهم السياسية بالأوثان التاريخية، ولم يَزِد هو في مقدمته على أن أعلنَ أنَّه سيصنعُ صنيعَهم. بل نكادُ نقول إن عبد الخالق كُلَّاب يعُدُّ الأهدافَ الأيديولوجية من شروط جودة التأريخ، ولا تعجَب، أليس هو القائل في مقدمته: “إن تجاوز هذه السلفية التاريخية يحتاج إلى مؤرخ شجاع… يحس بالانتماء إلى هذا الوطن، مواطن تكون هويته وطنية لا فوق وطنية.”؟ اهـ من حقِّ كُلِّ أحدٍ أن يحس بالانتماء إلى وطنه، لكن ما دخلُ هذا الانتماء في مقدمةِ كتابٍ يزعمُ صاحبُه أنه الرجلُ المنتظَرُ الذي سيخلص التاريخ المغربي مما أفسده به ذوو الإيديولوجيات؟ يُمدَحُ في أي إنسان – وليس في المؤرخ فقط – حُبُّ الوطن، لكن حبَّ الوطن لا مدخلَ له في جودة البحث، فهذه تُقاسُ بالالتزامِ بالمنهج المضبوط، وبتوظيف المصطلحات توظيفا سليما، وباتِّصالِ نتائج البحث بمقدماته، ولا نُحكِّمُ بحوث التاريخ بمِقياسٍ يدخُلُ إلى نفوسِ أصحابِها ليفحصَ مدى وطنيتهم، لهذا، تبدو هذه العبارة من الكاتب كأنها رشوة للقارئ (عليك تصديقُ بحثي لأنني رجلٌ يُحسُّ بالانتماء لهذا الوطن، أما خصومي فلا)، إنها تنهيدةُ بؤسٍ أمام خُلوِّ اليد من المنهج. ويظهرُ لي – والتمسوا لي العذر – أنَّ الدكتورَ لا يعرِفُ الفرق بين المقدمة والنتيجة، فهو يسردُ في مقدمته دعاوى خلافية كأنَّها حقائق ثابتة، ألا تراه يأتي بعبارات من قبيل: “فساد بذلك خطاب تاريخي انبنى على أخبار غير يقينية رددها الإخباريون دون نقد أو تمحيص” و” أبعاد جعلت من مجتمعنا امتداداً لحضارات أخرى لا نشترك معها في كل شيء.” وقد كان حريًّا به – مجددا حفظًا لماء الوجه على الأقل! – أن يقول مثلا إن هذه الدعاوى افتراضات، أو إنها لا تمثل إلا رأيَه الذي يسعى إلى إثباته، أما عرضُها هذا العرضَ في المقدمة فيوهِمُ القارئَ بأنها مسلماتٌ لا يحتاجُ الكاتب معها إلى برهان، ولو كانَت كذلك ما احتاجَ عبد الخالق كُلَّاب إلى إقامةِ مشروعه لإثباتها، على أنَّ هذا التصحيح – في ظنِّي – ينبغي أن يكون واضحًا أمام من يحمل صفة “الدكتور”. وليسَ أغربَ من أنَّ الدكتورَ يقول بنفسه في المقدمة: “نحن نعلم أن التاريخ هو ميدان للإيديولوجية”، وخلِيقٌ بمن يعرفُ مثلَ هذا أن يسعى جاهدًا لبيانِ أنَّه ليسَ حاملًا آخر من حاملي الإيديولوجية الراغبين في جعلِ التاريخ ميدانًا لها، لكنه – كما رأيتَ – يصنعُ عكسَ ذلك بلا خجل، ويمضي في مواضِعَ كثيرةٍ من كلامِه وهو ينطلِقُ من النتيجةِ ليؤسسَ عليها الأسباب. يظهرُ ذلك أوَّلَ ما يظهرُ في افتراضِ الدكتور وجودَ “ذاتٍ مورية” قديمةٍ تنتظرُ من يكتشفها، وهذا الزعمُ قائمٌ على التسليمِ بأن الهوية جوهرٌ ثابت، لا يمكنُ أن يتغيرَ أو يرتفعَ مع الحوادثِ والطوارئِ والتحولات، إن هذا تصوُّرٌ للهوية يحتاجُ في ذاتِه إلى برهان، لكن الدكتورَ يستعملُه مُبطَّنًا ويبني عليه. لم يحاول الدكتورُ أن يقنعنا بصحةِ هذا التصور، مع أنَّ مشروعَه كلَّه مؤسسٌ عليه، هو يأتي إلى المغاربة ويقولُ إن لكم هويةً مدفونةً تحت قرونٍ من التاريخ المزيف، وأنا البطلُ الذي سيبعثها، لكن، ما الذي يجعلُ المغربيَّ في هذا القرن محتاجًا إلى الدكتور ليبين له هويةً نسِيَها؟ كأنَّ المغربيَّ وِعاءُ خزَفٍ يملؤُه الدكتورُ أقِطًا وسَمنًا بعدما امتلأَ قَطِرانًا، ولكن المغربي ليس وِعاء، بل هو إنسان، وحركاتُه وسكناتُه، وكلامُه وفِكرُه، ولِباسُه وطعامُه، وكلُّ صغيرةٍ وكبيرةٍ في شؤونه، إنما هي نتيجةٌ لكثيرٍ من العواملِ المعقدة والمركبة، لكن الدكتورَ يختزلُها في أشياء توافقُ الجوهر الموريّ المزعوم، فهي دليلُ أصالة، وأشياء تخالفُ هذا الجوهر، فهي زوائد، وعلاماتُ استلاب، فيجب استئصالُها، ولكنه مجددا لا يُنبِئُنا ما دليلُه على أنَّ الهوية جوهرٌ ثابت ليصحَّ له كل هذا. لقد حولت الخلوة المباركة باحثًا في التاريخ إلى مُرَمِّمِ أسنان، يزيلُ التسوسَ ويسبدلُ به حشوةً، لكن المرممَ – في العادة – يعرفُ حدَّ ما يستطيعُ ترميمَه، وهنا يظهرُ الأثرُ السيئ الذي نخالُ الخلوةَ خلَّفَته على الدكتور. إن الإنسانَ إذا أكثرَ من الاعتكافِ على ذاتِه، والانقطاعِ عن مخالطةِ الآخرين، قلَّتْ قدرتُه على مقارنةِ محاسنِه بمحاسنِهم، ومساوئِه بمساوئِهم، وقد يتفاقمُ ذلك عنده حتى يرى مساوئَه محاسنَ، فيقع في “تضخُّمِ الأنا”، ويحسبَ أنه مُحيل البحار عذبة، وجاعل السِّلام رَطبة، كما قال ابن زيدون. يسيرُ الدكتورُ إذن، بين سطورٍ مقدمته، في سلسلةٍ استدلالية مُبَطَّنَة، وهو في حاجةٍ إلى إثباتِها لنوافقَه على أهمية مشروعِه أولا، دع أن نوافِقَه في صحة نتائجه، وهذه السلسلة مبنية على الشكل الآتي: الهوية جوهرٌ ثابت ← هوية المغرب الجوهرية الثابتة هي المورية ← التصقَت بهذا الجوهر تأثيرات مشرقية وعربية ← هذه التأثيرات طبقةٌ زائدة فوق الجوهر الموري النقي ← يمكن الوصول إلى هذا الجوهر بإزالة الطبقات المشرقية والعربية ← إذن يمكنني إزالتها بمشروعي. كل سهمٍ في هذه السلسلةِ متروكٌ بلا دليل، برجٌ وحيدٌ في فلاة تخالُه حصنًا من بُعد، فإذا بلغتَه وجدتَه عمودًا من الأوراقِ يسقطُ بأخفِّ الريح. إذا لم يبرهن الدكتورُ أولا على أن الهوية جوهرٌ ثابت، ثم على أن هذه الهوية الثابتة في المغرب هي المورية، فإننا سنقول له: لا حاجةَ بنا إلى مشروعِكَ الذي يحييها، ادرسها كما تُدرَسُ التواريخ السالفة والأمم البائدة والشعوبُ القديمة، واترك مسألة الهوية لمن يبحث في ماهية هوية المغاربة الحالية ومكوناتها وتحولاتها، فهذا أولى من ادعاءِ أن هويةً قديمةً ما – على افتراضِ وجودِها وصحةِ فهمك لها – يجبُ أن تُبعَثَ رغمَ أنوفِ الناس. وهذه من أكبر مشكلاتِ طرحِ الدكتور؛ العثور على اسمٍ في نصوصٍ تاريخية قديمة، ثم جعله مركزًا لافتراضاتٍ كثيرة، كلُّها تنطلِقُ من تصوُّرٍ غير مُبرهنٍ عليه، ثم تُعامَلُ هذه الافتراضاتُ على أنها حقائق ومُسلَّمَات. إذا لم يكُنْ في مشروعِ عبد الخالق كُلَّاب غيرُ هذا الخُرْم، فإنه يكفي لنرى مكانَ هذا المشروعِ من العلمية. يأبى عبد الخالق كُلَّاب التوقفَ عند هذا الخلط والخطل، ويتعدَّاه إلى جعلِ مقدمةِ كتابه أرضًا للمعارك، فهو بعد كل شيء بطلٌ مُنتظَر نَمَتْ أجنِحتُه في خلوته المباركة، يواجه المستلبين والمنبطحين والغزاة ومزوري التاريخ والمارقين والضُّلَّال، ويصِفُ نفسَه في مقابل ذلك بأوصاف البطولة والشجاعة، بل بلغَ به الأمرُ أنَّه اكتسبَ كرامةً من كراماتِ الأولياء، أو قدرة خارقة من قدرات أبطال القصص، فصارَ مُلِمًّا (هكذا!) “بنوايا الفاعلين التاريخيين” كما يقول، ونحنُ لا ندري أي نوعٍ من المؤرخين يصلُ به فحصُ الوثائق وتمحيصُ النصوص إلى “الإلمام” (كما يقول) بنوايا قومٍ ماتوا قبله بسنواتٍ أو عقودٍ أو قرون، بل كيفَ يصلُ إلى نوايا معاصريه قبلَهم؟ نعم، يعرفُ المؤرخ السياقات والأفعال والأقوال ونتائجها في حدودِ ما تمكنُه منه النصوص، وقد يفترضُ بالبناءِ عليها بعضَ نوايا رجالِ التاريخ، أما “الإلمام بالنوايا” (كما يقول مجددا!) فلا نعرفُ من يستطيعه سوى الله، وأدهى من ذلك أن هذا “الإلمام بالنوايا” في الحقيقة ليسَ سقطةً عابرةً للدكتور، بل هو عمودٌ يؤسس عليه مشروعه. إن مشروعَ الدكتور عبد الخالق كُلَّاب، يقومُ على اتِّهامِ عمومِ كاتبي تاريخ المغرب، وعمومِ مخالفِيه، بأنَّهم أعداء للأمة المورية (التي لم يشرح لنا ما هي!)، وأنَّهم في مخالفتهم له ينطلِقون من نيةِ سوءٍ تُريدُ جعلَ “الأمة المورية” تابعةً لغيرها، فيقول: “نظراً لوجود معارضين له، تدفعهم إلى ذلك أوهام اعتقدوها، فرسخت في أذهانهم، واستولت على وجدانهم” ويقول: “لأنها ستجد فيه أداة وطنية لدحض النزوع الإيديولوجي الذي يعتري المستلبين والمنبطحين”، ونحو ذلك. يحصِّنُ كُلَّاب مشروعه بمثل هذا الكلام تحصينًا مسبقًا أمام النقد، فكُلُّ كلمةٍ يخالفُه بها باحثٌ أو كاتبٌ أو أي شخص لا يرى ما يراه؛ تصبحُ علامةً على الاستلابِ والانبطاح والتمسك بالنزعة العروبية، وإنْ عضَدَها أصحابُها بالمنهج والأدلة والبراهين، هذه التي تخلو منها مقدمة الدكتور. يصلُ تضخُّمُ الأنا إلى ذروته مع قولِ الدكتور: ” لكنني على يقين تام أن هذا المشروع الذي أنا بصدده سيثير جدلاً واسعاً، ويلقى معارضة وممانعة تشد إليه الانتباه والاهتمام فالمحاولة، مشروع سيصبح في المستقبل القريب جذاباً، تتداوله وسائل الإعلام، وتعكف الأوساط الرسمية على إيجاد صيغ لاعتماده” اهـ، ها نحن ذا أمام رجلٍ يتنبَّأُ بنجاح مشروعه، بل يتنبأ باكتساحِه، قبلَ أن يُختبَرَ اختبارًا علميا، ويُصِرُّ فوقَ ذلك على استعمال ضمير المتكلم “أنا” دون غيرِه في هذا الموضع. لكن الذي يجعلُ هذه الفقرة أكثرَ إزراءً بطرحِ الدكتور إيهامُها بأنَّ صحةَ الحجة وعلميةَ الطرح تُقاسُ بانتشارهما، وعبد الخالق كُلَّاب إنما يبني مشروعَه ليثبتَ بُطلان “الأطروحة العُروبية” المزعومة، التي كانت – يا محاسن الصدف! – ناجحةً لقرون، ولو لم تكن ناجحةً ما اضطر الدكتور إلى تكبدِ كلِّ هذا لإبطالِها، فإذا أخذنا بمعيار الانتشار والنجاح الذي توهِمُ به عباراتُه، فطرحُ خصومِه الذي استمرَ قرونًا واستعمرَ بُلدانًا أقربُ إلى الصحة من طرحِه الوليد. لا نُحِبُّ أن يخلو نقدنا هذا من إنصاف، والحقُّ يُقال، إن الدكتورَ عبد الخالق كُلَّاب برعَ في هذه المقدمة في كتابةِ خطابِ حرب، جدير بأن يُلقى أمامَ جنودٍ خائري العزمِ ليشحذَ هِمَمَهم، وإذا كانَت جودةُ البحثِ تُقاسُ بمدى قدرته على تعبئةِ المتحمسين لخطابٍ أو مذهبٍ أو تيَّار، فإننا نحثُّ الدكتور على التقدمِ لبعضِ الجوائز العلمية التي يستحقُّها بحثه. إنني أتخيَّلُ نفسي مُتابِعًا شَرِهًا لصفحات التيارات المورية والأمازيغية على مواقع التواصل الرقمية، ثم أقرأ هذه المقدمة، ما كانَ شيءٌ ليُثيرَ حماسي أكثرَ منها، ولعلني كنتُ لأشرعَ في تعظيمِ صاحبِها، فيكبُرَ زَهوُه بنفسِه أكثر مما هو كبيرٌ سلفًا، ولذلك أصارحُ القارئَ بأنني صرتُ – بعد قراءة هذه المقدمة – أعذرُ جحافِلَ المتحمسين لخطابِ الدكتور، إذ قلَّما تجدُ في الدنيا قادرًا على التعبئةِ هذه القدرة، إن قراءة هذا الخطاب تُحزِن، فالمغرب خَسِرَ رجلًا كان ليَنبُغَ في التسويق. ولكن القدرةَ على التعبئة والتسويق، لا تفيدُ صحةَ مذهبٍ أو فسادَه، ولا ترفعُ من علميةِ طرحٍ قدرَ أنملة. يقولون إن الإنسانَ كائنٌ اجتماعيّ. لذلك كانَ حَرِيًّا بالدكتور عبد الخالق كُلَّاب أن يتذكرَ قبل كتابتِه لهذه المقدمة، أنَّ المجتمع أكبرُ منه ليظنَّ أنه سينظِّفُه مما يزعمُ أنَّه لوثةٌ مشرقية عروبية أصابته. كان حرِيًّا به أن يتذكر أن المجتمعَ وعقائده وسلوكه أعقدُ من أن يختزلَها في هويةٍ مزعومةٍ وجدَها بين صفحات الكتب. لذلك مهما أفادتِ الخلواتُ الإنسان، يفيدُه أكثرَ أن يختلطَ بالناس ليُدرِكَ أنَّهم ليسوا طينةً واحدة، ليسهل عليه اختزالُ اختلافاتِهم واتفاقاتِهم، وعدُّها طبقاتٍ زائدةً فوقَ جوهرٍ موريٍّ دفينٍ منذ قرون. The post فحصٌ لدعوى العلمية في مقدمة كتاب (أوثان السلفية التاريخية) appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

5 × two =

Check Also

وزان.. تعثر النقل المدرسي وغياب مقاعد الداخليات يهددان بتوسيع دائرة الهدر المدرسي

حذر مواطنون ينحدرون من جماعات مختلفة بإقليم وزان من تفاقم خطر الهدر المدرسي في صفوف التلام…